لا يمكن البت في دلالة التضييقات الممارسة على اللغة العربية حاليا، بمعزل عن الطقس العام المساعد على ذلك. وبالنظر إلى تنوع وتعدد هذه التضييقات عبر الأزمنة والأمكنة، فإن ملابسات الطقس المشار إليه، هي أيضا عرضة للتنوع والتعدد، ما يعني وجوب مقاربة الظاهرة ضمن شروطها التاريخية والمجتمعية المؤطرة لها، تلافيا لأي خلط أو التباس يحدث أن يقع بين إشكال موسوم بإوالياته ومكوناته الموضوعية، والإطار النظري الموظف في مقاربته، غير أننا وضمن اقتناعنا المسبق بهذه المسلمة، يمكن ـ تجاوزا – التركيز على طرفي معادلة، تبدو لنا دائمة الاحتفاظ بقوة حضورها، في مختلف المناسبات التي تكره فيها اللغة على مغادرتها لمواقعها المركزية، باتجاه هوامش النسيان. وهي المعادلة التي تمدنا بها الدروس المستقاة من المقاربة التاريخية، التي تخص علاقة الدولة بالمعرفة، حيث نجد أنفسنا أمام نماذج متعدد وصادمة، قوامها هوس السلطات الرسمية بالهيمنة على السياسات الثقافية، عبر تحكمها المباشر وغير المباشر، في مختلف القطاعات الخاضعة لوصاية مؤسساتها.
وكما هو معلوم، فإن الهيمنة هنا ذات طابع إقصائي، وغير معنية بأي مستوى من مستويات الرعاية، بقدر ما هي معنية بإحكام سيطرتها على المسارات المعرفية، كي لا تخرج عن السياق المرسوم سلفا لها، أي السياق الذي يمكن اختزاله في التزام كافة الشرائح المجتمعية، بتبني وترويج ما هو مفروض عليها من برامج ومن مشاريع، بدون أي تلكؤ نقدي. ولعل أهم ما ينبغي التنويه به في هذا الإطار، هو الكراهية المضمرة من قبل الأنظمة المتسلطة تجاه المعرفة، إنها الكراهية السوداء، المشوبة بالاحتقار والتوجس، لكون منطق الاستبداد، يستبعد من فضائه كل ما له صلة بمنطق السؤال، الذي من شأنه إعادة النظر في المسلكيات، وفي القيم التي تعتبرها النخب منافية للصيرورة، قدر منافاتها للضرورة الحضارية، بصرف النظر عن احتمال توفرها على ما يكفي من القوة التداولية، التي يتولى النظام مهمة تكريسها وتعميمها.
إن هذا الاحتقار الممارس من قبل الأنظمة المتسلطة، ليس سرا متمنعا عن الإدراك، باعتبار أن تداعياته التدميرية تسري في دماء كل المثقفين المسكونين بهاجس الرفض والتغيير، على قلتهم. ولعل أكثر التداعيات وضوحا، في هذا السياق، سيف الإقصاء، والتهميش المسلط على رقاب النخب غير القابلة للترويض، كلما ندّت عنها صرخة تعنت أو مقاومة. وحينما يحدث في ظرفية استثنائية ما، أن تتظاهر الآلة القمعية بدعمها للعمل الثقافي، فذلك يعني أنها بصدد إيهام المرتابين والمتشككين، بصدق نواياها تجاه هذا العمل، حيث أن الأمر لا يتجاوز في الغالب حدود ذر الرماد في العيون، والتمويه بردمها للهوة الفاصلة بينها وبين فضاءات المعرفة.
ولعل أكبر دليل على ما تضمره الأنظمة ذاتها من احتقار وكراهية للمعرفة، تعدد الأساليب العدوانية واللاأخلاقية، التي تتخلص بها من رموزها، سواء في حياتهم أو بعد مفارقتهم للحياة، أي حينما يضع الموت حدا لتلك العلاقة المجاملاتية، التي تجبر السلطة أحيانا على التورط فيها. علما بأن حياة واستمرارية الرموز الثقافية في العالم المتقدم، غير مقيدة بزمن الحياة، لكونها تظل محتفظ بحضورها المضاعف في فضاءات الثقافة الكونية، حتى بعد نهاية أجلها، بفضل ما تحظى به من رعاية واهتمام، سواء من قبل النخب، أو المؤسسات الوصية. فالأنظمة ذات المؤسسات المصابة بكافة أنواع الاختلالات البنيوية، خاصة منها الوصية على قطاعات المعرفة كالتعليم بكل أسلاكه، والثقافة بمجموع مرافقها واهتماماتها/هذه الأنظمة، تمتلك من بؤس وشدة التأثير السلبي، ما يجهض أي أمل في طرح الأسئلة المستشرفة للأفاق المعرفية، باعتبارها آلة جهنمية، قادرة وقبل أن يرتد الطرف إليك، على ردم ما يتطلب بناؤه عدة قرون من البحث، والاجتهاد والإبداع.
أهم ما ينبغي التنويه به في هذا الإطار، هو الكراهية المضمرة من قبل الأنظمة المتسلطة تجاه المعرفة، إنها الكراهية السوداء، المشوبة بالاحتقار والتوجس، لكون منطق الاستبداد، يستبعد من فضائه كل ما له صلة بمنطق السؤال، الذي من شأنه إعادة النظر في المسلكيات
وهنا تحديدا، تحضرنا الأسئلة المركزية إثر معاينتنا، بغير قليل من الدهشة والحيرة، كابوس حشر اللغة في قبو «نهاية الصلاحية”، حيث هي الآن مكرهة على التنحي، بدون تقديم تبريرات واضحة وموضوعية لذلك، وبدون أن تشفع لها أي من حسناتها ومزاياها، التي دأبت على مضاعفة إشعاعها في حلها وترحالها، عبر الأزمنة والأمكنة.
ولعل مصدر هذه الكراهية الصادرة عن الجهات المصابة بسعار العنصرية والأمية في آن، هو وعيها الشقي بضآلتها ثقافيا وحضاريا أمام ما تمتلكه اللغة ذاتها من جمالية بيانية، وكفاية تدوينية، تحيل على قرون طويلة من تفاعل السليقة بالصنعة، والفكر بالإبداع، ما ساهم في إنتاج ثراء معجمي ودلالي، يتعذر اختزاله في مقولات فضفاضة وجاهزة. فعلى ضوء هذه الجمالية البيانية، الممهورة بذاكرتها التدوينية، تقنن وتؤطر اللغة منهجية تعامل الآخر معها. ما يقتضي توافرا غير قليل من الشروط المعرفية، التي لا قبل لأبواق الأنظمة المتخلفة بها، وهم بالمناسبة مغرقون في الأمية والبؤس المعرفي، ومسخرون لتعميم رؤية اختزالية صرفة وتقزيمية، عبثا تسعى إلى تجريد اللغة من مساراتها.
فإذا كان من الهين – إلى حد ما- محو ما هو حديث العهد بالنشوء، ونفي ما هو حديث العهد بالوجود، فسيكون من العبث الإقدام على تعليق العمل بسلطة معرفية، كرست حضورها المجتمعي والعقدي والثقافي بكل تجلياته لأزمنة طويلة، قابلة لأكثر من حياة وأكثر من صيرورة. اللهم إلا إذا كان الأمر يتعلق بعدوانية نزعة لاتاريخية، واستئصالية، معنية أولا وأخيرا، بالتخلص من كل العوامل التي من شأنها الحيلولة، بدون تكريس هيمنة الأمية المتبرجة في دانتيل اللغة الأجنبية. وهي الحالة التي يتم فيها تحريف مسار النقاشات الموضوعية التي تستدعيها المرحلة، باتجاه ترهات مغلوطة لا يستقيم لها حال، خاصة أن التنطع بتسييد اللغة الأجنبية، بدون حيازة أي منهجية عقلانية، تسمح باستثمارها ثقافيا وحضاريا في الاتجاه الصحيح، يؤدي حتما إلى فبركة شرائح بشرية هجينة، قد تصلح لتنشيط فصول مملة من مسلسلات الفكاهة السوداء، ولا شيء غير ذلك. إنها النماذج الأكثر اختلافا بالمفهوم القدحي للكلمة، إنها مختلفة جذريا عن السائد وعن المختلف أيضا، وسعيدة بحظوة الطرد الذاتي من المشهد الحضاري، بحثا عن الإقامة المشلولة في دوامات اللانسق.
وفي سياق إثارة مفهوم الاختلاف، الذي سبق أن تناولناه في أكثر من مقاربة، لن يفوتنا التذكير بأن البيادق المتقافزة خارج أرضية الرقعة، تعتمده حاليا، ودونما كلل، في تنفيذ المخططات التخريبية التي تستهدف المؤسسة اللغوية، إنها تتخذ من سؤال التعدد اللغوي أداة لاختلاق التوترات بين فئات الوطن الواحد، من خلال التوظيف السلبي، المغرض والمبيت، لعناصر التفرقة الكامنة في بنية الاختلاف. وهي الاستراتيجية التي تستثمرها السلطة، من أجل تعطيل جميع القنوات التواصلية المعنية بالموضوع، ما يفوض لها حق الحسم في النصوص القانونية والظهائر التي تراهن على ترسيمها. وهو منطق على درجة كبيرة من الخطورة، خاصة حينما يتعلق الأمر بقرارات مرتجلة، قد تؤدي إلى تسميم أجواء الحوار المجتمعي. سواء كان متعلقا بسؤال اللغة، أو بمقالب اللغو.
٭ شاعر وكاتب من المغرب