فتحي عبد الله تمثل تجربة الشاعر محمود قرني تمايزا خاصا وأهمية كبرى في سياق قصيدة النثر في مصر، نظرا لطبيعتها المركبة، فهي ليست تجربة أحادية تقوم على تكرار نموذج واحد، وإنما تقوم على عناصر أساسية متنوعة ومختلفة، وتلك العناصر في حالة مستمرة من التفاعل والصراع، وقد أخذت أكثر من شكل وأكثر من صيغة حسب انحياز الشاعر في كل مرحلة ومن أهم هذه العناصر ما يلي:1ـ الارتباط بالموروث الرمزي في شكله الإنساني وقد انحاز الشاعر في بداية تجربته للثقافة المصرية القديمة سواء في العلاقات ذات الطابع الكوني أو الحسي أو التي ترتبط بالمكان مما أعطي انطباعات بالبحث عن الهوية المطمورة وأن هذا المكان يمتلك شعرية خاصة ومتمايزة عن بقية الشعريات في العالم، وتمثل ذلك في الديوانين الأوليين وهما: ‘خيول علي قطيفة البيت ‘ و’حمّامات الإنشاد ‘ رغم ما بينهما من اختلاف في الأداء الشعري إلا أن اللغة المستخدمة كانت تتناقض مع هذه الرؤية.2ـ وفي المرحلة الثانية انحاز الشاعر بكليته للثقافة العالمية، سواء تحت دافع الحداثة في الإبداع أو الرؤية الإنسانية، وتم في هذه المرحلة الإعلاء من شأن ما هو مشترك بين الثقافات حتى أصبحت رموز الثقافات الأخرى احدى أدوات إنتاج الشعرية داخل نصوصه وكان ذروة ذلك في ديوانه’هواء لشجرات العام ‘ إلا أن الشاعر صاغ هذا الانحياز بطريقة أخرى أقل معاصرة وأكثر اقترابا من الشعر في ديوان ‘طرق طبية للحفاة ‘ وهي تجربة ذات طبيعة إنسانية متجاوزة وحديثة وإن لم تنفصل عن ما يحدث في المجتمع من صراعات . وهذا الديوان علامة فارقة في تجربة الشاعر وفي الشعرية المصرية.3 ـ وفي المرحلة الثالثة انحاز الشاعر لما هو شرقي أي للثقافة الشرقية، بكل تنوعها واختلافها ، وبكل ما تملك من هجنة واختلاط بين الثقافات وربما في أنصع نماذجها وهي ‘ألف ليلة وليلة’ وهو نص ذو طبيعة كونية، ويحقق شروط الهوية في إطارها العام وهذا ما يتناسب مع النمط الشعري المقترح، وقد تمثل ذلك في ديوان ‘لغات مشرقية’، موضوع هذه المقالة، وقد تم بناء هذا الديوان بطريقة محكمة، فالرؤية الكلية التي تهيمن على النص، هي رؤية روائية خالصة، إذ اعتمد الديوان على شخصية رئيسية وقد أخذت أكثر من اسم، بما يتناسب مع الصراع والأحداث ، كما ساهمت شخصية الراوي العليم بدور فعّال، أقصد الشاعر، كما ظهرت شخصيات ثانوية كثيرة، ترتبط بدرجة أو بأخرى بالمناخ العام للديوان، وتؤدي دورا حيويا في تطور التجربة. وإن كان التطور هنا ذا طبيعة شعرية، إذ اعتمد الشاعر على الزمن الدائري أو تداخل الأزمان، بما يشير الى اللحظة الآتية، فالزمن المتخيل يقوم على اللحظة المعاشة في العمق ، أو في الباطن وفي السطح يقوم على الزمن القديم، بما يقدم من سحر وطقوس بدائية.كما اعتمدت الرؤية على دور كبير للمكان، في إنتاج الشعرية وإن كان مكانا متخيلا في بعض الأحيان وإن مزج الشعر بين أماكن الأحداث القديمة ، وأماكن الشخصيات الحديثة وإن كان المكان في بعض المقاطع يسيطر عليه سحر الصحراء أو الأرض الخالية بما يوحي بالقداسة والفطرية الأولى وفي البعض الآخر ، وهو الغالب ، يشغل القصر أو بيت الأمراء والسادة المكان المركزي للنص، بما في القصر من طقوس بعضها لزائر ينتمي للطبقات العليا، كما يشير الى ما بينهم من دسائس وصراعات على الحكم وكذلك صراعات العبيد وطقوسهم الخاصة، وإن كانت هذه الطقوس تكرس لكل ما هو طبقي، وكأن هذا الوجود محكوم عليه من قوي خارجية لتكريس هذا الوضع غير الإنساني.كما اعتمد الشاعر على أكثر من طريقة للسرد وإن تميز منها السرد الذي يحاكي سرد ‘ألف ليلة وليلة’ أو السرد التاريخي لدى الإخباريين العرب وكان دوره محوريا في إثارة السخرية والتهكم أو عبئا على النص كما في المقطع الأول:(تحدثت ورد الأكمام الى حيواناتها الأليفةثم حكت قصة الثعلب الذي خدع الحمار وغير وعبر النهر ظهره مضجعا و بين يديه السيجار) ص3ثم السرد الحكائي، أي سرد الحكاية وهو يقوم على الشفهية وتداخل الأحداث والأزمان وهو أقرب الى السرد الشعري لأنه لا يعتمد علي ما هو منطقي إلا في المفاصل الصغيرة للحدث كما في المقطع (13):’ تاجر البن والشيلان يتكلم عن الطلسمات الغريبة التي استطاع فك رموزها وهو يتطوح على ظهر ناقته ومع ذلك يسخر من حظوظه العاثرة التي نقشها رحالون على ذراع محبوبته ومضوا إلى حال سبيلهم ‘ ص 29ثم السرد الشعري الخالص وهو الذي يتبني منطقة الحلم أحيانا أو يعتمد على الخيال وحده في اختراع الحدث وكيفية تطوره كما في المقطع (24(‘ سألني ولدي إن كنت قد تزوجت أميرة، لينة الأعطاف اسمها ورد الأكمام من أجل انتشالنا من وضاعة السلالةفأدركت أن الولد وصل الى سن حرجة وقلت له، تحشم أيها الغراب فالحيطان لها آذان ‘ ص64 كما استخدم الشاعر تقنية الحوار بطريقة مذهلة في كثير من النصوص حتي قامت احدي مقاطع الديوان على الحوار فقط مستخدما صيغة موروثة تعتمد على قال وقلت كما في المقطع (22(‘اختلف العاشقان على اختلاس اللذة فاحتكما الى الضب قالت الأميرة عم صباحا ياأبا الحصين أنا ورد الأكمام قال عمت صباحا يا فتنة البوادي والشعاب قالتجئت ومعي هذا اللص لنحتكم إليك’ ص54ورغم البناء الصارم في هذه التجربة فإن الشخصية الرئيسية التي تدور حولها الأحداث وهي ‘ورد الأكمام ـ الملاكة ـ الأميرة ـ بقرة الخلافة’ قد وصلت الى ذروة الصراع في المقطع الثاني عشر، وأصبح دورها ثانويا في بقية التجربة، كما لا يمكن أن يكون هناك تطابق بين تلك الشخصيتين وشخصية ‘ألف ليلة وليلة ‘ فالصراع الحقيقي لورد الأكمام في تلك التجربة هو غياب الذكورة أو صراعها من أجل الوصول الى ذكر، حتى لو كان حمارا أو خادما أو من خلال بعض الطقوس السحرية التي تتقاطع مع موروثات ألف ليلة وليلة أو حكايات الحكام العرب .إن هذه الطقوس الاحتفالية بطبيعتها تدمر المعنى المباشر وتكرس لحالة الفقد أو غياب الذكورة، ففي الإثناعشر مقطعا حالة واحدة، متطورة، كلها تكرس لحالة العطل الإنساني وإن أخذت شكلا طقسيا كما في المقطع (11)’هكذا صنعت الأميرة حبلا من الحرير البعلبكي وهبطت ناعمة خارج الأسوارالحكيم الذي اصطحبها في الفلواتيتقافز خلفها لا هثا وهو يقول : العبد يشكو وحدته وبدنك خزانة اللذة ومآب الصالحين فاجعليه مآبي فتقول الملائكة: ياجدي لثغتك عميقة ولا أكاد أتبين ما تقول ‘ ص 26ومن المقطع الثالث عشر سوف تأخذ ورد الأكمام دورا اخر أو تختفي بالكامل من بعض المقاطع أو تكون احدى أدوات المشهد فقط.وفي هذا المقطع يتوحد الراوي العليم مع الألماني غوته في عشق سحر الشرق، وبخاصة شيراز’ يتنهد ويقول أنا السيد جوتهأعترف بأنني معذب شيراز وسارق نشوتها لمن أعتذر الان أيها الألم’ ص33وفي بقية المقاطع تهيمن الرؤية الكلية للراوي العليم / الشاعر / والتي تسعي لاكتشاف الشرق وإن كرست للرؤية الرومانسية التي تحصر الشرق في صراعات بعينها ما يثبت مفهوم الاستبداد الشرقي بكل تخلفه وبكل علاقاته الجسدية التي تلهب خيال الغرب وإن لم يحدث التحقق الإنساني المطلوب، ففي المقطع (17) يتمحور النص حول صراع الحداثة والتخلف، الحداثة ممثلة في ‘الباشا إبراهيم’ إبن محمد علي الذي ذهب الى المملكة العربية السعودية للقضاء على الحركة الوهابية دون أي مبررات إنسانية، فالصراع في مجمله فاشي ومتخلف سواء كان عسكريا أو دينيا/ فالاثنان يؤكدان مفهوم الاستبداد الشرقي . ‘ قرب تلال نجد رفع الباشا سيفا مرصعا واختط بئراأسفرت ماء غزيرا فدق الأوتاد وأناخ الرحال هنا عرف النصل طريقه إلى الأحشاء’ ص40أما الحس الأيروسي في تلك التجربة فقد أخذ أكثر من شكل في الأداء وأكثر من دلالة، فأحيانا شفافا وإنسانيا وإن كان في مجملة رومانسيا مثاليا كما في المقطع (20(‘ بتلك الهيئة انتزعت قلبها وضعته الى جوار أزهار الحديقةونادت فتردد صوت الفتي أنا الديك الصياح هكذا تسميني الملاكة’ ص 48وأحيانا يجنح الى الحسية إلا أنها محدودة ولا تلعب دورا كبيرا في النصوص إذ تأتي في شكل إشارات سريعة، ربما لغوية في معظم النصوص كما في المقطع (21(:’ يا قرص الحلوي أين عسلُك يازين الرجال تنادي ورد الكمام على باب المدينة ثم تتحدث عن الأضواء ونشوة السكاري وعن العذارى لينات الأعطاف’ ص 51ففي النصوص يغيب الفعل الجسدي الخفيض وتسيطر الحكايات الشفوية سواء من الراوي العليم أو الشخصية الرئيسية ورد الأكمام. فالجسد هنا ليس موجودا بذاته وإنما محكي عنه وتصل هذه الرومانسية إلى ذروتها في المقطع (23) وفيها يعود الشاعر إلى الشكل الشعري القديم لأنه يناسب الغناء والترجيع:’ يامن يساكن ورد الخد والخال أبكي لحالك أم أبكي لأحوالي بنت العصائر تمضي فوق كاحلها طير الغضي غني، طير الغضي خالي’ ص 60وأحيانا تأخذ العلاقة بين الرجل والمرأة إطارا آخر يستطيع الشاعر من خلالها أن يكشف عن ما يحدث في المجتمع من صراعات وإن كانت تكرس أيضا لمفهوم الإستبداد، وضعف المرأة وعدم قدرتها على القعل الإنساني سواء كان جسديا أو غير جسدي كما في المقطع (16)’ يوما ما سأدوس ضعفي وعذوبتي بحذائين لامعين قالت الملاكة ‘ ص 38وفي المقاطع (40،41،42) يعود السرد بقوة الى ورد الأكمام وتصبح مركز النصوص وتتحول الى أسطورة، فهي أم الشرق أو رمزه الدال، إذ يقول الشاعر :’ المملكة الان مكتملة الأركانالشعب يتبختر في الساحة الأميرة في قصرها رجال النظام دائما ساهرون’ ص 112ثم يختتم الديوان بحالة أسطورية فاتنة تمثل روح الشرق، بكل معتقداته وبكل طقوسه الشعبية الساحرة ‘ يولد الطفل في الصباح فيذهبون به الى البحيرة حيث هناك من يعمده هناك من يرفع الأذان فوق رأسهوبعد أن يعيدوه الى غرباله يضحكون حوله’ ص113إن البناء الجديد الذي إقترحه الشاعر في تلك التجربة، لم يكن نوعا من المهارة فقط أو المقامرة، وإنما هو محاولة لإكتشاف و تقديم شعرية جديدة في شكلها العام وفي دلالتها الباطنية، إذ إستطاع الشاعر أن يقدم عالما جديدا على نمط قصيدة النثر، به من سحر الأساطير الكثير وبه من الواقع ماهو أكثر سحرا لأنه كان مطمورا وغير مدرك أو متعين، وقد قدمه الشاعر من خلال الطقوس اليومية ذات الطابع الاحتفالي.* شاعر من مصرqadqpt