لعنة النفط العراقي

حجم الخط
0

فاجأ ألان غريسبان الرئيس السابق للبنك الاحتياطي الاتحادي الامريكي العالم بأسره عندما كشف في كتابه الجديد ان النفط هو الدافع الرئيسي للحرب التي شنها الرئيس جورج دبليو بوش علي العراق، وليس اسلحة الدمار الشامل التي اتخذت غطاء لتبرير هذه الحرب.

مصدر المفاجأة هو مصداقية الرجل وخبراته المالية والسياسية العريقة وعمله مع اكثر من رئيس امريكي، ابتداء من الرئيس رونالد ريغان وانتهاء بالرئيس بوش الابن، ولذلك وجدت اقواله صدي واسعا في مختلف انحاء الولايات المتحدة والعالم بأسره.

فهذه هي المرة الاولي منذ ارسال القوات الامريكية لغزو العراق واحتلاله يخرج مسؤول امريكي في حجم غريسبان ومكانته، ويعترف بالعامل النفطي كدافع لهذه الحرب، وموجها صفعة قوية الي الرئيس بوش والمحافظين الجدد الذين سيطروا علي ادارته.

الرئيس بوش غزا العراق لانه يدرك من خلال خبراته النفطية بان معظم مصادر الطاقة النفطية في العالم خارج منطقة الشرق الاوسط ستنضب، ولذلك قرر تعزيز الهيمنة الامريكية علي المنطقة، وازالة اي خطر ممكن ان يشكله نظام الرئيس العراقي صدام حسين عليها، خاصة بعد ان بدأ يطور اسلحة كيماوية وبيولوجية، ويبني برنامجا نوويا طموحا.

الاحصاءات الرسمية تقول ان الولايات المتحدة تستهلك وحدها ربع الانتاج النفطي العالمي، او ما يعادل عشرين مليون برميل يوميا، وتأتي بعدها الصين التي تستهلك 13 مليون برميل ثم الهند، واذا وضعنا في الاعتبار ان زيادة نسبة الاستهلاك الامريكي تزيد بنسبة ستة في المئة سنويا والصين بسبعة في المئة والهند بخمسة ونصف في المئة، فان هذا يعني ان الطلب سيصبح ضعف العرض في السنوات العشر الماضية علي الاقل، مما سيجعل النفط محور صراع وربما حروب في المستقبل.

ما لم يقله غريسبان، وهو الخبير المالي، ان تكاليف هذا الاحتلال الامريكي للعراق جاءت باهظة للادارة والشعب الامريكي، مثلما جاءت مكلفة للشعب العراقي ايضا.

فمن المقرر ان يتقدم الرئيس بوش الي الكونغرس في الاسبوع المقبل بطلب لميزانية اضافية تصل الي مئتي مليار دولار لتمويل الحرب في العراق وافغانستان للعام المقبل، وهذا يعني ان مجموع ما ستخسره الولايات المتحدة في حربيها في البلدين يزيد عن ستمئة مليار دولار، اي اكبر من نفقات الحرب في فيتنام وكوريا.

تكاليف الحرب الامريكية في العراق تصل الي حوالي 12 مليار دولار شهريا علي اقل تقدير دون ان تحقق هذه المغامرة العسكرية اي انجاز حقيقي علي الارض غير قتل اكثر من مليون ونصف المليون عراقي وتشريد خمسة ملايين آخرين.

الرئيس بوش لم يحصل علي نفط العراق الذي كان يتطلع اليه، كما ان هيمنته علي منطقة الخليج واحتياطاتها النفطية الهائلة باتت تواجه التحدي النووي الايراني، فقانون النفط الذي وضعته الحكومة العراقية، وبما يؤدي الي تسليم الصناعة النفطية للشركات الامريكية العملاقة لم يحظ حتي الآن بتصديق البرلمان، وصدرت فتاوي تحرم التصويت لصالح اقراره من مرجعيات دينية سنية وشيعية.

لعنة النفط العراقي تطارد الرئيس بوش حتي اليوم الاخير من ولايته، وربما تؤدي ليس فقط الي هزيمة عسكرية مهينة لقواته في العراق علي غرار هزيمة فيتنام بل الي اخراج الولايات المتحدة من المنطقة برمتها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية