لغة المرايا في كتاب «مقالات اليوم السابع»

■ هل من أبواب أخرى لهذه الهوية؟ لهذه القضية؟ أبواب كثيرة تفتح وتغلق وتظهر، أبواب تمتد منها أبواب أخرى، وأنت واقف أمام هيكل الأبواب، تريد قبضة جديدة لتعيدك نحو أولك، إلى مرآتك الأولى المفتوحة على كل الاحتمالات.
من أنا؟
ومن هم؟
وكيف صار لفلسطين مرايا تقود الاحتمالات، تمتلك أسئلة الماء التي لا تُمسك؟ وكيف أصيب الفلسطيني بهوس الأبواب التي تعيده نحو البداية؟ نحن جيل ولدنا في اليوم الثامن، ولدنا أمام هياكل الأبواب، فوق تلال الأسئلة، فوق أرض يجب أن يقال بعدها أن أرضنا هناك، فلسطين دائمًا هناك. كنا هنا دائمًا وكنا هناك.
في اللغة متسع دائمًا لهذا البحث، البحث عن حضورنا في أرضنا، والبحث عن غيابنا عن أرضنا، وفي اللغة أيضًا متسع للكلام الذي يأخذنا نحو بدايات مراحل مفتوحة على كل الاحتمالات، ففي اللغة مرايا تعيد القصة نحو بداياتها، أو ما يشبه البداية، ففي كتاب «مقالات اليوم السابع» الذي أصدرته «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» وقدمه الكاتب حسن خضر، لغة المرايا هذه، لغة تفتح أبوابًا نحو غرف من المرايا تعكس مراحل مهمة ومتشابكة من الوعي الفلسطيني، والهوية الفلسطينية، وإثبات الحضور والغياب، من خلال مجموعة نصوص للشاعر محمود درويش، كتبها في مجلة «اليوم السابع»، تندرج النصوص تحت ثلاثة عناوين «فضاء الآخر» و«كتاب المراثي» و«سهم في الخاصرة»، وكلها تعيد القصة إلى بدايتها، وهل ذلك زمن البداية؟ لربما من هذا السؤال تأتي أهمية الكتاب، إنه يعيد ترتيب الذاكرة لمن عاشوا اليوم السابع، ومن ولدوا بعد اليوم السابع، فالبداية المتداخلة مع نهايات مؤجلة تجعل من الفلسطيني يعيش في دوائر غير متصلة، دوائر تشكل الهوية وتصيغ الأسئلة وشكل المرآة التي أرى بها نفسي، وأرى من خلالها الآخر.
وهل في اللغة متسع للقاتل والضحية؟
القسم الأول من الكتاب يقدم ماهية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي في خطاب الثقافة الفلسطينية، ويتشكل فيه وعي الأسئلة المطروحة ووعي الأجوبة، هي حلقات من وعي تدور فوق هذه الحكاية، حكاية الفلسطيني وتعاطيه مع نفسه ومع الآخر، ليقدم لنا محمود درويش نقده للسياسة «الإسرائيلية» وطريقة تعاطيها مع الزمن، ومع الأرض ومع العالم، في مرآة الإسرائيلي ظلال كثيرة يرتدي من خلالها الشكل الذي يريده، ويقدم نفسه مرتين في مرايا أصحاب الأرض، وهذه الازدواجية في التعاطي وفي تقديم النفس راقبها محمود درويش في تلك المرحلة، وراقب عقد هذه الشخصية وتبريرها الدائم وحدود لغتها ومخاوفها.
وهل أنا ثابت في الزمان والمكان؟

 يقدم القسم الأول من الكتاب ماهية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي في خطاب الثقافة الفلسطينية، ويتشكل فيه وعي الأسئلة المطروحة ووعي الأجوبة، هي حلقات من وعي تدور فوق هذه الحكاية، حكاية الفلسطيني وتعاطيه مع نفسه ومع الآخر

القوة لا تكمن في إيجاد الإجابة، بل في التعامل مع الزمن، كتبت هذه النصوص في مرحلة كانت فيها «إسرائيل» تحاول القبض على الزمن، مرحلة وعي الجريمة المرتكبة بحق الشعب الضحية. لتجد إسرائيل نفسها أمام أسئلة كثيرة، يعالجها الشاعر محمود درويش بمرايا اللغة التي تعكس مراحل ووجوهًا ومواقف. باب على البحر وباب على السماء، وفي كل باب باب آخر للاستقبال والوداع. وفي اللغة متسع لأكثر من وداع، كأن وداعًا واحدًا لا يكفي أحيانًا، ففي القسم الثاني من الكتاب – تحت عنوان «كتاب المراثي»- نرى الشاعر محمود درويش، وهو يودع من لم يودعهم في كتاب «حيرة العائد»، غيابات كثيرة ترتفع فيها اللغة لتصل إلى الألم الإنساني الذي يسببه الموت والاغتيال والرحيل. شوارع تفتح، وخطوات تخرج عن الطريق، وخيام تنصب على الشاطئ، يسلط محمود درويش الضوء، من خلالها على تجربة أصدقائه وكتّاب المرحلة، ويتحدث عن بعده الشخصي في تجربة كل وداع، ويدافع من خلال كل رثاء عن جمالية كل تجربة، وعن براءة إنسانية لا تنتهي مع الزمن. وتتسع اللغة لفضاء عاصي الرحباني، «وعجب» صلاح جاهين، وتتسع الأبواب والوداعات تضيق، والتعابير تدور في حلقات الاغتيال والموت والرحيل. ففي الرحيل يخرج محمود درويش من دوائر البحث والإيضاح، ليجد نفسه أمام لغة الغياب، التي ينظر من خلالها إلى كل شيء من بعيد، هو غياب مؤجل يحضر فجأة في أسلوب النداء، وكلمات أضيق من تنهيدة.. لينتهي البعيد بعودة بطيئة نحو البداية، كأن محمود درويش يكتب ويلهث من طول الطريق، من وداع مفتوح لن ينتهي للأبد.
وهل الآباء يموتون؟ لربما هنا أستطيع الإجابة، آباؤنا يموتون مرتين، مرتين وأكثر.. في رثاء محمود درويش لوالده يعود نحو لمعة الأشياء الأولى في داخله..
«الفصول
مربعات السمسم
أمواج حنطة
وخضرة خافتة للزيتون
مطر أول طين أول
وفاكهة أولى»
فهو لا يرثي نفسه فقط، بل يرثي نفسه حين كان هو وأبوه فوق الأرض الأولى، كأن اللغة تحليق بعلو منخفض فوق الحقول الأولى.. ببكاء، أو ما يشبه البكاء.
وهل في اللغة متسع للبقاء؟
يشكل الفصل الأخير من الكتاب «سهم في الخاصرة» كما يقول مقدم الكتاب «صراع البقاء ووحدانية التمثيل في قيد السياسة والحياة». من خلال هذا القسم الأوسع يعيدنا محمود درويش بالذاكرة إلى أحداث الماضي، التي يصل انعكاسها إلى الحاضر، ويعيد بناء انكسارات كثيرة بنصوص تؤكد على أننا في ذاكرة مستمرة، دائمة وغارقة بالتكرار، تحاول الوصول إلى الضوء بهدوء متين ومواجهة مستمرة للبقاء والتشبث بالحق، ومهما تفاوتت الآراء وتصادمت، وعبرت ممرات ضيقة للنقاش، فهي قادرة على مواجهة مراحل ضبابية معقدة، لتؤكد أن محمود درويش هو من أهم صيّاغ الهوية الفلسطينية، وتشكيل وعيها، وهو صوت خطابها الدائم من خلال نصوص امتدت وتمتد اليوم في هذا الكتاب الذي يضم ذاكرة كاملة، وأجوبة كثيرة، وأبوابا مفتوحة أمام الأرض والبحر والسماء، لتدفعنا بهوس للبحث وراء أبواب لم تفتح حتى الآن.

٭ كاتب فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية