لندن ـ «القدس العربي»: تكاد كميات الطحين في قطاع غزة تنفد، فإسرائيل تحاصر القطاع بشكل كامل منذ مطلع آذار/مارس الحالي، وأتبعت حصارها باستئناف حرب إبادتها، فافتتحت فصلًا جديدًا منها بمجازر مروّعة، باغتت الصائمين في غزة وعائلاتهم، وقضت على مئات منهم، وجلّهم مدنيون، مع ساعات الفجر الأولى من الثلاثاء، في وقت السحور، في الثامن عشر من شهر رمضان 1446 هجري.
أما المواد الغذائية الأخرى، فما هو متوفر منها لا يسدّ رمق الجائعين. ويقول مراسل «القدس العربي» في غزة إن سعر كيلو غرام البطاطس يفوق الـ13 دولارًا، والطماطم 8 دولارات.
وأسعار هذه الخضراوات والفواكه في أكثر المدن غلاء في العالم تناهز عُشر ثمنها الحالي في غزة. ففي إسرائيل، دولة الاحتلال التي تفرض هذا الحصار، لا يتجاوز سعر كيلو البطاطس الدولار ونصف الدولار، الأمر نفسه في لندن مثلًا، وأكثر منه بقليل في جنيف، وقد يصل إلى 3 دولارات في نيويورك.
وفي هذه المدن، حيث يعيش كبار موظفي الأمم المتحدة، الذين يطلقون التحذير تلو التحذير من سوء الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، نسمع أيضا تصريحاتهم التي تعبر عن «شديد القلق» تجاه ما يجري في غزة.
وفي إحاطة من سيغريد كاغ، المنسقة الخاصة المؤقتة لعملية السلام في الشرق الأوسط لدى الأمم المتحدة، أمام جلسة مجلس الأمن الجمعة، استخدمت المسؤولة الأممية كلمة «قانون إنساني دولي» عشر مرات على الأقل، وهي تحذر «الأطراف كافة»، تارة إسرائيل، وتارة فصائل فلسطينية، من «مغبة» انتهاكه، من دون أن تشير ولو مرة واحدة بوضوح إلى أن إسرائيل، دولة الاحتلال في غزة، وفي الضفة والقدس الشرقية المحتلتين، تنتهك هذا القانون علانية (إلا في حديثها عن الاستيطان في الضفة).
الأمر نفسه تكرر في لندن قبل أيام، في مشهد مثير للشفقة.
فوزير الخارجية البريطاني دافيد لامي، أطلق قرابة ثلاثة مواقف في نحو ثلاثة أيام، تعرّض خلالها للتوبيخ من رئيسه كير ستارمر (رئيس الوزراء البريطاني).
فقال لامي الخميس أمام مجلس العموم البريطاني (البرلمان) إنه من «الصعب رؤية» كيف يمكن أن يكون منع إسرائيل للمساعدات إلى غزة متوافقًا مع القانون الدولي.
ووصفت شبكة «سكاي نيوز» الإخبارية تصريحات لامي الخميس، بأنه تراجع عن تصريحاته في مجلس العموم الإثنين، حيث استخدم حينها لغة أقوى، عندما قال إن الحصار المستمر على البضائع والإمدادات يشكل فعلًا «خرقًا للقانون الدولي».
فالإثنين كان لامي يقف في مجلس العموم ليقول للنواب، وجوابًا كذلك على سؤال النائب المستقل جريمي كوربين، إن الأفعال الإسرائيلية تنتهك القانون الدولي.
لكنه يتراجع الخميس، بعد أن انتقدت رئاسة الوزراء البريطانية بشكل غير مباشر تصريحاته، وقال متحدث باسم رئيس الوزراء الأربعاء، إن أمر اعتبار ما يجري انتهاكًا للقانون الدولي، متروك لمحكمة دولية، وإن موقف الحكومة هو أن إسرائيل «معرضة لخطر» القيام بذلك.
وعدّت وسائل إعلام بريطانية مرموقة موقف رئاسة الوزراء توبيخا للوزير لامي.
ووصفت «شبكة العمال المسلمين» المقربة من «حزب العمال البريطاني» هذا التراجع بأنه «صادم ومشين».
وتعليقا على «تكويعة» لامي كما وصفتها حرفيا كبريات وسائل الإعلام البريطانية، قال عضو مجلس العموم البريطاني عن «حزب الديمقراطيين الأحرار»، أليستر كارمايكل، وزير شؤون اسكتلندا السابق، إنه يشكك في الغرض من التراجع الذي قام به الوزير.
وحسب موقع «ذي ناشيونال سكوت»، قال كارمايكل: «اللغة التي نستخدمها في هذا الصراع مهمة». وأضاف: «نحن نعلم ما حدث، ووزير الخارجية ذكّرنا اليوم بأنه لأسابيع تم حظر إمدادات السلع الأساسية والكهرباء».
«لذا، فإن القول بأن إسرائيل، بعد أن قامت بذلك، تخاطر بخرق القانون الدولي يعني أن موقف هذا البلد (بريطانيا) – وهكذا سيتم تفسيره في تل أبيب – لا يعتبر هذه الأفعال انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي. فهل هذا حقًا هو موقف الحكومة؟».
لكن موقف الحكومة البريطانية، المشابه لمواقف أوروبية أخرى، يبدو وكانّه يستقي مفرداته بعناية و«حياد» من «ويكيبيديا»، متجنبًا الدقة في توصيف الجرائم الواضحة لدولة الاحتلال (مع التقدير لهذه المنصة المستقلة).
هكذا، فإن تكويعة لامي، تأتي أيضًا بعد يومين من مقتل موظف أممي في غزة بنيران إسرائيلية، وهو حادث تجنّبت وزارته شجبه، مع أن في عداد الفريق الإغاثي الدولي بريطانيون.
فقد سأل موقع «ميدل إيست آي» وزارة الخارجية البريطانية إن كانت ستدين الغارة الإسرائيلية التي استهدفت هذا الفريق، فكان جواب متحدث باسم الوزارة: «من الضروري، في جميع الحالات، حماية المدنيين، بمن فيهم الصحافيون والمنظمات الإنسانية، الذين يجب تمكينهم من أداء عملهم الأساسي بأمان» و«إنه لأمر محزن جداً سماع المزيد من الخسائر في الأرواح في غزة»، الخ الخ..
وهذه المواقف العامّة والمائعة والمجهّلة للفاعل، التي تجد أيضًا انعكاسها في وسائل الإعلام الرسمية الأوروبية (والمفترض أن تكون وسائل إعلام عامّة!)، لا يمكن أن تكون أقل من تواطؤ، إن لم يكن بالصمت، فبما هو أسوأ من الصمت.
وهذا ما تلاحظه «منظمة العفو الدولية» بجرأة، في تعليقها على البيان الصادر عن اجتماع المجلس الأوروبي الخميس.
فتعقيبًا على نتائج هذا الاجتماع الذي ناقش «الوضع في إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة»، قالت إيف غيدي، مديرة مكتب المؤسسات الأوروبية التابع لـ«منظمة العفو الدولية» إنه «بعد 17 شهرًا من الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، من الصادم أن يرفض الاتحاد الأوروبي ذكر إسرائيل، أو إدانة الغارات الجوية التي تُبيد عائلات بأكملها، أو إدانة منع إسرائيل للمساعدات الإنسانية الحيوية».
وأضافت أن «موقف الاتحاد الأوروبي لا يعكس فحسب عدم التزامه المعلن بالقانون الدولي، بل يُظهر أيضًا تعاطفًا انتقائيًا تجاه الضحايا، خاصة عندما يكونون فلسطينيين».
وتابعت تشرح «إن نص بيان قادة الاتحاد الأوروبي هو محاولة مخزية أخرى لتبرير الإبادة الجماعية وجرائم الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. فبدلاً من تزييف الحقائق، ينبغي لقادة الاتحاد الأوروبي اتخاذ إجراءات واضحة وحاسمة لمنع التواطؤ المحتمل في الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة، ونظام الأبارتهايد (الفصل العنصري)، والاحتلال غير القانوني. لقد انقسم الاتحاد الأوروبي لفترة طويلة جدًا حول كيفية الردّ على الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في القطاع، حيث استمرت بعض الدول الأعضاء في إرسال الأسلحة والذخيرة إلى إسرائيل في انتهاك لالتزاماتها بمنع الإبادة الجماعية وضمان احترام اتفاقيات جنيف. يجب أن ينتهي هذا الأمر الآن»، والكلام لمنظمة العفو الدولية.
قلة هم القادة الأوروبيون الذين نددوا بوضوح هذا الأسبوع بانتهاك إسرائيل الصارخ للقانون الدولي.
حتى رئيس الوزراء الأيرلندي مايكل مارتن الذي استنكر الغارات الإسرائيلية على غزة، قال للصحافيين إن: «على أوروبا أن تقول كفى للمجزرة والموت المستمرين في غزة».
وكان رئيس وزراء النرويج يوناس غار ستور أوضح في تصريحات سبقت اجتماع المجلس، أن: «هناك ما يدعو للاعتقاد بأن إسرائيل لديها الضوء الأخضر، ولديها أيضًا الأسلحة لتنفيذ ذلك، وكذلك القوة الجوية»، في حديثه عن الغارات الإسرائيلية الفتاكة التي أودت بحياة مئات الفلسطينيين.
عموما اكتفى القادة الأوروبيون، ومن بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بالإعراب عن «القلق الشديد» من التصعيد الإسرائيلي هذا الأسبوع، داعين إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.
تجنبوا حتى الإشارة إلى انتهاك إسرائيل اتفاق التهدئة الهشّ الذي قبلت به في الخامس عشر من شهر كانون الثاني/يناير الماضي، برعاية الوسطاء، ودخل حيز التنفيذ في التاسع عشر منه. وتجنبوا إدانة صريحة للحصار والتجويع، وتجنبوا أي ذكر واضح لمسؤولية إسرائيل الكبيرة في انتهاك القانون الدولي الإنساني.
ولّت تلك الأيام التي كان فيها مسؤول أوروبي مرموق كمثل جوزيب بوريل، الممثل الأعلى السابق للسياسة الخارجية، يقف بشجاعة ليصف الأمور كما هي، وكما تراها لجان التحقيق الأممية والمنظمات الإنسانية العالمية.
في أحد آخر تصريحاته في شهر تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي، قبل أن يترك منصبه الذي تولته كايا كالاس، دعا بوريل، المجتمع الدولي، ولا سيما الاتحاد الأوروبي، إلى عدم تقويض المحكمة الجنائية الدولية، «فهي السبيل الوحيد لتحقيق العدالة العالمية.»
وقال بصراحته إن حكومة إسرائيل، برئاسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تدوس على القانون الدولي وتنتهك القانون الدولي الإنساني.
وبغياب بوريل، لا ريب أن عددًا من كبار القادة الأوروبيين تنفسوا الصعداء. فقد كان أحد المسؤولين القلائل في جهاز الاتحاد الأوروبي، الذي يسمي الأمور بأسمائها، وهو أمر غير مستحب عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
والحديث عن ازدواجية المعايير في سلوك القادة الأوروبيين والغربيين بشكل عام، أمر مفروغ منه، وهو لم يبدأ مع تولي دونالد ترامب منصبه في البيت الأبيض مطلع هذا العام.
قال أحمد بن شمسي، مدير التواصل في منظمة «هيومن رايتس ووتش» لـ«القدس العربي» اليومي، هذا الأسبوع، إن هناك «فارقا شاسعا بين تفاعل القيادات والدبلوماسيات الغربية مع الحرب في أوكرانيا والحرب في غزة، على سبيل المثال».
فـ»بينما كان التنديد الغربي بانتهاكات روسيا قويًا، والعقوبات التي فُرضت عليها سريعة، والترحيب بمذكرة الاعتقال بحق (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين واسع النطاق، رأينا كيف ترددت بعض الدول الغربية الكبيرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في التنديد بجرائم إسرائيل، بل استمرت في بيع الأسلحة لإسرائيل رغم توثيق استخدامها في أفعال الإبادة الجماعية، ورفضت مذكرة الاعتقال في حق (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو، أو اعتمدت كلاما ملتويا في شأنها».
«كانت ازدواجية المعايير واضحة وضوح الشمس في النهار»، يقول بن شمسي.
عمليًا، أفلتت إسرائيل خلال كل تاريخها من أي حساب، وهي لم تحترم أي قانون دولي، ولا أي قرار دولي..
بلى.. بلى.. ربما احترمت قرارًا واحدًا، كما قالت فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الأممية الخاصة بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لـ«القدس العربي»، في حوار معها هذا الشهر.
قالت «بفضل الحصانة التي مُنحت لها على مدى 75 عامًا، لم تُحاسب إسرائيل أبدًا، ولم تحترم أي قرار، أو ربما احترمت قرارًا واحدًا فقط من قرارات الأمم المتحدة».
كانت تشير إلى القرار 273 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949 الذي بموجبه قُبلت فيه عضوية إسرائيل في المنظمة الدولية..
عدا عن ذلك، وكما يقال في الأدب الدارج عند العرب، «مسحت إسرائيل بالقانون الدولي الأرض».
لقد «هزّت فلسطين الأرض بعمق لدرجة أن الأقنعة قد سقطت»، والكلام للمقررة الأممية الشجاعة.