لقاء اردوغان وترامب في قمة العشرين: معطيات وسيناريوهات جديدة حول إس 400 وباتريوت والعقوبات

إسماعيل جمال
حجم الخط
0

إسطنبول ـ «القدس العربي»: قدم اللقاء الذي جميع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب ،على هامش قمة العشرين في اليابان، الكثير من المعطيات الجديدة حول مستقبل أبرز الملفات العالقة بين البلدين لا سيما منظومة الدفاع الروسية إس400، وإمكانية شراء المنظومة الأمريكية «باتريوت» وطبيعة العقوبات الأمريكية المتوقعة على تركيا، ومبيعات الأسلحة الأمريكية، وغيرها من الملفات الشائكة.
ولعل أبرز ما يمكن استخلاصه من التصريحات التي أطلقها كل من ترامب واردوغان قبيل وعقب القمة، أن تركيا باتت مستعدة تماماً واتخذت قرارها النهائي فعلياً باستلام المنظومة الروسية خلال النصف الأول من الشهر الجاري، وأن اللقاء لم يخرج بأي معطيات جديدة تتطلب من تركيا المماطلة في الاستلام لانتظار معادلات جديدة.
وعلى الرغم من أن اردوغان وكبار المسؤولين الأتراك، أكدوا مراراً طوال الأشهر الماضية، أن بلادهم حسمت أمرها بعدم إمكانية التراجع عن شراء المنظومة واستلامها، إلا أن التأكيد الذي أطلقه اردوغان عقب لقاء ترامب كان له أهمية أكبر، وأعطى انطباعاً حاسماً باستحالة إيجاد مخرج للتراجع عن استلام المنظومة الروسية خلال الفترة القصيرة المتبقية.
وقال اردوغان: «المنظومة الروسية أصبحت في طور التسليم، والعدول عنها حالياً غير لائق».
وحول موعد التسليم، أضاف: «صرّحت الجهات المعنية لدينا أن استلام المنظومة سيبدأ في النصف الأول من يوليو/تموز، وهذا ما ننتظره حالياً»، وهو الموعد الذي أكدته أطراف رسمية وتركية مختلفة.
في المقابل، كان في تصريح الرئيس الأمريكي عن «تفهمه» لأسباب توجه تركيا لشراء المنظومة الروسية، إشارة قوية للحديث عن «الحلول الوسط»، والبحث عن مخارج للأزمة تمنع الصدام الحاد بين الحليفين في «الناتو» وتبدد المخاوف من الوصول إلى القطيعة بين البلدين.
وعلى الرغم من أن تفاصيل «الحل الوسط» الذي يبدو أنه جرى الاتفاق عليه بالخطوط العريضة خلال اللقاء، أو سيجري العمل على صياغته خلال الأسابيع المقبلة، لم تتضح بشكل رسمي بعد، إلا أن اللقاء قدم إشارات مهمة يمكن من خلالها فهم الخطوط العريضة لهذا الحل الذي يمكن أن يخفف من حدة الأزمة لا منع حدوثها.
وتتعلق النقطة الأولى بأن ترامب لم يبدِ معارضة مطلقة حادة لاستلام تركيا المنظومة الروسية، ويمكن فهم ذلك من خلال تبريره «اضطرار تركيا لهذه الخطوة» وتعبيره عن تفهمه لها، إلى جانب تأكيد اردوغان بثقة عالية على مبدأ الاستلام وموعده القريب جداً خلال الشهر الجاري.
ثانياً، تجنب ترامب أي حديث عن العقوبات على تركيا، كذلك تأكيد اردوغان على أن ترامب لم يعط أي إشارة على نيته فرض عقوبات وأن «هذا الأمر غير وارد»، لا يجزم بعدم حصول عقوبات على الإطلاق، وإنما يعطي إشارة مهمة على أن الرئيس الأمريكي لن يكون متصدراً ومندفعاً لفرض عقوبات قاسية على تركيا.

ضرب الاقتصاد التركي

ثالثاً، الخشية التركية الأكبر لا تتعلق بالعقوبات التقليدية التي يمكن أن يفرضها الكونغرس، أو العقوبات التي يمكن أن تأتي من خلال البنتاغون والمتعلقة ببعض جوانب التعاون العسكري، وإنما تتعلق بالعقوبات التي يمكن أن يفضها ترامب بشكل مباشر ويكون هدفها ضرب الاقتصاد التركي وهي أكثر العقوبات إيلاماً لتركيا التي جربتها إبان أزمة الراهب برانسون حيث استطاع ترامب بعقوبات اقتصادية غير واضحة الآليات الإضرار بالليرة التركية بقوة وسرعة كبيرة.
رابعاً، تسعى تركيا لتجنب عقوبات الكونغرس من خلال إثبات أنها أبرمت عقد صفقة إس 40 قبيل إقرار الكونغرس القانون الذي ينص على فرص عقوبات على أي دولة حليفة تشتري أسلحة روسية، وترى أن هذا الجانب القانوني يمكن أن يساعد ترامب في الدفاع عنها إن أراد ذلك.
خامساً، لم تُقدم إشارات واضحة حول عقوبات وزارة الدفاع الأمريكية والمرتبطة بالدرجة الأولى ببرنامج صناعة وشراء طائرة إف35، لكن اردوغان أكد مجدداً أن بلاده ليس مجرد مشتر، وإنما شريك أساسي ويجب أن تستلم 116 طائرة من هذا الطراز.
ولفت إلى أن موقف ترامب واضح «لكن تصدر تصريحات من جهات أخرى لا تتوافق مع نهج ترامب»، في إشارة إلى الاختلاف الكبير الذي عانت منه أنقرة طوال السنوات الماضية بين وعود ترامب وإمكانية تطبيقها لا سيما على وزارتي الدفاع والخارجية، إلى جانب الكونغرس، وهو ما يجعل من وعود ترامب لتركيا غير قطعية على الإطلاق.

تعهدات وآلية تشغيل

سادساً، وفي مقابل ما يمكن اعتبارها تعهدات من ترامب بعدم تصعيد العقوبات وليس منعها بشكل كامل، يجري الحديث عن احتمالين أساسيين يتعلقان بآلية تشغيل المنظومة الروسية، الأول مرتبط بالضغط على تركيا لعدم تشغيل المنظومة الروسية عقب استلامها، والثاني، يتعلق بإمكانية موافقتها على عدم نشر المنظومة في المناطق القريبة من ساحل البحر المتوسط وعدم إدخالها الخدمة في مناطق النزاع المتصاعد هناك حول قبرص والحدود البحرية مع اليونان، وأخيراً الأزمة المتفاقمة حول التنقيب عن الغاز والنفط في شرقي البحر المتوسط.
سابعاً، ومقابل عدم تشغيل المنظومة الروسية كلياً أو جزئياً، يتوقع أن يلجأ ترامب لتقديم عرض جديد لبيع تركيا منظومة باتريوت الأمريكية في أقرب وقت لتلبية متطلبات أنقرة الدفاعية، وهي خطوة يسوقها ترامب على أنها خدمة لتركيا بعد أن رفض أوباما بيعها إياها، ومن جانب آخر يري فيها موافقة تركية على رفع مستوى المشتريات العسكرية من إدارته وهو ما يتوافق مع استراتيجية القائمة على تحقيق مكاسب اقتصادية، حيث طالب تركيا بشكل واضح برفع مستوى مشترياتها العسكرية.
ثامناً، يبدو أن إصرار ترامب على رفع حجم التبادل التجاري بين أنقرة وواشنطن من قرابة 20 مليار دولار إلى 100 مليار ليس دعماً لتركيا أو اقتصادها، وإنما يرى فيه مكسباً في حال وافقت تركيا على شراء مزيد من الأسلحة الأمريكية بنظرة اقتصادية بعيداً عن الحسابات العسكرية الأخرى.
تاسعاً، تبدو تركيا مستعدة لحزمة من العقوبات الأمريكية، فعلى المستوى السياسي التقى وزير الدفاع خلوصي أكار قادة أحزاب المعارضة لتحشيد الموقف الوطني، كما أنها ترى بإمكانية تدارك أي أزمة تتعلق بطائرات إف35 مع مرور الوقت، وإمكانية تحملها عقوبات البنتاغون المرتبطة بتقييد بعض جوانب التعاون العسكري، لكن كل ما تخشاه في الوقت الحالي استهداف منظم بقرار من ترامب للاقتصاد التركي غير المستعد لهذا الأمر على الإطلاق، وبالتالي، فإن عودة اردوغان بتطمينات من ترامب في هذا الإطار تعتبر خطوة مهمة جداً لتهدئة المخاوف الاقتصادية في هذه المرحلة.
لكن، المستوى السياسي التركي يعلم جيداً أن هذه التطمينات تبقى غير كافية طالما لم تتحول إلى ضمانات من أطراف متعددة من الإدارة الأمريكية التي اتخذت طوال السنوات الماضية مواقف متناقضة من تركيا بعيداً عما يصرح به ترامب، وهذا وحده يعتبر كافياً لتوقع أي تحولات مفاجئة مقبلة في موقف ترامب وأطراف إدارته.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية