قبل عام بالضبط زار ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الولايات المتحدة في رحلة حصل فيها على حفاوة منقطعة النظير من كل أطياف المجتمع الأمريكي-السياسي والإعلامي، وأهم من ذلك قطاع المال والأعمال والترفيه. واستطاع مقابلة مدراء شركات عملاقة من الصعب لزعيم أجنبي ترتيبها مثل شركة أبل، أمازون، وزيارة خاصة إلى فيرجينيا غالاغيتك في صحراء موجاف.
بعد عام انهار كل شيء وأصبحت مشاريع الأمير الكبرى وتطلعاته في حال المجهول، وتبدو خطته لتحويل المملكة “رؤية 2030” ومعها مدينة المستقبل “نيوم” في مهب الريح. والسبب هو جريمة مقتل الصحافي جمال خاشقجي، الذي كان مقيما في الولايات المتحدة ويكتب مقالات ناقدة لولي العهد وحملات الاعتقال المستمرة للمعارضين، حيث نفذ عملاء أمن عملية القتل في قنصلية المملكة باسطنبول في 2 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي. ووضعت الجريمة التي توصلت وكالة الاستخبارات الأمريكية انها لم تكن لتحدث بدون أمر ولي العهد، المملكة أمام حال من التدقيق الدائم. ومنذ ذلك الوقت تحاول المملكة تجاوز الملف ووضعه خلفها على أمل أن تعود إلى المجتمع الدولي و”يغفر” لولي عهدها الجريمة. إلا أن لعنة خاشقجي تطارده، فلا يكاد يخلو يوم بدون تقرير يتحدث عن مصيره وتقليل صلاحياته حسبما أوردت صحيفة “الغارديان” (18/3/2019) الأسبوع الماضي، أو محاولات الفصل بين الأمير وصندوق الاستثمارات العامة وتحسين الصورة كما أوردت صحيفة “فايننشال تايمز” (19/3/2019) وموقع “المونيتور” من قبل.
وبين غضب الكونغرس وتجنب قادة العالم مقابلة بن سلمان وجد ولي العهد عزاء في جولته الآسيوية التي زار فيها كلا من باكستان التي رحبت به بإطلاق 3.000 حمامة والهند ثم الصين ووعد في كل جولة باستثمار مليارات الدولارات. رغم أن هذه الجولة لا تنفعه كثيرا فهو بحاجة مستمرة للولايات المتحدة التي لا يزال المشرعون فيها غاضبون على السعودية ويطالبون معاقبة المسؤولين عن مقتل الصحافي خاشقجي. وفي كل يوم تفتح الصحافة الأمريكية ملفا لولي العهد، فقبل أسبوع تم الحديث عن تعذيب الطبيب الأمريكي- السعودي وليد الفتيحي كما كشف صحيفة “نيويورك تايمز” في الثاني من آذار (مارس) وعادت لتكشف في 17/3/ 2019 عن فرقة تدخل سريع أشرف عليها الأمير وقامت بملاحقات المعارضين السعوديين في الخارج واستفزازهم واختطافهم وتعذيبهم. فالأخبار السيئة تلاحق المملكة ويبدو أن الكونغرس الأمريكي غير راغب بترك ملف ولي العهد رغم استمرار الرئيس ترامب الدفاع عن ولي العهد باسم الحفاظ على صفقات السلاح وعقود التجارة التي يقول إنها مهمة للأمن الأمريكي. وفي هذا الشهر مرر مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون قرارا يدعو لقطع كل أشكال الدعم الأمريكي عن التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن. ومن المتوقع أن يصوت مجلس النواب على قرار مجلس الشيوخ.
حصار
ويقول غلين كيري من موقع “بلومبيرغ” (21/3/2019) إن الحكام السعوديين يجدون أنفسهم اليوم معزولين في الولايات المتحدة أكثر من أي وقت منذ هجمات 9/11 التي شارك في تنفيذها 15 سعوديا. والملفات المتعلقة بالسعودية كثيرة فهناك تحقيقات يطالب بها المشرعون في الدعم الأمريكي للسعودية في مجال الطاقة النووية. وفي أخرى يهددون بفرض عقوبات جديدة ضد السعودية بسبب جريمة قتل خاشقجي. وصدرت عن نواب وأعضاء مجلس الشيوخ تعليقات حادة ضد المملكة، فالنائب الديمقراطي عن ماساسوشيتس جيم ماكغفرون وصف النظام السعودي بالوحشية القروسطية. وأكد أن الكونغرس يرفض بالإجماع عودة الأمور لحالتها الطبيعية مع السعودية.
وشارك ماكغفرون والسناتور الديمقراطي عن ولاية فيرمونت باتريك ليهي مع نجل الفتيحي ووليد الهذلول، شقيق الناشطة المعتقلة لجين الهذلول في مناسبة تحت شعار “التعذيب في السعودية”. وقدم المشاركان السعوديان تفاصيل مست مشاعر الحاضرين عن معاملة المعتقلين في السجن السعودي. ورفض أعضاء الكونغرس الكلام الروتيني الذي يتمسك به البيت الأبيض عن حيوية التحالف الأمريكي- السعودي واستخدموا منذ مقتل خاشقجي أوصافا لا تستخدم إلا لوصف أعداء الولايات المتحدة. وقال ليهي إن مقتل خاشقجي “كان وحشيا ولا يتوقع هذا إلا من شخص مثل صدام حسين”. أما السناتور الجمهوري ماركو روبيو فقد وصف ولي العهد بأنه يتصرف كـ “زعيم عصابة” وأضاف ليهي أن قيادة المملكة تتصرف مثل “منظمة جريمة” وأنها “تبذر ثروة البلاد النفطية في وقت تستخدم فيه السياسات القمعية والممارسات الوحشية”.
انفتاح
وكان المشهد قبل عام مختلفا جدا. فقد كان ولي العهد يطير على وعود الإصلاح والحد من سلطة الشرطة الدينية ومنح المرأة حق قيادة السيارة وفتح باب الترفيه ودور السينما التي عرضت أول أفلامها “بلاك بانثر”. وغير مقتل خاشقجي واستمرار القمع ضد الناشطين والناشطات والحرب في اليمن بما في ذلك استهداف حافلة تلاميذ مدرسة كانوا في نزهة كل شيء. ويأتي العداء المتزايد في الكونغرس لولي العهد في وقت تحتاج فيه المملكة للاستثمارات الدولية، فيما تم تأجيل أو وضع خطط بيع حصص من شركة النفط العملاقة “أرامكو” واكتتابها في السوق المالي. وفي العام الماضي تغيب عمالقة المال والأعمال والمصرفيون الكبار عن مؤتمر الرياض الاستثماري الذي وصف بدافوس الصحراء، حيث ابتعد الكثيرون خشية الارتباط بولي العهد المتورط بقتل صحافي معارض. وتم تمرير قرار وقف الدعم الأمريكي لحرب اليمن رغم الجهود السعودية واستعانتها باللوبيات حسب بن فريمان من مركز السياسة الدولية في واشنطن والذي يرصد جهود السعودية في العاصمة الأمريكية. وقال إن السعودية تواجه عقبات في واشنطن قبل مقتل خاشقجي إلا ان الجريمة عقدت من المهمة أكثر. وتوقفت مراكز الأبحاث عن قبول المال السعودي و “أهم من كل هذا توقف أعضاء في الكونغرس عن دعم السعودية على نحو أعمى”. وأنفقت السعودية في الأشهر الـ12 قبل مقتل خاشقجي 10.9 مليون دولار للتأثير على الحكومة الأمريكية والرأي العام. وكان لدى السعودية 28 شركة علاقات عامة تتولى الدفاع عن مصالحها. وبعد شهرين من جريمة قتل خاشقجي انسحبت ست شركات ولم يتبق لها الآن إلا 16 مجموعة لوبي. وتظل السعودية شريكا مهما للولايات المتحدة لكن دفاع الرئيس ترامب المستمر عن ولي العهد منحه فكرة أنه يستطيع الخروج من الورطة. كما قال بول بيلار، الضابط السابق في “سي آي إيه” والأستاذ حاليا في جامعة جورج تاون إن “سياسات ترامب وتصريحاته منذ جريمة مقتل خاشقجي لم تدفع محمد بن سلمان لتغيير موقفه”. ورغم المحاولات التي قام بها المسؤولون السعوديون من تقديم المسؤولين عن الجريمة للمحاكمة وتعيين الأمير ريما بنت بندر، كأول سفيرة سعودية في واشنطن إلا أنها غير كافية حسب جيمس دورسي المحاضر في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة “لوقف هذا عليهم إظهار الشفافية الكاملة في العديد من الأمور بما في ذلك رواية موثوقة عما حدث” لخاشقجي وبدون ذلك فسيواجهون عقبة كأداء.
حرب اليمن
وتظل حرب اليمن من العقبات فبعد أربعة أعوام تحولت إلى عبء في رقبة السعوديين، كما كتب بروس ريدل في موقع “المونيتور” (21/3/2019) حيث تورطت السعودية في مستنقع حرب باتت تشوه سمعتها، في وقت لا يبدو فيه المتمردون الحوثيون على عجلة لوقف الحرب مهما جلبت من معاناة على السكان. وفوق كل هذا باتت الحرب في اليمن عامل تنفير للكونغرس والإعلام الأمريكي بطريقة ستضر بالتحالف الأمريكي-السعودي على المدى البعيد. ويرى الكاتب أن التدخل السعودي قبل أربعة أعوام لم ينجح بعد في طرد الحوثيين من العاصمة صنعاء وإعادة الحكومة التي يترأسها عبد ربه منصور هادي. ورغم سيطرة التحالف على معظم الجنوب إلا أن خطوط المعركة لم تتغير منذ ثلاثة أعوام في وقت اتهم فيه الطيران السعودي بضرب أهداف مدنية. وفي الجنوب يتحكم السعوديون بالمهرة حيث يفكرون ببناء خط أنابيب نفط عبرها إلى المحيط الهندي، أما في عدن فقد تركوا الإماراتيين للعمل على بناء شبكات من الميليشيات الموالية لهم لا لهادي المريض الذي يقضي معظم وقته في الرياض، ولا أثر لحكومته على الأرض حتى في المناطق الواقعة تحت سيطرة التحالف. ونجح الحوثيون بتصوير أنفسهم كمدافعين عن السيادة الوطنية اليمنية ضد التدخل السعودي، وأثبت السعوديون عجزا في مجاراة الحوثيين إعلاميا وعسكريا. ويقول ريدل إن السعودية تحظى بدعم البيت الأبيض دبلوماسيا ومن ناحية توفير قطع الغيار الضرورية لمواصلة الحرب، بخلاف الموقف المعادي من الكونغرس والإعلام لولي العهد السعودي. وبرزت النائبتان المسلمتان رشيدة طليب وإلهان عمر في مقدمة الناقدين للحرب في اليمن التي أطلقت عليها عمر “جريمة ضد الإنسانية” وطالبت الولايات المتحدة التوقف عن التواطؤ فيها. ويقول ريدل إن قرار الكونغرس وإن كان رمزيا خاصة أن بيد الرئيس ترامب وقفه بفيتو إلا أنه يجب أن يكون بمثابة صيحة تحذير للسعوديين. فهناك الكثير من الديمقراطيين يدعمون الاتفاقية النووية مع إيران إن فازوا في انتخابات عام 2020 وسيكون هذا بمثابة تقريع لولي العهد الذي جعل مواجهة إيران مركز سياسته الخارجية. وطالما حاول السعوديون تمتين صلاتهم مع الحزبين حتى في الفترة الحرجة في أعقاب 9/11 لكنهم خسروا في الوقت الحالي الكونغرس بسبب اليمن وخاشقجي.
حدود آسيا
وتتوالى الأخبار السيئة على السعودية، فقد قررت شركة “إنديفور” إعادة 400 مليون دولار في استثمارات الترفيه، وأعلنت شركة لاسكالا للأوبرا الإيطالية إعادة 3 ملايين دولار قدمتها السعودية لغرض بناء مدرسة للموسيقى. وحتى لو سلم بعض الباحثين بأن دفعة بن سلمان باتجاه آسيا ستقدمه كرجل دولة، إلا أنهم يعرفون أن هذه الدولة ليست بديلا عن الولايات المتحدة بالنسبة للرياض، كسوق تجاري وللسلاح الذي تستورده بكميات كبيرة وللخبرة التكنولوجية لبناء مدن مستقبل.