محمود خيرالله’لن يسمح لك أحد بتصوير البارات.. مش ناقصين فضايح يا باشا’.. قالها صديقي البارمان العجوز غاضباً، وجلس يشكو، بعد عُمر من الصداقة جمعني مع العم ‘وليم’، النادل الذي لم يعد ذا الوجه البشوش بالتجاعيد، والذي كان قبل الثورة يستقبلني ـ في ‘كافيتيريا’ يعمل فيها مقابل أجر أسبوعي ـ ضاحكاً ومتعجِّلاً، ليلبِّي طلبات زبائن لم تكن تنتهي، الآن صار ‘وليم’ عجوزاً ووحيداً، ليس على لسانه سوى أن الإخوان ‘هيقطعوا عيشنا’، يقولها وهو ينحني بمنتهى النشاط ليمسح لك المنضدة التي لم يمسسها أحد منذ طلع النهار، ولأنك صرتَ لا تستطيع أن تتحدَّث في مكان خاوٍ، مع صديقٍ كئيب، سوى عدة دقائق، يجلدك فيها صوت ‘الكينج’ محمد منير من بعيد متسائلاً:’إزاي حيكون إنسان بصحيح/ من غير ما يقول الرأي صرِيح/ من غير ما يغنِّي بحريَّة’، فتهرب خائفاً إلى الشارع.حزيناً تنزل السلالم العتيقة لعمارة فارهة الاتساع ومُهملة، تآكلت جدران المبنى الذي شيَّده قبل عقود، أحد أحفاد محمد علي، وسط القاهرة، ستتألم بلاشك لأن الدولة المدنية كلها تآكلت مثل هذا المبنى، خصوصاً لأن الذي أسَّسها هو جدهم ‘الألباني’ المدهش، ستتألم حين تتذكر أن مصريين مسلمين ـ للأسف ـ هم الذين أهدروها، إلى هذ الحد، من عقود ‘عسكرة الدولة’ إلى شهور أخْونتِها، حتَّى صارت القاهرة ليلاً، محض مدينة مهزومة، ومهددة بالكوارث، لا وجه فيها للفرح، غناؤها مكتوم بفعل فاعل، وسينماها تترنَّح ومسرحها يتساقط كأوراق الخريف.تبدو الدولة الإخوانية خافتة وغائبة عن المشهد، لكن ذلك ليس صحيحاً، لأنها موجودة دائماً في الخفاء، لاتفضل أن تعمل في النور الواضح، لدرجة أن أحداً قد لا يلتفت لها مثلاً، وهي تُغلق بعض بارات وسط القاهرة ومقاهيها، على الرغم من أن بعض هذه المقاهي لعب دوراً عظيم الخطورة في الثورة، ربما أخطر من دور جماعة الإخوان المسلمين نفسها، بالذات في الأيام الأولى، حين كان الخيال الإخواني المحدود لا يصدق هشاشة النظام الديكتاتوري، وبينما كانت الجماعة تجلس على المقاعد الوثيرة مع النظام, قبيل سقوطه ‘الرخيص’ بأيامٍ قليلة، لكي تتفاوض وتلتقط الصور، ساعتها بالذات كانت مقهى ‘الحرية’ هي نافورة الثورة، حيث تُجهَّز اللافتات ويتمدَّد الثوار قليلاً لالتقاط الأنفاس، وهو دور لعبته دار’ميريت’ للنشر ومقر ‘حزب التجمع’، القريبين من ميدان التحرير.نشوة المصادرةأفلَتْ ‘شمس البارات’ في مصر، بإعلان إلغاء تصريح مقهى ‘الحرية’، ومصادرة بعض مقاهي منطقة ‘البورصة’، في انقلاب إخواني جديد و’ناعم’ كالعادة، على أبسط الحقوق الفردية للبشر في الدول الحديثة، كما أنهم انقلبوا على الحق في الحفاظ على الأثر التاريخي والاجتماعي و’الثوري’، المُتمثل في عدد كبير من بارات وسط البلد، التي تحوَّلت خلال أيام الثورة إلى ‘ورش’ لممارسة الحرية، وتريد جماعة الإخوان المسلمين وحزبها ‘الحرية والعدالة’ ورئيسه السابق الدكتور محمد مرسي، رئيس الجمهورية الحالي، أن تغلقها بطرق لا أخلاقيَّة أولاً، لكنها ـ مع ذلك بكل أسف ـ لا تخلو من نعومة وخُبث.’الحرية شكلها قفلت’..هكذا صدمني صديقي، الذي يسكن بالقرب من المقهى الأشهر في باب اللوق، قال إن ترخيصها لم يجدَّد منذ فترة، ‘عاد إلى العمل بعد ضغوط’،خصوصاً بعد حملة قادتها محافظة القاهرة وتحديداً حى عابدين، انطلقت ـ تحت شعار ‘رفع الإشغالات من منطقة وسط البلد’، امتدت إلى منطقة مقاهى ‘البورصة’ الشهيرة المعروفة بكونها مركزاً لتجمع النشطاء والمثقفين، حيث سعت تلك الحملة لإغلاق بعض المقاهى، ما أشعل النار في قلوب عشرات المثقفين والفنانين والنشطاء، فبدأوا حروباً ألكترونية, وأنشأوا صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، لمواجهة ما أسموه ‘مؤامرة’ الإخوان المسلمين على الثورة، عبر إغلاق مقاهٍ وزرع باعة جائلين أمام مقاهٍ أخرى، بهدف الاشتباك مع روَّادها، لخلق ذرائع تؤدي إلى تدخل شرطة المرافق لإزالة ‘الإشغالات’، لدرجة أن أدمن الصفحة الرسمية لحركة ‘ثورة الغضب المصرية الثانية’ كتب على ‘فيسبوك’ قبل أيام بصراحة :’هنقف بجوار أصحاب المقاهي، مش علشان القهوة، لكن علشان ده أسلوب قذر في محاربة الثوار’. لو سألت مثقفاً مصرياً كبيراً وأنت تتبادل معه الأنخاب، سيبدأ لك الحدوتة بدءاً من ‘اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني’ ليصل إلى ‘الدين الشعبي’ الذي ميَّز حياة المصريين على مر العصور، وجعل مصر يداً واحدةً أقباطاً ومسلمين، في أحلك لحظات حياتهم، ويختتم كلامه دائماً وهو يكاد يغني مهتزاً من الطرب شعاراً أطلقه ثوار مصر في ميدان التحرير، أيام الثورة، وتردد على الألسن، يقول:’سيحي سيحي سيحي.. على أرضِك مُسلم ومسيحي’، سيفعل المثقف المصري كل ذلك، لكنه سيرفض أن يذكر اسمه، لأنه يريد أن يحافظ على ما يتصور أنه المكانة.اقتصادياً، وحسب إحصاءات ـ ‘غير رسمية’ ـ أصدرتها شركات تعمل فى مصر، فإن إيرادات صناعة الخمور تبلغ حوالي 300 مليون دولار، ويعمل بها نحو 50 ألف شخص، وخلال السنوات الأخيرة، ارتفع حجم الإنتاج ليصل إلى أكثر من 9 ملايين زجاجة سنوياً، يوجَّه أغلبها إلى قطاع السياحة، على الرغم من القيود المفروضة من الحكومة المصرية على هذه الصناعة، تحديداً على الإعلانات الخاصة بها، أو فى رفع قيمة الضرائب عليها، التى قد تصل أحياناً إلى 100 ‘.رحلة حجّولأنني لستُ ممن يفهمون النظريات بعيداً عن تطبيقاتها، قررتُ أن أقضي الليل كله في بارات مصر، عبر جولة أمر فيها على ‘بارات’ وفنادق ومحال بيع الخمور واحداً واحداً، قدر طاقتي، أولاً لأفهم مصير هذه التجارة على الأرض، وثانياً لأحتج عملياً وعلى الملأ، ضد إجراءات، قد تتراءى لأي من أصحاب هذه اللحى الطويلة التي تجلس الآن لتكتب دستور البلاد، من دون أن يكون بينهم صاحب مزاج أو’سهيِّر’ ليالي واحد، يمثل رواد البارات والعالمين فيها، أو صنَّاعها أو تجارها، وكثير منهم مواطنون مصريون يدفعون الضرائب، ويستحقون التعبير عن رأيهم بشجاعة، في أي دستور جديد.لأنَّ الساعة وصلت إلى الثامنة مساء، كان لابد أن أبدأ من الأماكن التي تغلق باكراً، مثل بعض الفنادق الشهيرة بباراتها، خصوصاً في وسط البلد، دخلتُ المبنى العتيق لفندق ‘وندسور’، وأنا أسال نفسي، هل يستطيع أبناء التيار الإسلامي في مصر ـ باختلاف أطيافهم ـ أن يغيروا الطبيعة الأصلية لأبناء البلد الأصليين، وأن يفرضوا أحكاماً تغلق البارات والملاهي الليلية، وهل بإمكان أي كان، أن يعطل اقتصاديات الخمور، صناعةً وتجارةً وتسويقاً وسياحة، وهل يحرم رئيس إسلامي الملايين من مرتادي هذه الأماكن، من متعة الجلوس في البار أو شراء الخمر، هل يتحمَّل اقتصاد مصر أن تتأثر السياحة إلى أبعد حد بقرار مثل هذا، لمجرد أن أصابع الاقتصاد الإخواني الطويلة لا تجد تسعة أعشار الرزق في تجارتها؟؟..’وندسور’ فندق قديم، بُني خلال فترة الاحتلال الانجليزي لمصر على الطراز الغربي، وربما لهذا السبب، ظل مفضلاً لدى أجيال من السياح الأجانب، الذي مروا على مصر، خلال العقود السابقة، عرف المثقفون الدور الأول منه، منذ وقت مبكر، كأول ‘بار’ شهير وآمن، حيث كان المكان الأميز لهم في السبعينيات من القرن الماضي، وثانياً لأنه في منطقة الألفي بك، التي كانت يوماً ما تعج بعشرات البارات الشعبية.مجموعة من الأجانب من ‘العواجيز’ وقليل من المصريين هم كل الزبائن، و’نشأت’ يجيب الجميع بخفة ولباقة، يعتز كثيراً بأنه أشهر بارمان في مصر، لأنه ظهر في مشهدين صورا في البار مع النجم السينمائي محمود حميدة، في فيلم ‘بحب السيما’، ويتصرَّف كمن اعتاد التعامل مع الأجانب، لذلك لا يخشى مطلقاً من هجمة قد تطول تجارة الخمور، يقول:’تجارة الخمور المشروعة تأتي بمكاسب أقل من تجارتها في السوق السوداء’، ذكرني بأن المخدرات الممنوعة قانوناً، تأتي بمكاسب أضعاف التكلفة، وهو ممن يعتقدون أن بقاء تجارة الخمور مسألة مؤكدة، لأنها تتعلق في الأصل بالسياحة، العربية والأجنبية، ثم أنهى كلامه قائلاً:’ادخل أي بار في مصر، ستجد فيه مجموعة من العرب والأجانب يدفعون مبالغ محترمة وإذا منعت الخمور سيؤثر ذلك على السياحة بلا شك’، أترك ‘نشأت’ مطمئناً نسبياً، وأنصرف.أمام بار ومطعم ‘استوريل’ تذكرتُ أنني أريد أن أدخل دورة المياه، كان الزبائن ملأوا أغلب المقاعد، فتنفست الصعداء وخرجت، في الخارج تذكرت أنه يمكنني الجلوس في مطعم وكافيتيريا ‘الجريون’، قرب مسرح قصر النيل، لكنني وجدت نفسي في شارع شريف، وهناك بار’جاميكا’، ألقيت نظرة عليه فوجدته ممتلأ بالزبائن، فقررت أن أكمل إلى ‘كاب دور’ في شارع عبدالخالق ثروت، ثم إلى بار ‘ستيلا’ في هدى شعراوي، حين ذهبت لم أجد صديقنا النادل سيد حماد، ولم أجد من أعرفه، فخرجت متجهاً إلى الإسعاف، دخلت فندق وبار’كارلتون’، في التوفيقية ركبتُ المصعد العتيق، وصعدت إلى الدور السادس، حيث المطعم والبار والأصدقاء يضحكون ويعزون أنفسهم، بعد يوم حافل بألاعيب السياسة، كلهم صحفيون وكلهم فوجئوا بالعقبات المهنية غير المسبوقة، على أيدي رؤساء تحرير الصحف القومية الجدد، الذين عيِّنوا وفقاً للهوى الإخواني، الذي سيطر على لجنة من مجلس الشورى، ذي الأكثرية الإخوانية، وشاءت لها الأقدار أن تتحكم في مصير هؤلاء الشبان اليافعين، الذين يرفضون أن تمارس عليهم الدولة الإخوانية سلطاناً من خارج مهنتهم، أحدهم قال إن رئيس التحرير المعين في مجلته ليس إخوانياً، لكنه عمل سنوات في الخارج، كما أنه ضعيف جداً في المهنة، صرخ فيهم بأعلى صوته، منذ أيام، مطالباً بألا يسلم أحدهم موضوعاً إلا إذا كانت الصحافة المصرية تناولته فعلياً من قبل، قالها الشاب وهو يكاد يبكي من كثرة الضَّحك.لم أجد بين الأصدقاء من يمشي معي رحلة ‘حج’ من نوع خاص، إلى ‘بارات مصر’، شربت زجاجةً سريعةً ونزلتْ، عبرت أمام محل بيع الخمور الشهير ‘أورفانيدس’ وألقيت نظرة على الزبائن، الذين يتوقفون فجأة أمام زجاجات الخمر الواقفة بشموخ في الفتارين ويهتفون بصرخة اعجاب، أحدهم كان بصحبة صديقين في مثل عمره الشاب، توقف فجأة وأشار إلى زجاجة ‘فودكا’ جمع ثمنها، ودخل لشرائها، أعجبني المشهد جداً وهم يتقاسمون سعر الزجاجة، بنوع خاص من العدل. من ميدان أحمد عرابي مررت أمام بار’ألفي بك’ واستطعت أن ألمح كثيراً من الزبائن، وهناك ‘إكسلسيور’ و’شهرزاد’، و’تشيزا’ في شارع عدلي، قرب المعبد اليهودي، كما أن هناك النادي اليوناني بفرعيه الأول في عماد الدين، الذي يفتح أبوابه حتى في شهر رمضان، والثاني قرب ميدان طلعت حرب، لكنني اتجهتُ إلى شارع محمد فريد، حيث فندق ‘هابي سيتي’ الذي يُستعمل سطحه ‘الدور السابع’ كـ ‘بار’ واسع في الصيف، ويُغطى بنوع شفاف من ‘المشمَّع’ المصقول ليكون أقل برودة في الشتاء.الجعَّةانتصف الليل فجأةُ، وأتعبتني الجولة، فاتجهت فعدت إلى بار ‘استيلا’، بعدما عرفتُ أن صديقي الشاعر عبدالرحيم طايع، وصل وبدأ يغني مع الأصدقاء، للرائع سيد درويش:’مليحة قوي القُلل القناوي’، احتضنته وأنا أكمل ‘رخيصة قاوي القلل القناوي، تعالَ خدلك قللتين’، الجملة الأخيرة قلناها معاً، وضحكنا، دار الكلام عن عذوبة طعم البيرة المصرية، خصوصاً في أفواه الأجانب، صديق سوداني يدعى ‘حسان’ كان يجلس أمامي، بدا عليه الإرهاق من كثرة الشرب، لكنه استطاع أن يقول: ‘يا أخي، عنديكم حكام السودان، منعوا الخمور، المهمة جداً للسودانيين، زي نهر النيل تمام، ماذا حدث؟، الناس تسكر في بيوت السودان حتى الصباح، بـ ‘العَرقي’، لا تجد بيتاً في السودان يخلو من صناعة العرق، باللهِ، أنتم شعب عظيم، التاريخ يقول إن حضارة مصر أقدم من عمر الرسالة المحمدية ذاتها بزمن طويل، شنو هذا الكلام؟ يا أخي مصر قدمت للإنسانية ليس فقط الزراعة أو الخبز أو الأهرامات، كما يظن البعض، لا، بل قدمت ما هو أهم: ‘الجَعَّة’.عدتُ إلى البيت صباحاً، مُتعباً جداً وحزيناً، على جسدي آثار المشي المتربة، وعلى لساني بقايا أغنيات لسيد درويش، بينما كانت الأسئلة لا تزال تدق في رأسي كصداع قديم.