ضرب عشاق كرة القدم أخماساً بأسداس، لفهم ما حدث لحلفاء مجموعة الموت في كأس الأمم الأوروبية، بسقوط حامل اللقب وآخر بطلين لكأس العالم في غضون 72 ساعة، كأوراق الشجر في بداية فصل الخريف، بدأت بإقصاء كريستيانو رونالدو ورفاقه في المنتخب البرتغالي على يد نجوم المنتخب البلجيكي، ثم كبرى مفاجآت البطولة بهزيمة المنتخب الفرنسي أمام جاره السويسري بركلات الترجيح، قبل أن يأتي الدور على الشريك الثالث الألماني، ليتجرع من نفس الكأس أمام الغريم الأزلي الإنكليزي، ليسدل الستار على دور الـ16 لليورو، بخروج ثلاثة من أعتى المرشحين للظفر بالأميرة الأوروبية، وسط تساؤلات وعلامات استفهام بالجملة حول الأسباب التي أدت إلى حدوث هذا السيناريو، الذي لم يتوقعه أحد.
لعنة المظلوم
جرت العادة دائما، أن المنتخبات التي تودع البطولات المجمعة من الدور الأول، تسقط من الذاكرة ولا يتذكرها أحد، لكن هذه المرة، استطاع المنتخب المجري كسر تلك القاعدة، بتصدره عناوين الصحف والمؤسسات الإعلامية، إلى جانب حصوله على إشادة على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بناء على ما قدمه رجال المدرب ماركو روسي في معارك تكسير العظام، مقارنة بما قدمه خصومه الثلاثة في البطولة بوجه عام، اللهم إلا بعض الومضات، على غرار ما فعله كريستيانو رونالدو في آخر 5 دقائق في المباراة الافتتاحية أمام أحفاد بوشكاش، وانتصار الألمان على حامل اللقب وفوز فرنسا على الناسيونال مانشافت، أما غير ذلك، فأغلبية النقاد والمتابعين اتفقوا على أن الأحق من مجموعة الموت من يترشح إلى الإقصائيات، والإشارة إلى المنتخب المجري، الذي أثبت عمليا أن انتفاضة يورو 2016، لم تكن ضربة حظ، حين لامس زمن الخمسينات والستينات، الذي نسمع ونقرأ عنه من كتب الأجداد، بالفوز على النمسا بهدفين نظيفين ثم بتعادلين إيجابيين أمام الحصان الأسود آنذاك المنتخب الآيسلندي والبطل البرتغال، قبل أن يودع البطولة بهزيمة قاسية بالأربعة على يد بلجيكا في ثمن النهائي، ورغم أنه لم يكرر نفس الإنجاز في اليورو الاحتفالي بمرور 60 عاما على تدشين المسابقة، إلا أنه خرج بمكاسب معنوية لا تقدر بثمن، أبسطها سحب البساط «إعلاميا» من العمالقة، بفضل الصورة المشرفة التي دافع بها الفريق عن إرث عظماء الزمن الجميل، حتى من شاهد المباراة الافتتاحية أمام حامل اللقب، لاحظ أنها ظلت متكافئة ومعلقة على نتيجة 1-0، إلى أن لعبت الفوارق الفردية دورها في قتل النتيجة إكلينيكيا بهدفين من ماركة صاروخ ماديرا في الدقيقتين 87 و+90. أما أمام فرنسا وألمانيا، فكان الطرف الأكثر إقناعا وجرأة، ويكفي الحرج الكبير الذي صدره لمدرب فرنسا ديدييه ديشان ومدرب ألمانيا يواكيم لوف، بأخذ الأسبقية في النتيجة وإجبارهم على خوض معركة معقدة لإدراك التعديل، الأمر الذي فجر تعاطف المشجعين، وفي نفس الوقت، فتح الباب على مصراعيه للسخرية والتشفي من البرتغال وفرنسا وألمانيا وطريقة خروجها من البطولة، وصلت الى حد الترويج لعقدة أزلية تُطبخ الآن على نار هادئة للثلاثي الكبير، ومن مسقط صاحب أشهر لعنة في تاريخ اللعبة، بيلا غوتمان، ذاك المدرب الذي تُثار حوله الكثير من الروايات الأسطورية.
قبر فيينا
تبقى أشهر مقولة مقتبسة لهذا الغوتمان، ما قاله في أوج غضبه لحظة خروجه من نادي بنفيكا: «أقسم أن هذا النادي لن يفوز ببطولة قارية لمدة 100 عام»، وذلك بعد الطفرة التي أحدثها في الفريق البرتغالي، بقيادته للفوز بدوري الأبطال مرتين، فيما جعله أول ناد يتوج بالبطولة الحديثة آنذاك في بداية ستينات القرن الماضي، بعد هيمنة ريال مدريد على اللقب 5 مرات في زمن ألفريدو دي ستيفانو وبوشكاش، وباقي الأساطير التي وضعت حجر أساس الملكي العظيم، وما يثير الدهشة إلى وقت كتابة هذه الكلمات، أن بنفيكا كان قاب قوسين أو أدنى من تجاوز لعنة غوتمان، بعد وصوله لنهائي دوري الأبطال في الموسم التالي لرحيله، لكن الفريق انحنى أمام ميلان. ومع الوقت انطبعت العقدة، حتى بعد اعتراف الإدارة بالخطأ الكبير، الذي ارتكبته في حق ابن مدينة بودابست، بإعادته إلى منصبه في النصف الثاني من نفس الحقبة، لكن لم تعد الأمور إلى ما كانت عليه في الولاية الأولى، والأدهى أن أساطير بنفيكا آمنوا بلعنة غوتمان، على رأسهم الأيقونة يوزيبيو، الذي وصل به الحال، الى زيارة بيلا في قبره في فيينا قبل مواجهة ميلان كذلك في نهائي عام 1990، حيث قام بالصلاة أمام القبر، طالبا السماح من روحه، أملا في أن تنتهي العقدة الأزلية، لكن الأمور لم تتغير، بعد فوز الروزونيري بهدف فرانك رايكارد. وعلى مدار ستة قرون، دفع عملاق الكرة البرتغالية ضريبة باهظة الثمن، بالتحسر على الخسارة في 5 نهائيات دوري أبطال أوروبا وثلاثة في كأس الاتحاد، آخرها الهزيمة القاسية أمام تشلسي في الوقت بدل الضائع في نهائي 2013، وفي العام التالي أمام البطل المتمرس على اليوروبا ليغ إشبيلية بركلات الترجيح. ولأن التعويذة السحرية جاء بها غوتمان من العاصمة المجرية، عادت لتفرض نفسها على الساحة في اليورو، في ما اعتبرها الشامتون والساخرون، أشبه بجرس إنذار أو بوادر لعنة مجرية للفرنسيين والبرتغاليين والألمان، لسوء الطالع الغريب والسريع، الذي لحق بالمنتخبات الثلاثة، بعد تحالفهم مع بعضهم بعضا في الدور الأول، لتأمين المراكز الثلاثة الأولى على حساب رابعهم الشجاع، في ما اعتبره أغلب المشجعين «انتقاما فوريا»، أما الفئة التي تؤمن بالخرافات واللعنات، ففسرت خروج البرتغال وفرنسا وألمانيا بهذه السرعة، على أنه نتيجة لعنة التكالب على المجر، وستكون المنتخبات الثلاثة محظوظة إذا توقف مفعول التعويذة الشريرة عند هذا الحد، ولم يستمر لعقود قادمة على طريقة غوتمان وبنفيكا.
هلاك مجموعة الموت
قبل التطرق إلى الأسباب الفنية والمشاكل التي عجلت بخروج الثلاثة المرشحين للذهاب بعيدا في اليورو، فقد أثبتت هذه البطولة، أن الرهان على فرسان مجموعات الموت والمبالغة في ترشحيهم للفوز باللقب، عادة ما يتحول إلى وهم وسراب، ولنا في التاريخ والحاضر أمثلة بالجملة، ولو عُدنا إلى بداية عصر كرة القدم الحديثة مطلع الألفية الجديدة، سنتذكر الضجة التي أثيرت حول ما وصفت آنذاك بمجموعة الموت في يورو 2000، التي كانت تضم البرتغال وألمانيا وإنكلترا ورومانيا، وفي الأخير تأهل منها أصدقاء لويس فيغو والمنتخب الروماني، ولم يصل أي منهما للمباراة النهائية، بخروج البرتغال على يد زين الدين زيدان والمنتخب الفرنسي في نصف النهائي، ورومانيا ودعت سريعا على يد الطليان في ربع النهائي. وتكرر نفس الرهان الخاسر على مجموعة الجحيم في يورو 2004، التي كانت تضم فرنسا وإنكلترا وكرواتيا وسويسرا، وبعد تأهل الفرنسيين والإنكليز إلى مراحل خروج المغلوب، خرجا معا من ربع النهائي، بسقوط الديوك أمام البطل اليوناني والأسود الثلاثة خسروا من صاحب الأرض البرتغال بعقدتهم الأزلية من علامة الجزاء وبركلات الترجيح. ومن ينسى أعنف مجموعة موت في التاريخ الحديث، بوجود هولندا وفرنسا وإيطاليا ورومانيا في مجموعة واحدة في يورو 2008، وبعد عروض الطواحين البرتقالية الخرافية في الدور الأول، ونجاة أسياد الدفاع من الوداع المبكر، ودعا البطولة معا من ربع النهائي، حيث اختفى سحر كتيبة ماركو فان باستن أمام الدب الروسي، بهزيمة نكراء وصل قوامها لهدف مقابل ثلاثة، وتبعها الآزوري بالخسارة أمام الجار وبطل نفس النسخة المنتخب الإسباني بركلات المعاناة الترجيحية، وغيرها من التجارب، آخرها مفاجأة الخروج الجماعي لجبابرة المجموعة التي استحوذت على اهتمام جُل المشاهدين ووسائل الإعلام، كدرس جديد من المركولة المجنونة، بأنها أحيانا لا تخضع للغة المنطق والعقل.
الأسباب الجوهرية
لا شك أبدا، في أن خروج المنتخب الفرنسي على يد جاره السويسري، يبقى المفاجأة الأكثر غرابة في المسابقة، وبالنظر إلى الأسباب التي أدت لظهور منتخب الديوك بهذه النسخة المتواضعة، مقارنة بالصورة الهوليوودية التي كان عليها في حملة الانقضاض على مونديال روسيا قبل ثلاث سنوات، سنجد أن أبرزها، حالة الاحتقان والمشاكل المسيطرة على غرفة خلع الملابس، والتي وصلت إلى مرحلة الذروة بعد تسريب ما دار بين والدة ووكيلة أعمال أدريان رابيو وحاشية بول بوغبا، إذ يزعم بعض المصادر، أن المحامية تلاسنت مع والد بوغبا بعد تسبب الابن بول في هدف استقبلته شباك المنتخب في ليلة الخروج أمام سويسرا، ناهيك عن عدم جاهزية العديد من اللاعبين، في مقدمتهم كيليان مبابي، الذي بصم على بطولة للنسيان، تأثرا بالإصابة التي جعلته يخوض اليورو وهو في أقل حالاته الفنية والبدنية جاهزية، ناهيك عن انشغاله ذهنيا بملف مستقبله مع باريس سان جيرمان، وتفكيره في حلم ارتداء قميص ريال مدريد هذا الصيف، وغيرها من الأزمات التي شكلت الصورة البائسة التي كان عليها طوال البطولة، التي خرج منها بلا هدف يتيم، وختمها بركلة الترجيح التي أطاحت بالوصيف وجسدت الحالة التي كان عليها. هذا ولم نتحدث عن كوارث مدافع برشلونة لينغليه، الذي قام بدور اللاعب رقم 12 بامتياز بالنسبة للمنتخب السويسري، بأخطاء أقل ما يقال عنها ساذجة، كانت سببا في انتهاء الوقت الأصلي بالتعادل الإيجابي بثلاثية في كل شبكة، كشريك رئيسي مع المدرب ديدييه ديشان، الذي أدار المباراة بطريقة غير موفقة، تجلت في التغيير المثير للدهشة والاستغراب، باستبدال أفضل لاعب في فريقه أنطوان غريزمان، لتأمين الوسط بسيسوكو، ليدفع الثمن بعودة سويسرا في الوقت المحتسب بدلا من الضائع، قبل أن تأتي الضربة القاضية من علامة الجزاء. وبالتبعية تزايدت الضغوط والانتقادات، لإجبار زيدان على التنحي من منصبه، ليمهد الطريق أمام مواطنه زين الدين زيدان، الذي يتصدر قائمة المرشحين لتولي قيادة أبطال العالم، في حال تقدم ديشان باستقالته أو تمت إقالته قبل عام من نهاية عقده الممتد لآخر ارتباط في كأس العالم في قطر عام 2022.
أما المنتخب البرتغالي، فقد عانى من لعنة الماضي غير البعيد، حين كان يتصدر قائمة المرشحين للفوز بالبطولة، لامتلاكه تخمة من ألمع النجوم المحترفة في الدوريات الأوروبية الكبرى، وكان واضحا وضوح الشمس في ظهيرة يومنا هذا، أن أحفاد فاسكو دا غاما، خاضوا اليورو، بصورة البطل المدجج بالأسلحة الثقيلة في كل المراكز، من نوعية أفضل لاعب في البريميرليغ روبن دياش، وقائد ثورة مانشستر يونايتد برونو فيرنانديز، وبطل الثنائية المحلية مع مانشستر سيتي بيرناردو سيلفا، وغيرهم من الأسماء اللامعة، يتصدرهم السلاح الفتاك كريستيانو رونالدو، على عكس الصورة التي كانوا عليها في يورو 2016، حيث كان يصنف كواحد من المنتخبات الشابة التي ينتظره مستقبلا مشرقا، ما ساعد هذا الجيل قبل التحول إلى مرحلة النجومية، على اللعب بأريحية وبضغوط أقل من وضعهم في 2021. إلى جانب ذلك، لا ننسى أنهم اصطدموا بواحد من أقوى وأشرس منتخبات الكوكب في السنوات القليلة الماضية، وهو المنتخب البلجيكي الذي يضم كوكبة من السوبر ستارز، القادرين على بعثرة أي منتخب بصرف النظر عن اسمه، ونفس الأمر ينطبق على المنتخب الألماني، الذي لم يكن محظوظا بمواجهة العدو التاريخي الإنكليزي، الذي يمر بمرحلة استثنائية تحت قيادة غاريث ساوثغيت. لكن بوجه عام، لم يقدم الناسيونال مانشافت، سوى دقائق الرد على كريستيانو رونالدو في مباراة الفوز على حامل اللقب بنتيجة 4-2، أما غير ذلك، فبالكاد ظهر المنتخب الألماني بنفس النسخة المترنحة التي يبدو عليها منذ مونديال روسيا 2018، وذلك بطبيعة الحال، لحاجة المنتخب لدماء وأفكار جديدة، بدلا من مدربه يواكيم لوف، الذي استنفد كل أفكاره على مدار عقد ونصف عقد في القيادة الفنية للمنتخب، وهذه ستكون مهمة المدرب الجديد هانز فليك، مع استئناف النشاط الدولي بالتصفيات الأوروبية المؤهلة لكأس العالم. أما الصدمة، فكانت في المنتخب الهولندي، الذي تعرض للإذلال الكروي على يد التشيك، بالهزيمة بهدفين نظيفين في دور الـ16، ليضطر المدرب فرانك دي بور لتقديم استقالته قبل اجتماعه بالمسؤولين في اتحاد الأراضي المنخفضة، باستثناء ذلك، لم تشهد نتائج مواجهات ثمن النهائي مفاجآت خارج التوقعات.