لغتُنا العربيَّةُ… نظرةٌ في اكتسابها

تتوزّع الوصول إلى القدرة اللغوية جملة من معطيات الفروع اللغوية، متأثِّرة بالنظرة غير الحاسمة للظاهرة اللغوية، عموما، ولتفسيرات أصل نشوئها، وكيفية اكتسابها، لغةً أصلية، أو لغةً أجنبية. ولعل أقرب الفروع إلى هذا المبحث ما يُعرَف بعلم اللغة النفسي؛ لما يشتمل عليه من تفعيل للغة، من جانب، وللنفس وخصائصها، من الجانب الآخر، ولهما، متَّحدَيْنِ، متفاعلين.
ومن المفيد، والضروري، قبْلًا، التأكيد على طبيعة اللغة العربية، وليست وحدها، في ما يتعلق بتفاوت مستوياتها، إذ تنطوي العربية على مستويات، في الكلام، وفق ما يعنيه الكلام في ثنائية العالم اللغوي السويسري فردينان دي سوسير اللغة والكلام. ولذلك لا يراعي المتكلم، أو الكاتب السلامة اللغوية، أو ما سمَّاها تشومسكي الكفاءة اللغوية، وإنما يراعي، بعد ذلك، درجات المُتلقّين اللغوية والثقافية، في إطار السياق الاجتماعي. «اللغة ومشكلات المعرفة» نعوم تشومسكي، ترجمة حمزة بن قبلان المزيني» وقد عقد الجاحظ في البيان والتبيين بابا «في ذمِّ التشادق والإغراق» جعل الأولوية فيه للمعنى، وإبلاغه، بأَقْصَد الألفاظ والأساليب («البيان والتبيين» الجاحظ)
وفي وقتنا الراهن، يواجه اللغة العربية تحدِّيان، انحسارها أمام تمدّد اللغات الأجنبية، وطغيان اللهجات الدارجة على اللغة الفصيحة. وهنا السؤال: هل من الممكن تحويل محنة (ازدواجية اللغة) إلى منحة؟ ليست اللهجات الدارجة التي تنبت في ظلّ اللغة الأم، مُنْبَتَّة الصلة بها، إذ كثير من مفرداتها وأساليبها مُحَوَّرة من الفصيحة، تحويرا خفيفا، أو أكثر؛ فلذلك يمكن دراستها وَفْق النظرية التداوُليَّة، بما يؤكّد صفة التنوع، وبما يفيد الاثنتين معا، اللغة واللهجة، أخذا وعطاء، وكما نعلم فإن «إحدى المؤاخذات الأساسية التي وجَّهها علماءُ اللسانيات والتداوليُّون (على حد السواء) إلى اللسانيات، كونها غير قادرة على أخذ الواقع الاجتماعي للاستعمالات بعين الاعتبار. («التداولية من أوستين إلى غوفمان» فيليب بلانشيه)، إذ لا يمكن لأيِّ قاعدة إعرابية، أو لسانية، تقتصر على دراسة السنن cod داخليا أن تفسّر المدلولات الاجتماعية المتولِّدة، والمتباينة من بيئة اجتماعية إلى أخرى؛ فلم يعد ممكنا على التعليم أن يستمر في إهمال «واقع الممارسات اللغوية (حيث يسود الشفوي والتنوُّع والسياقات المختلفة» (المرجع السابق)
ولا نعدم إشاراتٍ دالَّةً على اعتراف أدباء عرب كبار بالميِّزات اللهْجِيَّة، كما نلمح في إشارة الجاحظ، «إلا أنني أزعم أنَّ سخيف الألفاظ مُشاكِل لسخيف المعاني» («البيان والتبيين»)

أهمُّ معيقات اكتساب اللغة العربية:
ولعل مِن أهمِّ مُعيقات تعلُّم اللغة العربية قلّةَ تعرُّض أسماع العرب، وألسنتهم، ولا سيَّما التلاميذ لها، (إذ اكتساب اللغة في الصغر أَيْسَرُ بكثير منه في الكِبَر)، للكلام الفصيح بالقياس إلى تشبُّعهم بالكلام واللهجات الدارجة، وهذا عاملٌ رئيس في غياب الملَكة اللغوية؛ ذلك «أن اللغة أداة معقَّدة متخصِّصة، تتطوَّر لدى الطفل، بشكل فوري مباغت، من غير أيِّ جهد واضح، أو تعليم محدَّد، وتُستعمَل من غير وعي بمنطقها الخفيّ» («الغريزة اللغوية كيف يبدع العقل اللغة؟» ستيفن بنكر). هذه البيئة اللغوية المحتفلة بالدارجة، لا تسمح، في الأغلب، بتكوُّن حساسية لغوية كافية لإدراك الفروق المعنوية والمَقاميَّة (المقام الاجتماعي الذي يناسب كلَّ كلام، أو كل أسلوب لغوي)، وبالتالي محدودية الانخراط الفعلي الممارِس لتلك الخيارات الأسلوبية، إذ (اللغة/ اللهجة) الحيَّة المتداولة، والجارية عليها التحديثات الاجتماعية هي الدارجة، وذلك أخذا بالتداولية بوصفها «تمثِّل دراسة تهتمُّ باللغة في الخطاب، وتنظر في الوَسْمِيَّات الخاصة به، قصد تأكيد طابعه التخاطبي» (وهو تعريف أتي به أ.م. ديلر، وف. ريكاناتي) «التداولية من أوستين إلى غوفمان: فيليب بلانشيه»، أو وَفْق تعريفها: «بوصفها ظاهرة خطابية وتواصلية واجتماعية، في الوقت نفسه»، فالتداولية تهتمُّ أكثر باستعمال اللغة في التواصل.

فلا غنى عن إصلاح العلاقة بين الطلبة واللغة ونصوصها، وفتح القنوات مع القراءة، عموما، ولاسيما في مرحلة الطفولة المبكِّرة، ما أمكن، وإعادة الارتباط بين الدرس النحوي والبلاغي، ولاسيما علم المعاني.

ولذلك يحسن هنا الإفادة من الأساليب الدارجة، التي لا يجد الطفل عناء في التمييز بينها عمليا، (وذلك تفعيلا لقاعدة تعليمية مشهورة، وهي الانطلاق من المعلوم إلى المجهول لدى التلميذ) لمقاربتها مع أساليب عربية فصيحة. فحين ندرس الجملة الإسمية وأنواعها، من جملة صغرى، وجملة كبرى، كما فصّلها ابن هشام في كتابه المهم: «مغني اللبيب»، إذ الكبرى هي الإسمية التي خبرها جملة، نحو «زيدٌ قام أبوه، وزيدٌ أبوه قائم، والصُّغْرى هي المَبْنِيَّة على المبتدأ، كالجملة المُخْبَر بها في المثالين.» «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب»، لابن هشام الأنصاري، نجد في الدارجة ما يقابل الأولى، مثل: «الولد ضاع دفتره». ولو كانت بتسكين أواخر الكلمات، كما نجد مماثلة للثانية: «محمد داره بعيدة». فهذا النظام للجملة الإسمية المكوَّنة من مبتدأ «الولد» وخبره الجملة الفعلية: «ضاع دفتره» والثانية المبتدأ الأول فيها: «محمد» وخبره الجملة الإسمية الصغرى الواقعة خبرا للمبتدأ الأول، المكوَّنة، بدورها، من مبتدأ ثانٍ: «داره»، وخبره: «بعيدة». هذا النظام الجُمَلي، مثلا، لا يزال قائما في اللهجات العربية الدارجة. والجُمَل الأبسط تركيبا موجودة، من باب أولى، مثل: خالد سافر. أو صاحبي سريع، أو جملة النداء، فضلا عن ظاهرة الحذف، مثلا؛ اكتفاء بالسياق اللفظي، أو الاجتماعي المَقامي، كما هو الشأن مع حذف حرف النداء، والاكتفاء بالمنادى، وحذف الفعل، إجابة، مثلا، على سؤال، «مين اللي ربح الجائزة؟ فيجاب: حسن، أو حين تكتفي بمحلّ الفائدة، أو محلّ السؤال، في الجملة الإسمية: مين نازل على البلد؟ فيجاب: «رائد»، مثلا. وممَّا يفيد في تعليم اللغة واكتسابها والتمييز بين أنظمة جُمَلها، استخدامُ معطيات النحو التحويلي أو التوليدي، في عرض، أو استقصاء الخيارات الممكنة للجمل، بوساطة تقليب مواقع الكلمات ذات الوظائف النحوية، بالتنقُّل، مثلا، من جملة فعلية إلى إسمية، «قام زيد» إلى «زيد قام»، ومن فعلية مرتَّبة، وَفق النمط الأصلي: فِعْل، فاعل، مفعول به، أو فضلة، إلى تقديم المفعول به أو الفضلة، على الفاعل، وعلى الفعل، وإذا كانت إسمية تقديم الخبر على المبتدأ، (في الحالات التي لا يقوم مانع، معنوي، أو صِناعي (نسبة إلى صناعة النحو، وقوانينه) من تقديمه، وذلك يقع استجابة واعية، أو غير واعية، تماما، أحيانا، لمتطلَّبات دلالية نفسية، أو اجتماعية، وهو ما برع في تظهيره، وإظهار الفروق الدلالية والبلاغية فيه العالمُ اللغوي عبد القاهر الجرجاني، في كتابه المهم: «دلائل الإعجاز».
تعليم العربية، هل ثمة ما يُستدرَك؟
ونودُّ أن نضيء قليلا على طريقة تعليم اللغة في المدرسة، وهي المؤسسة الأولى التي تغطِّي مجمل الطلبة، قبل أن تفرِّقهم التخصصاتُ، وربما انقطع قسمٌ منهم بعدها بحكم تخصصاتهم العلمية عن العربية انقطاعا تاما، أو شبه تام، ونسأل: هل يمكنها إيلاء بعض الزوايا مزيدا من التفعيل؟ إذ لا تنجح المدارس (وحتى الجامعات لدى الطلاب الذين تخصَّصوا في اللغة) النجاح المأمول، في إنتاج لسان قويم، وكفاءة عقلية في فهم النصوص وتحليلها، فكريا، فضلا عن تذوُّقها جماليا، ولعلَّ مِن أوئل ما يفتقر إليه الطلبة، تواضع المحفوظ من النصوص الضرورية لتمكينهم من المحاكاة، حفظا، وقراءة، تلك النماذج الرائعة للمحاكاة اللسانية الناتجة عن المعايشة، تذكّرنا بما أورده الجاحظ عن عمر بن الخطاب: «وروّوهم [الأولاد] ما سار من المثل، وحسُن من الشعر «البيان والتبيين»، ونحن نلحظ من تجارب الآباء مع أطفالهم أن غير قليل منهم أضحوا؛ بسبب كثرة متابعتهم لأفلام الكرتون الفصيحة اللغة، يحاكون تلك الجمل الحوارية بسهولة وتلقائية.
ولعلّ الثاني أنَّ المعنى لا يحظى بالأهمية المطلوبة في دروس النحو، علما بأن العلاقة بين المعنى واللغة أمرٌ تنبَّه له اللغويون والبلاغيون العرب القدامى، قال الجرجاني في دلائل الإعجاز:» ولو حفّظتَ صبيًّا شطر «كتاب العين» أو «الجمهرة»، من غير أن تفسر له شيئا منه، وأخذته بأنْ يضبط صور الألفاظ وهيئاتها، ويؤديها كما يؤدِّي أصناف أصوات الطيور، لرأيته ولا يخطر له ببال أنّ من شأنه أن يؤخر لفظا ويقدّم آخر، بل كان حاله حال من يرمي الحصى ويعُدّ الجوز.» («دلائل الإعجاز» عبد القاهر الجرجاني).
وقد يعود ذلك، في بعض أسبابه المتعلقة بالمناهج إلى تغليب الدرس النحو المنفصل، أو غير المتصل اتصالا عضويا بالمعنى. كما يعتري تدريس النحو خلل آخر، يتمثَّل في تغليب الإعراب على النَّظْم، ومن المعروف أن علم النحو يشمل الثاني، إلى جانب الأول، وكم كان الجرجاني دقيقا وعميقا، حين أكّد أثناء عرضه لنظرية النظم، على ما سماه معاني النحو، لا أحكامه فقط! وبعد تجاوز هذا الخلل، وهو تدريس النحو شكليا بمعزل عن المعنى، أو بدون الربط الكافي والدائم به، يبقى تحدٍّ آخر هو القدرة على تمثّل تلك الأحكام النحوية والأسلوبية في الكلام الفعلي، وهذا لا يكون إلا في إنتاج الكلام نطقا، أو كتابة. وفي الدراسات اللغوية الحديثة توسَّع علماء لغة منهم «هايمز وهاليداي ودوصن وغيرهم في الكفاية اللغوية – التي نادى بها تشومسكي والمقصورة على معرفة قواعد اللغة التي رأوها كفاية نحوية فقط – ما سموه الكفاية التواصلية التي تُعنى بأصول الكلام ومراعاة طبيعة المخاطبين مع القدرة على تنويع الكلام حسب مقتضى الحال. «علم اللغة النفسي» عبد العزيز بن إبراهيم. وهنا يتجلَّى البُعْدُ النفسي اللغوي، منطلقا إلى الأبعاد الاجتماعية للغة، وقد تكون الجملة قواعدية، أيْ منتظمة بالنظام النحوي، من حيث الرتبة والتركيب، لكنها ليست ذات معنى، كما أشار تشومسكي في كتابه «البنى النحوية». فلا غنى عن إصلاح العلاقة بين الطلبة واللغة ونصوصها، وفتح القنوات مع القراءة، عموما، ولاسيما في مرحلة الطفولة المبكِّرة، ما أمكن، وإعادة الارتباط بين الدرس النحوي والبلاغي، ولاسيما علم المعاني.
كما أنه من المفيد الرجوع إلى النحو الوظيفي، أو الاعتماد على كثرة الأمثلة التي يُؤْمَل أن يؤدِّي تكرارُها، وهي ذات قادة نمطية، إلى تكريس القاعدة في أذهان الطلبة.

٭ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية