لقاءات عباس اولمرت

حجم الخط
0

ان يلتقي الرئيس الفلسطيني محمود عباس برئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت في مدينة اريحا المحتلة، وبعد ايام معدودة من انتهاء جولة السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية الي المنطقة، فهذا يعني ان ما تهدف اليه الادارة الامريكية، من تسريع عملية التطبيع مع الدول العربية بدأ يتحقق، وبوتيرة ملحوظة، ودون اي التزام من قبل الطرف الاسرائيلي، بالتجاوب مع الحد الادني من المطالب العربية.

بدا محرجا ان تتسع دائرة التنسيق الرسمي الفلسطيني ـ الاسرائيلي، في الوقت الذي تغلق فيه دائرة الحوار كليا، بين الاطراف الفلسطينية نفسها، ونخص بالذكر هنا الحوار بين قطبي السلطة الفلسطينية، اي حركتي فتح و حماس. الاحراج قطعا ليس لاولمرت، وانما للرئيس عباس الذي من المفترض ان يكون رئيسا لجميع الفلسطينيين، منتخبا لكي يكون المظلة التي تستظل بها جميع الفصائل والمنظمات، ولكنه اختار عكس ذلك فيما يبدو، واراد ان يربط نفسه، وبالكامل، بالمشروع الامريكي في المنطقة.

الرئيس عباس يريد ان يكون مختلفا عن سلفه الراحل ياسر عرفات. بمعني ان يختط طريقا آخر، يضعه، والقضية الفلسطينية، في سلة المحور الامريكي ـ الاسرائيلي ـ العربي الجديد الذي بدأ يتبلور في مواجهة الحلف الايراني ـ السوري، لعله يحقق ما عجز عن تحقيقه الرئيس الراحل الذي انحاز الي الثوابت الوطنية، وفضل ان يقف في الخندق الشعبي الفلسطيني ابان ازمة احتلال الكويت، فواجه حصارا تجويعيا دفعه في نهاية المطاف، وعبر ضغوط من عباس نفسه، الي السير في درب اوسلو الوعر.

انها مقامرة خطرة، ستنعكس سلبا علي القضية الفلسطينية، لكونها ستعمق الشرخ الداخلي الفلسطيني اولا، وستكرس الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة ثانيا، وستضع الفلسطينيين، او الشق العباسي منهم، في تحالف يمثل القوي التي حرمتهم من حقوقهم علي مدي ستين عاما، واوصلتهم الي ما وصلوا اليه من فقر وحرمان وتشرد وضياع للوطن.

المعلومات التي تسربت عن اللقاء في اريحا، والاجواء المحيطة به قليلة، ليس لان اللقاء مغلق، يقتصر في بعض جوانبه علي الرجلين فقط، وانما لان ما يجري بحثه علي مائدة الحوار هو شراكة حقيقية تتبلور في مواجهة عدو مشترك هو حركة حماس التي سيطرت علي قطاع غزة منذ بضعة اشهر في انقلابها الشهير الذي اطاح باجهزة امنية فاسدة تابعة للسلطة، وانهي ازدواجية في الحكم في منطقة واحدة علي الاقل، وهي القطاع المحتل.

ربما يقدم اولمرت علي بعض الخطوات التجميلية لاكرام مضيفه الفلسطيني، كأن يفرج عن دفعة جديدة من المعتقلين الفلسطينيين من الذين اوشكت فترة عقوبتهم علي الانتهاء، تماما مثلما جري في الدفعة الاخيرة التي لم يزد عدد افرادها عن مئتين وخمسين شخصا. وربما يفرج ايضا عن المزيد من الاموال المجمدة، للايحاء بانه يقدم تنازلات للفلسطينيين، ولكنها تظل تنازلات سطحية من رئيس وزراء اسرائيلي ضعيف تربي في مدرسة شارون للكراهية والمراوغة والحاق اكبر قدر ممكن من الاذلال بالعرب والفلسطينيين.

التطبيع الفلسطيني ـ الاسرائيلي خطير لكونه يفتح الباب امام التطبيع الاهم، بين حكومات عربية ونظيرتها العبرية، ونحن نتحدث هنا عن المملكة العربية السعودية ودول الخليج الاخري، في وقت يتسع المحور الامريكي ـ العربي الجديد ليستوعب الضيف الاسرائيلي المدلل، استعدادا للمواجهة الاكبر ضد محور الشر الايراني ـ السوري الذي يضم ايضا حزب الله في لبنان وحركة حماس في فلسطين.

سياسة الخنق الامريكية ـ الاسرائيلية التي جعلت من معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال ورقة مساومة وابتزاز بدأت تعطي ثمارها بشكل واضح لان اي انفراج بسيط يؤدي الي تخفيفها بات يبدو انجازا كبيرا، مثل ازالة بعض الحواجز، او دفع رواتب الموظفين في الشق التابع لسلطة عباس في موعدها، او الافراج عن بعض المعتقلين.

فالعدو لم يعد الاحتلال، وانما كل من يريد مقاومته عسكريا، ويقف في المعسكر الآخر المقابل للمعسكر الامريكي ـ الاسرائيلي. فالقضية الفلسطينية تتحول تدريجيا الي قضية رواتب، وتسول المساعدات، تحت عناوين مضللة مثل الواقعية السياسية، ومحاولة استرضاء واشنطن بكل الوسائل لانها تملك مفاتيح الحل.

الرئيس عباس يتخبط في مواقفه وسياساته، وشركاؤه الاسرائيليون بارعون في ابتزاز الضعفاء، وعصرهم حتي آخر قطرة، فالمهم هو مصلحتهم، ومصلحة احتلالهم، واطالة امده، ومنع قيام اي قوة فلسطينية، وهذه اللقاءات المتكررة والمهينة هي احدي حلقات هذا المخطط.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية