لغة تَئِدُ بناتها!

حجم الخط
0

خيري منصورقد يصلح اليوم الذي خصصته اليونسكو للغة العربية وهو الثامن عشر من ديسمبر/كانون الاول مناسبة لفتح ملف تراكم عليه الغبار والرّطانة معا، لكن ما يتعلق باللغات اصبح الان شجنا كونيا بعد ان انقرضت الاف اللغات وثمة لغات أخرى في الطريق الى الانقراض، وهذا ما حفّز الفرنسيين على عقد مؤتمرات متعاقبة للدّفاع عن عافية لغتهم فالفرانكفونية امبراطورية لغة قبل كل شيء، لكن العرب الذين بلغ التصحّر كل ظواهر حياتهم وصل الآن الى تخوم اللغة، فهي تتعرض الى تعذيب مزدوج، سواء من الاكاديميات المتحجرة او من أعراب يرطنون بلغتهم ويرصعون كل جملة منها بكلمات انجليزية او فرنسية بحجة انها لم تعد طيّعة للتعبير عن مستجدات العصر، والقول بأن اقتران اللغة العربية بالقرآن جعلها مقدّسة ويحظر الاقتراب منها من اجل التحديث والتطوير قد يكون صحيحا الى حدّ ما، لكن هذه الاطروحة تتحول الى حق يراد به جملة أباطيل وليس باطلا واحدا فقط، ذلك لأن اللغات كائنات حية تحبو وتتعثر وتشيخ ايضا، خصوصا اذا اعتراها الهجران وصدّق الناطقون بها انها قاصرة، لكن ما يجب التذكير به قبل اي شيء آخر هو ان اللغة لا تنأى او تنقطع عن عدة سياقات سياسية واقتصادية وثقافية تماما كما كانت اللهجات العربية عديدة لكن لهجة قريش التي سادت توفرت لها عناصر القوة والنفوذ وبالتالي البقاء، وفي فترات الانحسار القومي التي مرّ بها العرب كانت اللغة في مقدمة ضحايا السّطو والاحتلال، فقد قاومت التعجيم زمنا والتتريك زمنا آخر، وها هي الان تقاوم بما تبقى لها من مناعة العولمة، وسبق للعربية ان تعرضت الى محاولات تهشيم من احشائها ومن الناطقين بها، فقبل عقود صدر كتابان أحدهما في لبنان والاخر في تونس حول اعادة النظر شبه الجذرية في اللغة العربية كي تواكب العصر.الكتاب الاول اشد خطورة لأنه موجه للفتيان ويسعى الى تخفيف اللغة من أثقالها ويبدأ بواو الجماعة حاذفا الألف لكن ليضيف هامشا في اسفل الصفحة يوازي بثقله كيسا من الواوات، واول ما خطر ببالي عند قراءة هذا الكتاب هو كيف نقرأ الاسم (عمرو) اذا حذفت منه الواو؟في كتاب آخر للجنيدي خليفة بعنوان ‘نحو عربية افضل’ نقرأ ما يلي: ‘بعد سنوات طويلة يقضيها الطالب في تعلمه يتوصل إن كان من الموفقين الى ان حكم المبتدأ الرّفع .. طيّب، اذا لم نرفع هذا المبتدأ او سكّناه مثلا هل فسد المعنى او خسفت بنا الأرض؟’ويضيف هذه العبارة الملغومة بما يدمّر اللغة كلها قائلا: هل من خرق وحماقة، بل هل من جنون أفظع من قضاء زهرة العمر في سبيل تعلم لا شيء؟ هذا اللاشيء بالنسبة للمؤلف هو النحو وقواعد اللغة، ومن المفارقات ان الكاتب بعد سطور قليلة يستخدم التاء المفتوحة بدلا من المربوطة في كلمة المساواة حيث جاءت وفق الفقه الجديد ‘المساوات’! ويغيب عن هؤلاء المتذمرين من اثقال اللغة وحروف العلّة فيها ما قاله الناقد ماكليش عندما سخر ممن يغير حرف العلة في كلمة طير لتصبح طورا، يقول تستطيع ان تفعل ذلك لكن طيرك سوف يختفي!يقترح الجنيدي استبدال حركات الاعراب بالأرقام ويقدم نماذج تبدو بعد اجتهاده الى اللوغاريتمات.’ ‘ ‘وحين اخفقت محاولات تهشيم اللغة من داخلها جاء دور التهميش، بدليل استشراقي، وللمثال فقط يذكر المستشرق ‘ويلمور’ في كتاب الّفه عام 1919 ان اللهجة المصرية تنحدر مباشرة من لهجة قديمة اوثق اتصالا باللغتين العِبْرية والآرامية من اللغة العربية، والمثير في هذا الكتاب ان صدر عام 1919 وهو عام الثورة التي اصبحت جذرا لكل ما أعقبها من ثورات في مصر الحديثة، وظهر في تلك الاونة دعاة استبدال الفصحى بالعامية، ثم كتب مستشرق آخر هو ‘سبتا’ يقول ان اللغة الفصحى عبء خطير على الرجل العادي بل على الشعب كله.وقد يكون ما كتبه الشاعر حافظ ابراهيم كردّ على تلك الاطروحات الاستشراقية وما يتبعها محليا على لسان الأبجدية :رموني بعقم في الشباب وليتني عقمت فلم اجزع لقول عداتيولدت ولما لم اجد لعرائسيرجالا واكفاء وأدت بناتي فهل تستجيب اللغة العربية لما قاله ابراهيم وتَئِد بناتها، اي كل معاجمها لأن من يتقدمون لهذه العرائس ليسوا اكفاء بل هم يرطنون بألسنة أعجمية ؟’ ‘ ‘ثمة وجه آخر للاستشراق قدر تعلقه باللغة العربية، فجاك بيرك الذي اقترب كثيرا من جوهر اللغة وصف العربية بأنها تنفرد بكونها ممهورة برسالة انطولوجية، وليس معنى ذلك قدسيّتها التي تحصّنها من التطوير، وكتب اندريه ميكل قصائده باللغة العربية التي عرف من اسرارها وجمالياتها ما لم يعرفه بعض من ابنائها، نذكر مثلا دراسته عن السيّاب، وزمن الأفعال في قصائده، وبسبب افتتان المستشرق الالماني نولدكة بالعربية تمنى لو ان المعلقات السبع تدرّس في المدارس الالمانية لكن الاستشراق الكولونيالي كان يسعى الى اجراء جراحات واسعة لجغرافيا العرب وتاريخهم ولغتهم معا، وحين أراجع خطبة فان دايك وهو طبيب في افتتاح الجامعة الامريكية في بيروت ارى ان الخط الفاصل بين جراحة الجسد وجراحة التاريخ يضيع.ان اللغة ليست مجرد وعاء لهذا لم يكن دقيقا ما نسب الى الجاحظ ان المفردات ملقاة في الطريق والمهم هو كيف نستخدمها، فالكلمة هي معنى، وهذا ما يتضح في الابداع الشعري، وحين قرأ سارتر اشعار بودلير وسيرته تراجع عن رأي كان قد أشيع عنه بعد صدور كتابه عن الادب الملتزم، فالشعر لا يخضع لهذا الالتزام، لأن كل كلمة هي جسد كما ان القافية في الشعر وليس في النظم هي ايضا معنى وليست مجرد صوت.’ ‘ ‘هل نبالغ اذا قلنا بأن الأبجدية في خطر؟ وان الافراط في الثقة بقدرتها وامكاناتها التعبيرية وغناها الاشتقاقي قد يضاعف من هذا الخطر، يكفينا ان نقرأ عيّنات من تلك الهوامش الاقرب الى الهذيان المبهم على اسفل الشاشات المتخصصة في تجريف الوعي وتدمير اللغة، وما يمارس الان من حراك رسمي او شعبي للدفاع عن اللغة العربية هو أقرب الى الطقوس الاحتفائية، فما ان يسدل الستار على مؤتمر او فعالية ذات صلة باللغة حتى يتلاشى الصدى، وثمة جانب آخر قد يكون سايكولوجيا رغم ظاهره السوسيولوجي، هو ان العربي الان يعاني من شعور شديد بالنّقص، وهذا الشعور يصل احيانا حدّ تقريع الذات وتسفيهها ليقترب من الماسوشية والتلذذ بالهجاء الذاتي، ومن يستخف بوجوده وهويته اولى به ان يستخف بلغته، فيلوذ بلغة اخرى ليس بسبب ما لديه من فائض التعبير والطاقة بل لمجرد ان تلك اللغة تخلق لديه احساسا بالامتياز، وثمة عرب يرطنون بالفرنسية في عواصمهم لكنهم يرطنون بالعربية في باريس ولندن، كي لا يًضبطوا متلبسين بالاخطاء في الحالتين، وحين زار جورج شحادة لبنان وهو كما يصفه معجم ادبي فرنسي واحد من سادة التعبير بالفرنسية كان يرفض ان يحدثه احد بالفرنسية، لأنه كما قال جاء الى بلاده ليتعلم ما استطاع من العربية، وحين يتحول التوجه الى المدارس الانجليزية والفرنسية والالمانية في العالم العربي الى تعبير عن امتياز طبقي فإن المسألة تقترب من الكوميديا السوداء.ان التجهيل باللغة الام تحول من مجرد تخلف الى استراتيجية، وهذا ما يهدد مستقبل هذه اللغة حتى في مسقط رأسها، ومن المفارقات الموجعة ان اللغة العبرية مثلا يضاف اليها يوميا شيء جديد اضافة الى محاولات احياء اليديشية واحد اليهود الفائزين بجائزة نوبل كان يستخدم هذه اللغة شبه المنقرضة.’ ‘ ‘لم يعد اليوم بيننا من يقول ان اللغة الاخرى المفروضة عليه لاسباب استعمارية هي منفاه كما قال مالك حداد الجزائري، فمن يعانون من سطو على ذاكرتهم الوطنية ولغتهم وبالتالي هويتهم هم الأدرى بشعاب هذا الشجن، وما قاله محمود درويش ليس بعيدا عما قاله حداد .. وهو ان الأرض تورّث كاللغة…الأبجدية ليست مغنية يوجين يونسكو الصلعاء التي تعمق سوء التفاهم وليست العجوز المتصابية بضفائر مستعارة، انها كينونة ورديف وجود بل هي الآن آخر ملكوت في زمن المنفى والإقصاء من التاريخ!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية