عزيز العرباوي صدر مؤخَّراً عن ‘مكتبة لبنان ناشرون’ في بيروت، كتابٌ جديد للدكتور علي القاسمي عنوانه ‘
‘. ويقع الكتاب المسفَّر في 230 صفحة من الحجم الكبير، بطباعة أنيقة وورق صقيل. وقد أهدى المؤلِّف كتابه هذا ‘إلى أطفال الوطن العربي الأعزاء، ضحايا السياسات اللغوية والتربوية والإعلامية الجاهلة الجائرة’ إشارة إلى عدم رضاه عنها.
يرى المؤلِّف أنَّ السياسة اللغوية ( التي تسمَّى أحياناً بالتخطيط أو التدبير اللغوي) علمٌ قديم في غاياته ومضامينه، ولكنه حديث في مناهجه وأساليبه. فقد وُجد منذ أن نشأت أولى الدول في وادي الرافدين ووادي النيل والصين وإمبراطوريات الأزتيك. فالدولة تسعى دوماً إلى ترتيب المشهد اللغوي في البلاد، واختيار لغة رسمية مشتركة، استجابة إلى احتياجات سياسية واجتماعية واقتصادية. ويشارك في وضع السياسة اللغوية، اليوم، مختصون في العلوم السياسية والاقتصادية واللسانية، يعملون على إخضاع اللغة الرسمية للتقعيد والتقييس والتنمية والتيسير، من أجل تسهيل التواصل في البلاد وتسريعه.
ولما كانت اللغات الكبرى التي تنتشر على مساحات جغرافية شاسعة، تتعرَّض لظاهرة الازدواجية اللغوية، حيث يظهر فيها مستويان: فصيحٌ للكتابة والمناسبات الرسمية، ودارجٌ للتواصل اليومي، فإن المؤلّف يتناول ظاهرة الازدواجية في اللغة العربية المعاصرة بدراسة تفصيلية، ويقترح جملةً من الإجراءات العملية الكفيلة بنشر الفصيحة المشتركة، وتقريب اللهجات الدارجة منها؛ من أجل أن تتوفَّر الأُمّة على لغةٍ مشتركة تكون بمثابة أداة نفاذ إلى مصادر المعلومات، واستيعابها بدقة، وتبادلها بسرعة ويسر، والإبداع فيها، بهدف إيجاد مجتمع المعرفة القادر على تحقيق التنمية البشرية الشاملة.
بيدَ أنَّ تحقيق هذا الهدف يتطلَّب معرفةً عميقة بطبيعة اللغة البشرية وطرائق إنتاجها في الدماغ، وكيفية اكتسابها من قبل الأطفال والبالغين. ولهذا يخصِّص المؤلِّف فصولاً من الكتاب لنظريات اكتساب لغة الأم، واللغة الثانية، واللغة الأجنبية، وكذلك التداخل اللغوي والتحوّل اللغوي لدى الأشخاص الذين يتعلّمون أكثر من لغة.
ينظر القاسمي إلى التداخل اللغوي بوصفه انتقالَ عناصرَ من لغةٍ ( أو لهجة) إلى أُخرى، في مستوىً أو أكثر من مستويات اللغة: الصوتية والصرفية والنحوية والمفرداتية، والدلالية، والكتابية، سواء أكان الانتقال من لغة الأم إلى اللغة الثانية أو بالعكس، وسواء أكان هذا الانتقال شعورياً أو لاشعورياً. أمّا التحوُّل اللغوي فهو تحوّل المتكلِّم من لغة إلى أُخرى أو من اللغة الفصيحة إلى اللغة الدارجة أو بالعكس، أو المراوحة بينهما في حديثه. ويحصل هذا التحوُّل لدى الشخص ثنائي اللغة بصورةٍ شعورية لغاية من الغايات، أو بصورة لا شعورية عندما يستعمل مخاطبه اللغة الثانية، مثلاً، فيتحوَّل المتكلّم إليها دون أن يقصد ذلك. ويتم تشخيص التداخل اللغوي عن طريق التحليل التقابلي وتحليل الأخطاء، من أجل اتخاذ الوسائل التعليمية لتفاديها.
يخصِّص المؤلِّف فصلاً يتناول فيه وسائل تنمية لغة الطفل وترقيتها، يتطرَّق فيه إلى كتب القراءة للأطفال التي ينبغي أن تقوم على أساس الرصيد اللغوي الوظيفي، وقوائم شيوع المفردات والتراكيب، والدراسات التربوية النفسية اللغوية، وينبغي أن تدعم القراءةَ أنواعٌ من المعاجم مثل المعاجم المصوَّرة، والمعاجم المبسّطة، والمعاجم المدرسية، ويضيف المؤلِّف ملحقاً بعناوين هذه المعاجم المتوافرة في الأسواق.
ومن أطرف ملاحق الكتاب، دراسة ترجمها القاسمي عن مجلةٍ علميةٍ أمريكية عنوانها ‘ولادة لغة جديدة في قرية فلسطينية داخل إسرائيل’، يتحدّث فيها باحثون أمريكيون وإسرائيليون ظاهرة انتشار نوع من الصمم الموروث بنسبة عالية في تلك القرية، ما اضطر جميع سكانها إلى استعمال لغة إشارية خاصة بهم، نشأت بصورة تلقائية؛ وأراد الباحثون أن يعرفوا ما الذي يحدث عندما يتوجّب على المخِّ البشري أن يصنع لغةً من لا شيء، يستطيع الناس أن يتحدّثوا بها عن أشياء حاضرة وأُخرى ليست حاضرة في الزمان والمكان. كما وقف الباحثون على البنية القواعدية لهذه اللغة الإشارية الوليدة.
يأتي هذا الكتاب، ضمن مشروع الدكتور القاسمي للكتابة في أهم القضايا اللسانية، فقد أصدرت ( مكتبة لبنان ناشرون) نفسها، خلال السنوات الأخيرة، مجموعة من كتبه مثل: ‘الترجمة وأدواتها’ ( 2009)، ‘علم المصطلح: أسسه النظرية وتطبيقاته العملية’ ( 2008)، ‘معجم الاستشهادات الموسَّع’ ( 2008)، ‘علم اللغة وصناعة المعجم’ ( 2005)، ‘المعجمية العربية بين النظرية والتطبيق’ ( 2003). وإضافة إلى اهتمامات القاسمي اللسانية والتربوية، فإنه يكتب ويترجم القصة القصيرة والرواية كذلك. فقد صدرت له عدّة مجاميع قصصية من دار ‘ميريت’ في القاهرة، ودار الثقافة في الدار البيضاء مثل: ‘أوان الرحيل’ ( 2010)، ‘دوائر الأحزان’ ( 2009)، ‘حياة سابقة’ ( 2008)، ‘صمت البحر’ ( 2003)، ‘رسالة إلى حبيبتي’ ( 2003). كما تعددت طبعات كتبه المترجَمة في القاهرة ودمشق وبيروت مثل روايتَي همنغواي ‘الوليمة المتنقلة’ و’ الشيخ والبحر’، وكتابه ‘مرافئ على الشاطئ الآخر: روائع القصص الأمريكية المعاصرة’.