السيناريو الثابت منذ سنين يكرر نفسه: صاروخ يطلق نحو بلدات إسرائيلية. والرد هو الآخر ثابت: مرة أخرى تجتمع في الكريا أفضل العقول وطائراتنا تلقي شحوناتها الهدامة فوق غزة. التردد صعب ولكنه معروف: قصف شديد سيشعل المنطقة، وهذا ليس معنياً به أحد. من جهة أخرى، رد اعتيادي يبث ضعفاً لعله يشجع على استمرار إطلاق الصواريخ نحو الأراضي الإسرائيلية.
يتبين أن التهديدات لم تعد منذ زمن بعيد تردع حماس. فتشديد الحصار وتوثيق الحبل حول عنق مليونين من سكان القطاع تزيد مشاعر الغضب والثأر وستؤدي إلى إطلاق مزيد من الصواريخ. فما العمل إذن؟ بالطبع يأمرون سلاح الجو بتدمير استحكامات ومواقع للمخربين لتعود إلى قواعدها حتى الجولة التالية.
إن عملية واسعة النطاق في غزة ستزيد تدخلنا الزائد في عش الدبابير هذا، المليء بالسم والشر. نشد الحزام الخانق حول القطاع ونمنع عنه المعابر، من دخول وخروج؟ هكذا نجعل مليونين من سكانه يائسين لم يترددوا باستخدام أي وسيلة كي يمسوا بأمن إسرائيل. فهل نشرك الأسرة الدولية، ونطلب منها أن تلقي بكامل وزنها لإقناع زعماء حماس على أن يغرقوا مرة أخرى في سبات عديم الفعل؟ كل حكماء القيادة لا بد يجتمعون، ويفكرون ويفحصون كل وسائل الرد. ولكن كل الردود والخطوات سبق أن جربت وأصبحت متآكلة.
لقد سبق أن احتللنا وأبدنا وسحقنا رؤوس الأفعى. فهل ندخل مرة أخرى ونعرض للخطر حياة أبنائنا المقاتلين وندمر اقتصاد وأمن وحياة مليونين من الناس هازلي الوسائل؟ هل نعود لنتحدث عن تسوية سياسية في هذه المنطقة التي تغلي توتراً؟ ماذا لدينا لنعرضه عليه، على سكان قطاع غزة؟
خرجنا من هناك بصعوبة دون أي تسوية. فهل نعرض تسوية جديدة؟ ما هي طبيعتها؟ ما الذي سيطلبه المحاصرون، فتح بوابات غزة لكل من يخرج ويدخل؟ ففي تسوية كهذه سيغرقنا أيضاً طالبو العمل والمعادون ومنفذو العمليات. استمرار الحصار سيزيد الاضطراب والأعمال اليائسة للانتحاريين. أم نطلب من قوة دولية فرض النظام في القطاع؟ أم لا نرد على أعمال الشغب المتكررة قرب الجدار؟ وهكذا نشجعهم على اجتياز الحدود وتهديد أمن سكان الغلاف. إذا رددنا على هذه المظاهرات المهددة، وزدنا عدد المصابين، سنحفزهم على مواصلة التجمع على الجدار.
من يدري إذا كان هناك ما يمكنه أن يفرض النظام في هذا الجحيم الذي يحيط بنا وليس ثمة من يعرف كيف يلجم. لم يتبقَ إلا سبيل واحد: تسوية سياسية، حتى وإن كانت مؤقتة. المفاوضات مع أولئك الذين لا نطيقهم ونحتقرهم. هذا هو الطريق الواحد والوحيد. ولكن هذا يحتاج إلى شجاعة قيادية لا تتوفر في هذه اللحظة.
جدعون رايخر
معاريف 1/4/2019