لغز السينما وشيفرة كورونا

صناعة السينما لغز كبير، تمرّ بها المحن القاصمة، وتخرج منها أقوى وأعظم. ربما ذلك كان ينطبق على حالها في الماضي، فبعد تفشي جائحة كورونا، يشك الكثيرون في نهوض صناعة السينما من كبوتها، خاصة أنها تمر بأزمة طاحنة منذ العامين السابقين. ومن ثم، يتواتر التساؤل عما إذا كانت هذه الصناعة لا تزال قادرة على استعادة مجدها مرة أخرى، مع الأخذ في الحسبان منافسة منصات البث المباشر الشرسة. وبالنظر لتيارات الرقمنة العاتية والظروف الغريبة، التي تطرح نفسها على الساحة، صار مستقبل صناعة السينما ضبابياً، لاسيما بعد تأجيل عرض وتصوير العديد من الأفلام المهمة، وتأجيل جميع الأحداث السينمائية والمهرجانات الدولية في جميع أنحاء العالم، وعلى رأسها أكبر حدث سينمائي عالمي، وهو مهرجان «كان».
وتاريخ صناعة السينما يشهد على أنها استطاعت على مرّ العصور أن تتغلب على ظروف قاسية، وخرجت منها أقوى، وراسخة الخطى، وكأنها جعلت مبدأها مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «ما لا يقتلك، يجعلك أقوى».
فما أن ظهرت صناعة السينما، حتى داهمتها الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، فانصرف الناس عنها، لكن القائمين عليها كانوا من الذكاء، أن أخذوا مرحلة التوقف فرصة لتطوير الإنتاج السينمائي. وعندما فتحت دور العرض أبوابها مرة أخرى، وجدت أفلام ذات ثوب جديد، وتضاعفت مكاسبها، لكنها ما لبثت وضربها فيروس الأنفلونزا الإسبانية في يناير/كانون الثاني 1918، الذي ماثلت خطورته في تلك الفترة خطورة جائحة كورونا الحالية، لكن مع وجود ضعف في الإمكانيات الطبية. وجائحة الأنفلونزا الإسبانية كانت من أعتى الأخطار التي ضربت الكرة الأرضية بأسرها، واستمرت لفترة 36 شهراً، حتى ديسمبر/كانون الأول 1920. وعلى الرغم من الفارق الزمني، إلا أن الدول قامت بإغلاق دور العرض السينمائي، والمدارس وأماكن التجمع، وأيضاً كان ينصح بارتداء الكمامات، كما هو الحال الآن. ويذكر أن الممثلين قبل الإغلاق كانوا يتساقطون واحدا تلو الآخر إثر الإصابة بداء الأنفلونزا الإسبانية، ما أدى إلى غلق جميع استوديوهات التصوير.
وكان من أهم المكاسب التي حققتها صناعة السينما حينذاك، هي تطوير الاستوديوهات، وإدخال السينما الناطقة، ما حوّل فترة الركود والخسارة، إلى مكاسب متلاحقة، ونجاحات منقطعة النظير، لم يعكر صفوها إلا نشوب الحرب العالمية الثانية. وتغلبت أيضاً صناعة السينما على هذه الضربة الجديدة، عندما شجعت الحكومات شعوبها على ارتياد دور العرض لغرض الإلهاء ورفع الروح المعنوية، ولبثّ الأخبار المهمة للمواطنين. ويلاحظ أن دور العرض كانت في هذا الوقت الوسيلة الوحيدة لبثّ الأخبار المرئية للشعب، وتوثيق ما يحدث بالمعارك، وكذلك وسيلة تواصل لنقل أخبار ورسائل الجنود لأسرهم وأحبائهم. وبعد انتهاء الحرب، ظهرت أفضل الأفلام على الإطلاق التي جعلت السينما العالمية تبلغ عصرها الذهبي، وتحقق أكبر الأرباح.
لكن سرعان ما ظهرت شاشات التلفزيون، وتبوأت مكان شاشات العرض السينمائي في عرض الأخبار، وكذلك أخذت تبثّ أنواعا من الدراما والبرامج الخاصة بها، التي تناسب جميع الفئات العمرية. فجابهت صناعة السينما هذا التحدي أيضاً وخرجت أكثر قوة، عندما استحدثت عرض أفلام الإثارة الكبرى مثل فيلم «الفك المفترس» الذي أرغم المشاهد على أن يترك فراشه الوثير في المنزل ليرتاد دور العرض السينمائي مرة أخرى.

ومؤخراً، ضرب فيروس كورونا دور العرض، وأُجبرت على غلق أبوابها لأجل غير مسمى، ما جعل الوضع أكثر تعقيداً. ومن ثم تصدر تساؤل جميع المجلات، والصحف، والمواقع الفنية المهمة، هل ستتراجع صناعة السينما في ظل الظروف الحالية؟

وحتى بعد أن ضرب سوق الفيديو كاسيت هذه الصناعة، استغل القائمون على صناعة السينما هذه الفرصة لزيادة حجم المبيعات والتسويق، وتحفيز المشاهد على النزول ومشاهدة ما يفضله من أفلام داخل دور العرض، لأن لها تأثير في المشاهد لا يضاهي الجلوس أمام شاشة عرض منزلي. وقد تكرر السيناريو نفسه، بعد انتشار الـ»دي في دي DVD» ثم مع منصات العرض المباشر حالياً، لكن دور العرض كانت تتصدى بكل بسالة لهذه التحديات الكبرى، وتعلمت كيف تجعل منها سوقاً جديداً يزيد من أرباحها.
ومؤخراً، ضرب فيروس كورونا دور العرض، وأُجبرت على غلق أبوابها لأجل غير مسمى، ما جعل الوضع أكثر تعقيداً. ومن ثم تصدر تساؤل جميع المجلات، والصحف، والمواقع الفنية المهمة، هل ستتراجع صناعة السينما في ظل الظروف الحالية، التي تختلف تماماً عما حدث وقت انتشار فيروس الأنفلونزا الإسبانية؟ فالخطر الحقيقي منشؤه أن منصات العرض المباشر، وعلى رأسها منصة النتفليكس العالمية Netflix ، صارت ذات استقطاب مستفحل عالمياً، خاصة أنها تعرض مواد حديثة، سواء أكانت درامية، أو سينمائية، أو برامج باشتراك شهري زهيد في متناول الأيدي. ومن الجدير بالذكر، شبكة النتفليكس كانت تجاهد بأقصى ما أوتيت من قوة قبيل أزمة الجائحة، أن تقلل وقت ظهور الأعمال السينمائية الحديثة على منصة عرضها المباشر، إلى أن استقر الأمر إلى ثلاثة أشهر. لكن بعد الجائحة، وجدنا أن بعض أفلام الإنتاج الضخم قد ظهرت عليها كعرض أول، إما للترفيه أو لخفض خسائر تأجيل العرض وتحقيق بعض المكاسب.
وتجدر الإشارة إلى أن منصات العرض المباشر بعد الإقبال المتزايد عليها صارت تنتج برامج ومسلسلات تذاع عليها حصرياً، بل إنها في ما بعد، تقوم ببيعها للقنوات التلفزيونية. وبسبب نتائجها المضمونة ومكاسبها الفورية، اجتذبت منصات العرض المباشر نجوما سينمائية وتلفزيونية، ومشاهير المخرجين للعمل في ما تنتجه من مواد. ومن هنا ظهرت المشكلة الكبرى، فقد تراءى لمنتجي الأعمال السينمائية أنه يمكن خفض تكاليف الإنتاج بتقليل جودة الصورة، التي بذلك تسهل تداول الأعمال على منصات العرض، حيث أن تحميلها لن يحتاج لوقت طويل، ما قد يسبب حدوث انقطاع متكرر عند البث، كما في حال الأفلام السينمائية ذات الجودة العالية، بالإضافة لذلك، الدعاية الإلكترونية على منصات العرض، سهلة وغير مكلفة بالمقارنة بما يتوجب على المنتج بذله من أجل عمل الدعاية لفيلم كبير ذي إنتاج ضخم، من المتوقع أن يحقق ثلث أرباحه فقط في السوق الأمريكي.
وعلى الرغم من أن الظروف بأكملها ليست في صالح صناعة السينما، لكن صناعة السينما هي عملاق كبير لم يستطع أحد هدمه على مدار سنوات طويلة ماضية، وأن كل محنة تمرّ بها هي عبارة عن فرصة أخرى لتجديد ثوبها، لاجتذاب المزيد من الجمهور، بإنتاج مواد متطورة لفتح عالم المجهول، الذي يمس ذوق الجمهور المتلهف على تلقي المزيد. فمشاهدة الأفلام المقرصنة على الإنترنت، أو أقراص «دي في دي»، أو حتى على منصات العرض قبل الجائحة، لم يمنع عشاق الشاشة الفضية من الذهاب لدور العرض. فالسينما ولدت عملاقة ولن تتخلى عن مكانتها مهما ساءت الظروف، لأنها دوماً قادرة على تحويل الخسائر لمكسب.

٭ كاتبة من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية