رأي القدس عندما يصرح السيد ناجي عطري رئيس وزراء سورية بان قوى الرابع عشر من آذار اللبنانية مجرد ‘هياكل كرتونية’ فان هذا يعني اننا امام صفحة جديدة ومختلفة في العلاقات اللبنانية ـ السورية، ربما يكون ‘التوتر’ طابعها.
فالسيد عطري من المسؤولين السوريين الذين من النادر ان يتحدثوا الى الصحافة، ويعبروا عن مواقف قوية كهذه تتعلق بملف حساس مثل الملف اللبناني، فالرجل يفضل دائما ان يظل بعيدا عن الاضواء، ويترك التصريحات السياسية لمن هم اعلى منه مقاما، وخاصة الرئيس بشار الاسد، او لذوي الاختصاص في حكومته مثل وزيري الخارجية والاعلام، السؤال هو عن الاسباب التي دفعته للخروج عن هذا التقليد؟
لا بد ان السيد عطري مكلف بايصال رسالة سياسية الى اللبنانيين على وجه الخصوص، الشق الاول منها موجه الى جماعة الرابع عشر من آذار برئاسة السيد سعد الحريري تستخف بها، وتحذرها من مغبة العداء لسورية، وهو العداء الذي بدأ يطل برأسه في الفترة الاخيرة، خاصة بعد زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الى لبنان.
اما الشق الثاني من الرسالة فموجه الى قوى المقاومة على الارض اللبنانية، وخاصة ‘حزب الله’، ويفيد بان سورية ملتزمة بدعم هذه القوى بكل قوة، وكل ما اشيع عن حدوث تغيير ولو بسيط في الموقف السوري على ارضية سوء فهم مع ايران، هو محض اختلاق وتمنيات بعض الذين يتطلعون الى حدوث مثل هذا الخلاف.
اللافت ان تصريحات السيد عطري هذه تأتي بعد زيارة الرئيس السوري بشار الاسد الى المملكة العربية السعودية ولقائه مع العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز الراعي الفعلي لجماعة الرابع عشر من آذار، وهي الزيارة التي من المفترض ان تكون ناقشت الوضع اللبناني المتوتر على نحو خاص.
المعلومات التي رشحت عن هذه الزيارة كانت محدودة للغاية، ولكن ما يمكن قراءته، واستنتاجه من خلال دراسة بعض المؤشرات، وابرزها تصريحات السيد عطري هذه، عدم نجاح هذه الزيارة في التوصل الى تفاهم سعودي ـ سوري بشأن الكثير من القضايا اللبنانية موضع التوتير، وابرزها المحكمة الدولية المتعلقة بالتحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري، وقرارها الظني المتوقع صدوره في غضون اسابيع.
فالسيد عطري ما كان سيهاجم جماعة الرابع عشر من آذار ويصفها بمثل هذه الصفات المهينة لو ان قمة الرياض السعودية ـ السورية تكللت بالنجاح. كما انه من اللافت ان الرئيس السوري لم يلتق السيد الحريري في الرياض سواء في قمة ثنائية، او ثلاثية برعاية الملك عبدالله بن عبد العزيز، خاصة ان السيد الحريري كان متواجدا في الرياض في الفترة نفسها، ويتطلع لمثل هذه القمة.
السوريون بدأوا التصعيد ضد قوى الرابع عشر من آذار، وربما يكون مرد ذلك الى يقينهم بان القرار الظني سيدين حلفاءهم في لبنان، وان كل المحاولات لدفع السعودية للاقدام على منعه او تأجيله باءت بالفشل التام. ومما زاد من يقينهم هذا تمثيل عملية الاغتيال هذه بكل تفاصيلها في احدى المقاطعات الفرنسية امام القضاة والمحققين في المحكمة الدولية حتى يطلعوا على المشهد كاملا، وبما يدفعهم، او يسهل لهم، اصدار قرارهم الظني دون تأجيل.
وكان من اللافت ردود فعل قوى الرابع عشر من آذار والتي خرجت عن المألوف ايضا حيث اعتبرها بيان لتيار المستقبل تدخلا بشؤون لبنان الداخلية، كما قال زعيم القوات اللبنانية سمير جعجع ‘ان هذه الهياكل الكرتونية هي التي اسقطت الوصاية السورية في لبنان’. لبنان مقدم على ايام صعبة للغاية، قد يكون العنف، والاغتيالات السياسية ابرز اوجهها ووقائعها، اللهم الا اذا جرى نزع الفتيل، وهو امر ممكن، ولكن اذا جرى تقديم تنازلات مؤلمة من جميع الاطراف تجاه المحكمة وهذا ما لا نراه حاليا.