لعنة الأيديولوجيا

حجم الخط
0

علي كنعان

نحروه.. أم انتحروتهاوي الي سقرتاجر ضاق كرشهبالملايين فانفجر!

كانت هذه الأبيات الساخرة من وحي انتحار بعض المسؤولين السوريين خلال السنوات الأخيرة، ولقد جالت في خاطري وأنا أقرأ ما نشره في أكثر من موقع الكتروني معارض سوري اسمه بلال داود (وربما كان الاسم مستعارا، وهذا شأنه وحده). لقد كتب، تحت عنوان فاقع لعنة الانتحار تلاحق المعارضين العلويين في سورية، يقول: آخر لعنات الانتحار أصابت السيد علي كنعان، يوم السبت الماضي، وقد علم الجميع حينها، أنه الشقيق الأصغر لوزير الداخلية السابق اللواء غازي، الذي كان واحداً من ضحايا هذه اللعنة (كما يظن معظم السوريين). الذي قد لا يعلمه الجميع أن علي كنعان كاتب ومعارض للنظام السوري، وفي انتظار أن يكتب لنا عنه بتفصيل أوفي أصدقاؤه المقربون، سمحت لنفسي أن أعرض مقتطفات من مقالته المنشورة في موقع رابطة أدباء الشام بتاريخ 4/11/2006 أي قبل انتحاره بأسبوع واحد… الخ. (والمقالة منشورة أولا في “القدس العربي” قبل ذلك التاريخ بيومين). لقد فات السيد داود أن الأسماء تتشابه، وأن في سورية وعلي امتداد الوطن العربي عشرات الأشخاص ممن يحملون الاسم ذاته، وهم مسلمون ومسيحيون ومن مذاهب متعددة. ومن طرافة المصادفات أن الصحافة السورية نعت الشاعرين علي الجندي ومصطفي البدوي في الستينات بعد نعي سميين لهما في مصر. وأذكر أننا في منتصف السبعينات، توقفنا علي الحدود اللبنانية أكثر من ساعة اذ كان بين المسافرين اسما: محمد عمران وسليم حاطوم معا، وهما من الأسماء التي تثير الشبهة، وخاصة بعد أن بدأت بهما لائحة التصفيات الدموية في مسلسل الصراع علي السلطة… وهذا موضوع آخر، خارج السياق.

أول ما يلفت النظر في مقالة السيد داود هو اعتقاده اليقيني بأنه يملك في يمينه مفاتيح النعيم والجحيم، ولذلك بادر الي الصاق اللعنة باسمي لأنه مسكون ـ وبكل أسف واشفاق، أقول ذلك ـ بأيديولوجيا غيبية مثقلة برماد الماضي ورمم الأسلاف. ويعتقد أصحاب هذه الأيديولوجيا الماضوية أنهم ظل الله علي الأرض، وأنهم وحدهم يملكون صوت الوحي الالهي! وهم يجعلون تلك الأيديولوجيا أشد بؤسا وتهافتا وأدهي تأثيرا من الأيديولوجيات القومجية والستالينية المهيمنة في أكثر من بلد عربي.

شيء آخر مضحك لا يعرفه السيد داود وهو أن جدي من العراق وجدتي من ريف حلب، وهذا يعني أني أحمل في الحمض النووي عناصر من جميع المذاهب والقوميات (شيعية سنية صابئة عربية كردية تركمانية!).. وأشعر باعتزاز لأن التعددية عامل ثراء ديموقراطي لا يدركه أولئك المحصورون في أيديولوجيا انعزالية منغلقة. لكني أؤكد له أن الخوض في التصنيفات الطائفية، علي الطريقة اللبنانية أو حتي العراقية، لا يثيرها ويسعي الي استثمار أمراضها الا المستفيدون أو الطامعون بالاستفادة من طرحها، سواء كانوا في المعارضة أو الموالاة، وان تباينت نسب الاستفادة واختلفت طبيعة المغانم وأنواع الامتيازات.

المثقف لا تعنيه شؤون الجنة ولا شجون جهنم، وليس تواقا للحور والغلمان أو خائفا من نار جهنم؛ انما كل ما يعنيه أن يقرأ ما يجري في الواقع، انطلاقا من بلده حتي أقاصي العالم، ليسلط الضوء علي أمراض هذا الواقع ومشكلاته وليسهم في كشف وانارة دروب الأجيال الي المستقبل المرتجي. وهذا يؤكد أن الكراسي ـ بمن عليها ومن يحلم بها ـ لا تعنيه اطلاقا، لأن بصره وبصيرته متجهان نحو المستقبل وليسا غارقين في أساطير الأولين وأطلال الماضي ومتاحفه. انه يدرك بعمق أن الشجرة لا تنمو بلا جذور، لكنه يرفض أن تكون الجذور كل شيء في حياته وحياة أمته، لأن الشجرة التي تكتفي بالجذور تتحول الي حطب!

لم تكن الطائفية مطروحة في سورية الا بعد أن افتتح البازار السياسي دكاكين للسمسرة والتجارة والتهريب في أزقتها ودهاليزها، فقد صار لها وسطاء ومتعهدون ومستثمرون من جميع الملل والنحل. كانت الأكثرية، المذهبية والقومية، تري أنها ليست من مذهب معين وانما هي الشعب، الشعب الذي يحتضن تحت جناحيه جميع المذاهب والاثنيات الأخري، مثلما تحتضن القوادم الخوافي (وهو الريش الطري الصغير) في جناح الطائر… ومن هنا قال بشار الشاعر- ضحية التكفير القديم: فان الخوافي قوة للقوادم. ومن هذا المنطلق اختار زعماء الثورة السورية سلطان باشا الأطرش قائدا لهم وللثورة الوطنية. ومن المعروف أن قيادة تلك الثورة كانت أهم وأجدي من أية رئاسة تالية طوال ثمانين سنة من عمر سايكس بيكو وكوارثه.

الشيء البغيض الي درجة جارحة ومغيظة أن يكون اسم الصديق (ميشيل) هو الذي دفع الكاتب الأيديولوجي الي اعلان حربه المقدسة ضد اسمي ومنبتي ليخصني بجحيمه (المباركة)! وذلك جانب واحد من كارثة الواقع في انتهاك المواطنة واغتيال العقل وتغييب الحرية. وهذا الواقع (بطرفيه المتصارعين: السائد والمهيمن) يؤكد أننا انحدرنا الي أعمق درك جهنمي في التردي والانحطاط، وفق منظومة القيم والأخلاق حصرا.. لأن الأمراض الأخري قابلة للعلاج، ولو بالمداخلة الجراحية الموجعة. ان المزايا (النورانية) الكبري التي يمتاز بها أتباع أيديولوجيا عبادة الأسلاف، بعد أن حولوها الي صيغة مستحدثة من الطوطمية، هو أنهم استطاعوا أن يفتتحوا في صرح الدين الحنيف دكاكين سياسية تطمح الي استلام كراسي الحكم بعد اسقاط الطبقات الحاكمة من أصحاب الأيديولوجيات المعادية، دون التفكير بأهمية المواطنة. ولكن المواطنة أولا وأساسا، في أي بناء مستقبلي لسورية ولغيرها من البلدان، هي التي تعطي لأي حزب مشروعيته في الوصول الي استلام دفة الحكم وادارة شؤون البلاد، سواء بالمشاركة أو في الاصلاح والتغيير.

النقطة الثانية هو أنه صنفني، بعد الرقعة الطائفية المقرفة والمدانة جملة وتفصيلا، بأنني (معارض) وكأن اللعنة لا تكتمل الا بأن تكون خاضعا للثنائية المانوية البغيضة والمريبة: اما المعارضة أو الموالاة.. وليس هناك أي اختيار آخر! لا أدري كيف غاب عن بال السيد داود أن الكاتب العربي عاشق الحرية الي حد الجنون، والشاعر بخاصة وبحكم التراث الطويل، يري نفسه بكل جدارة ـ أو بغرور دونكيشوتي، ان شئت ـ أكبر من جميع الأحزاب الحاكمة وأهم من جميع زعماء المعارضة وأشباه المعارضة الذين يهيئون أنفسهم للرجوع الي أوطانهم في ظلال الدبابات البوشية القادمة.

أليس من حق المثقف، كاتبا، فنانا، مفكرا، تشكيليا، أستاذا، أن يكون خارج تلك الثنائية العقيمة؟ أليس في حياتنا العربية غير الأبيض والأسود؟ أليس هناك ألوان أخري وظلال ألوان؟! هناك أحزاب حاكمة وأحزاب معارضة تسعي لاستلام الحكم، وهناك قوي وطنية تريد التغيير الديموقراطي السليم بعيدا عن العنف الدموي (كما أوضح اعلان دمشق وأنا من مؤيديه بلا تحفظ)، فلماذا لا يكون للمثقفين فضاء ثالث بعيدا عن ثنائية السلطة والمعارضة؟! والمعارضة في الأنظمة الديموقراطية المعاصرة هي حكومة الظل، أي أنها طرف مراقب ومحاسب للسلطة، وهي جزء منها. اذا كان لا بد من الانتماء الي قبيلة ما من قبائل عصرنا الهمجي، فالكاتب ينتمي الي صعاليك العصر بلا تردد، بعيدا عن جميع القبائل والأحزاب والتيارات المتصارعة علي خشبة المسرح أو وراء الكواليس. ليس هذا هروبا الي الفوضي، خارج أي التزام. ولكنه التزام مصيري بقضية فلسطين أولا وأخيرا… وهو، في الوقت ذاته، التزام وطني وانساني عريض، مزود بالرؤي العلمية والقيم والأخلاق والمبادئ الحضارية، يدعو الي ثقافة المقاومة الحقيقية قولا وسلوكا وعملا، والغاء الأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية، والعمل بسيادة القانون وتحقيق المساواة بين جميع المواطنين وممارسة الحياة الصحية الآمنة في ظل الحريات الديموقراطية، وفي معزل عن التفكير بالمكاسب الشخصية أو الفئوية الضيقة، ومن دون الحصول علي أي مناصب ادارية أو مكاسب خاصة. لم يكن في نيتي أن أتناول هذا الموضوع بالكتابة لولا كلمات العزاء المضحكة التي تلقيتها من بعض الأصحاب، وليس من هواجسي أن أرد علي أحد لأن من حق كل انسان أن يكتب ما يشاء، ولأن فسحة الوطن كالشمس والهواء ودروب الحياة تتسع للجميع. واذا كانت الطبقة العليا من الأحزاب المهيمنة تحاول وحدها الاستئثار بأقراص الشهد وخيرات الوطن، فهذا شأنها وعلتها وحدها. ومن نعم الباري أن جنرال الفساد يقف لها بالمرصاد، وهو بالتأكيد أقوي من جنرال الشتاء الروسي خلال الغزو البونابرتي والنازي.

شاعر من سورية يقيم في الامارات

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية