لعنة كرسي الحكم العربي

حجم الخط
0

يا إلهي .. ما هذا الذي يحدث.. رغم كل هذه الثورات والدماء التي أريقت والأوصال التي تقطعت .. ما زال حكامنا قبل وبعد ربيع الثورات العربية على حالهم .. الوجوه تغيرت لكن السياسة العقيمة كما هي .. إنهم مازالوا يعاملوننا كقطيع من الغنم .. قطيع لا يرعاه راعي حنون .. بل يرعاه ذئب جائر .. وكأنها لعنة كامنة في كراسي الحكم العربي تصيب من يجلس عليها بلوثة معاداة الشعوب.لعنة تصيب الرؤساء بنوع من الغباء السياسي يحول بينهم وبين متطلبات الشعوب البسيطة في العيش الكريم والحرية الوافرة .. لعنة تجعلهم يدمنون ممارسة لعبة المؤامرات والدسائس لمصائر هذه الشعوب .. لعنة تدمن التحالف مع الأمريكان والصهاينة ومن يحذوا حذوهم لكي يتحكموا في مقدراتنا .. لعنة الخوف من: الإسلاميين والجادين والشرفاء على سائر طبقاتهم .. لعنة تتيح لأذناب وفكر النظام السابق أن يستمر في تغوله داخل المجتمعات.. لعنة تصيبهم بالصمم والغباء فلا يسمعون ولا يفهمون أنين المعذبين وصيحات الثائرين .. لعنة لا تسمن ولا تغني من جوع أمام هذه الجموع الثائرة الواعية.فأمير الكويت لم يتعظ من أقرانه الذين خلعوا من كراسيهم بصورة مزرية، وها هو يستنكر ثورة شعبه داخل مجلس الأمة الكويتي، ويصر في تعنت غريب على عدم إقالة قريبه رئيس الوزراء الذي أزكمت رائحة فساده كل الأنوف، ويلوح بالعصا الأمنية في قمع المتظاهرين .. نفس السيناريو الذي بدأت به كل الثورات العربية المشتعلة في المنطقة، ونفس التعنت الذي ينتاب هؤلاء الحكام في أوج سلطتهم وعنادهم .. ثم تتدحرج الأحداث صوب الجماهير الثائرة لتبدأ معها نبرة السلطة تخفت شيئا فشيئا حتى تنتهي بالمهانة.فها هو الرئيس اليمني الذي كان يقول للثوار في بداية انتفاضة الشعب بأنه قد فاتكم القطار .. ها هو الآن يرضخ للأحداث -بعدما أعيته المراوغات- ويوقع المبادرة الخليجية ويسلم السلطة إلى نائبه ويفر إلى حليفته أمريكا .. ولكن يوقع المبادرة بعد ماذا .. بعدما فات القطار، وسقط الآلاف، وانهار اقتصاد اليمن، والساذج يظن أن جرة قلم بالموافقة سوف تمحي كل هذه المآسي، وسوف تجعل جموع الثائرين تغض الطرف عن سيطرة أبنائه وعشيرته على كل أجزاء اليمن .. لكن شعب اليمن العظيم رفض هذه المسرحية العبثية الماكرة التي أشرف عليها وأخرجها المجتمع الدولي بقيادة ملك السعودية ومبعوث الأمم المتحدة .. فلقد فات القطار، وصرنا في محطة دموية تتوجب محاكمة صالح ومعاونيه على جرائمهم البشعة في حق شعبهم.أما مصر فهي الجريح الأكبر، وصاحبة المصاب الأعظم، حيث تتسارع الأحداث ويمر الشهر تلو الشهر منذ ثورة يناير العظيمة .. تمر تسعة أشهر ويكتشف الشعب بالأحداث والوقائع أن الحكومة الجديدة تكيد للشعب كيدا أشد خبثا من كيد المخلوع السابق، فلا شيء إيجابيا تحقق على الأرض، وإنما عملية قيادة مشبوهة هدفها دغدغة المشاعر وتبريد الثورة، فمازال المخلوع وأذناب نظامه يديرون بأموالهم الثورة المضادة من داخل معتقلاتهم، أما المسرحية الهذلية المعنية بمحاكماتهم فقد تنساها الشعب ونفض يده منها لسخافتها، ومازالت البورصة تتوالى خسائرها، والاستثمارات تهرب، وأباطرة الاحتكارات على حالهم، والخدمات العامة في تدهور، أما الأمن فصار سرابا، وكأن رجال الداخلية يعاقبون الشعب على ثورته، ناهيك عن دسائس يحي الجمل ووثيقة السلمي الأخيرة التي فجرت الأوضاع وأعادت الأمور إلى المربع الأول.رضي الشعب مؤقتا بحكم العسكر، فوجد العسكر لا يرغبون في تسليم السلطة، وأصابتهم لعنة كرسي الحكم العربي، والكوارث تتوالى ولا تتوانى، ولا ترفع كارثة ولا يصحح مسار ألا بثورة ومليونية ومزيد من القتلى والجرحى.وقبل الانتخابات البرلمانية اشتد لهيب المؤامرات وحمى وطيس المكائد، ويخرج علينا نائب رئيس الوزراء (السلمي) في الحكومة الانتقالية الهزيلة بالوثيقة الحاكمة للدستور .. يعطي فيها حصانة مطلقة للجيش وميزانيته، ويعبث بمكونات لجنة صياغة الدستور .. والعديد من المكائد التي يعرفها الجميع.. فاحتاج الأمر إلى هبة شعبية جديدة، بعد طول انتظار وغياب المليونيات عن ساحة ميدان التحرير.. كانت جمعة ومليونية المطلب الواحد (18/11/2011).. هتف الجميع بالعسكر كي يحددوا موعدا لتسليم السلطة، والكف عن العبث بمقدرات الأمة وفرض الوصاية على الشعب.بعد هذه المليونية الناجحة قامت الدنيا وقعدت .. أسقط في أيدي صناع القرار الذين أصيبوا بلعنة كرسي الحكم العربي، لقد ظنوا أن الشعب فترت همته وخارت عزيمته ولكن هيهات، فقرروا أن يجربوا معه سياسة العصا الغليظة، وفي يوم السبت توجهت كتائب الأمن لمركزي بقيادة لواء شرطة لتزيح بالقوة أربعين معتصما من وسط ميدان التحرير، فهبت الجماهير قافلة إلى الميدان، بعدما تأكد لديهم أن الثورة تحتاج فعلا لثورة إنقاذ ولتقديم مزيدا من الشهداء والمصابين .. تفاقمت الأمور، وسقط الشهيد تلو الشهيد، وتحركت المياه الراكدة.خرج المشير يخطب في جموع المتظاهرين .. بيان هزيل كالبيانات التي كان يلقيها المخلوع إبان الثورة.. بيان تجاوز فيه دماء الشهداء وجروح المصابين، وخرج علينا بتطبيق قانون العزل السياسي الذي بحت أصواتنا من أجل تفعيله، إلا أن القانون صيغ بدهاء وأفرغ من محتواه الأصلي .. ثم حدد المشير في نهاية بيانه موعد تسليم السلطة.. ولكن بعد ماذا .. بعدما فات القطار .. بعدما سقط أكثر من أربعين شهيدا وآلاف الجرحى.. بعدما وصلنا لمحطة وجوب عزل المشير وتكوين حكومة إنقاذ وطني عوضا عن الحكومة الشلاء التي أشرف عليها العسكر.ماذا يحدث بالضبط، هل عقمت الأمة أن يوجد بها شرفاء يقودون السفينة لبر الأمان، هل كرسي الحكم العربي لابد أن يكون كرسي الدسائس والنوايا الخبيثة والمؤامرات ونفض اليد من رغبات الشعوب وطموحاتها.لماذا يتنكر صناع القرار لعروبتنا وهويتنا الإسلامية؟ لماذا يكيلون الاتهامات لكل من لا يسير في ركابهم ويلهج بذكرهم؟ لماذا يستأثرون بالقرار وكأن الفهم والدراية بالمصلحة حكرا عليهم وحدهم؟ لماذا يكون هذا الكرسي هدف الوصوليين والمنتفعين والموالين لأعداء شعوبهم، ويزهد فيه الشرفاء الحقيقيين. لماذا تتغير المواقف وتتبدل الأحوال فور الاستحواذ على هذا الكرسي العجيب. أهي لعنة في هذا الكرسي شبيهة بلعنة الفراعنة التي حدثونا عنها في الأساطير.أما هي مسألة نفوس آثرت بهاء السلطة وتناست مسئوليتها أمام الله تعالى وأمام شعوبها.. اللهم إنا نشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة. د- خالد سعد النجار[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية