لقاء عباس ـ اولمرت… الشيطان يكمن في التفاصيل!

حجم الخط
0

د. فايز رشيد

اعلان المبادئ الذي جري الاتفاق عليه بين الرئيس الفلسطيني ورئيس الوزراء الاسرائيلي في لقائّهما الاخير في مدينة القدس المحتلة، (الثلاثاء 28 آب ـ اغسطس) والذي يدعو الي حل الدولتين لشعبين: دولة للشعب اليهودي، ودولة فلسطينية منزوعة السلاح، لم يتطرق الي اية تفاصيل، وفقا لما ذكره صائب عريقات في مؤتمره الصحافي مباشرة بعد انتهاء الاجتماع. مسؤول دائرة المفاوضات في السلطة الفلسطينية، كان حريصا علي التأكيد: بعدم رفع سقف التوقعات من هذا اللقاء. اعلان المبادئ، روفق بمسودة اتفاق مبادئ، سربها الاسرائيليون، ونشرت فحواها مباشرة احدي الفضائيات العربية. المسودة لا تتناول لا من قريب او بعيد، حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وتقترح ان تكون القدس عاصمة للأماكن الدينية (الفلسطينية)! مبدية استعداد اسرائيل للانسحاب من مناطق مهمة في الضفة الغربية، داعية الي الحل النهائي وفقا لقرارات الامم المتحدة.

وبتحليل موضوعي لما حوته هذه المسودة، فانها تكرار لنفس المقترحات التي احتوتها وثيقة بيلين ـ عبدربه، وهذه بدورها كانت استمرارا لوثيقة اخري، جري الاتفاق عليها بين وفدين فلسطيني واسرائيلي في مقر المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في باريس في الاسبوع الاخير من تشرين الاول (اكتوبر) 1995، وثيقة (باريس) حاولت الوصول الي آلية للحل النهائي، انسجاما مع اتفاقيات اوسلو الموقعة بين الجانبين.

ودون الدخول في حقيقة (اعلان المبادئ) و(مسودة اتفاق المبادئ) الاسرائيليين، واللذين يتضمنان جوهر الحل الاسرائيلي فيما يتعلق بالتسوية مع الفلسطينيين، ولذا فان تقييمهما الفعلي، لا يعدو كونه (بالونا) او (فقاعة هواء) اسرائيلية ليس إلا! فهما يعكسان المقترحات الاسرائيلية القديمة، مع الحرص علي تقديمها بحلة زاهية هذه المرة، وبخاصة علي اعتاب مشاركة اسرائيل في المؤتمر الدولي الذي سيعقد في ايلول (سبتمبر)، وفق اقتراح الرئيس بوش، والذي سيبحث في آفاق التسوية بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، رغم افتقاد هذا المؤتمر الي الاجندة الرسمية، والي الهدف من عقده، والي من سيشارك فيه من الدول. اعلان المبادئ الاسرائيلي، المتضمن موافقة اسرائيل علي اقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، لا يحمل اي جديد، فالتصور الاسرائيلي لهذه الدولة، يتمثل في دولة الكانتونات المقطعة الاوصال من خلال التجمعات الاستيطانية الكبيرة الخمسة في الضفة الغربية، ومن خلال جدار الفصل العنصري العازل علي امتداد حدود الضفة الغربية وبين مدنها وقراها، حيث يصنع منها سجونا فعلية لساكنيها!

الدولة الفلسطينية وفقا للتصور الاسرائيلي، هي الدولة المنقوصة السيادة، والتي تضمن اشرافا امنيا اسرائيليا علي معابرها الحدودية، وحدودها وسمائها ومشاركة اسرائيلية في مياهها، وضم اجزاء منها (التجمعات الاستيطانية) الي اسرائيل، ومبادلة مناطق منها بمناطق داخل الخط الاخضر، من التي تحتوي علي كثافة سكانية عربية، انطلاقا من القضية الديموغرافية وهدف تحقيق دولتها اليهودية الخالصة النقاء. اسرائيل تمارس نفس اسلوبها التفاوضي القائم علي العنجهية والتعنت وفرض الحل الاسرائيلي.

الانسحاب من القدس ليس مطروحا علي جدول الاعمال الاسرائيلي، بل ما جري طرحه من خلال الوثائق والمقترحات الاسرائيلية، ومن خلال مباحثات باراك مع الرئيس عرفات بحضور كلينتون في عام 1999 هو اعتبار احياء ابو ديس وسلوان والعيزرية (وهي احياء خارج حدود مدينة القدس فعليا) عاصمة للدولة الفلسطينية العتيدة علي ان تسمي Quds وليس Jerasalem مع ضمان اشراف ديني فلسطيني علي الاماكن الدينية المقدسة… وهو ما رفضه المرحوم عرفات حينها، مع بقاء القدس بشطريها الشرقي والغربي، العاصمة الابدية الموحدة لاسرائيل.

سواء اعلان المبادئ او المسودة يتنكران لحق عودة اللاجئين، التي ضمنتها القرارات المتعددة للأمم المتحدة، ولا يتضمنان انسحابا اسرائيليا من كافة الاراضي الفلسطينية المحتلة في عام 1967، بما في ذلك القدس الشرقية، وفقا لقراري الأمم المتحدة 242 و338 وغيرهما… ومع ذلك، تبدي الوثيقة استعداد اسرائيل للانسحاب وفقا لحدود الرابع من حزيران (يونيو) عام 1967، مع ان اسرائيل ووفقا للعديد من تصريحات قادتها السياسيين والعسكريين، تصرح بأن هذا الانسحاب يشكل خطا احمر بالنسبة اليها، بمعني انها لن تقدم علي تطبيقه بأي حال من الاحوال، وهناك رسالة ضمانات امريكية بهذا الشأن ارسلها الرئيس بوش الي رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون، الذي قرأها من علي منبر هرتسيليا في عام 2003، بما يؤكد هزل اللعبة الاسرائيلية المكشوفة الساعية الي تحقيق المزيد من الابتزاز للفلسطينيين والعرب.

التجنب الاسرائيلي للخوص في قضايا الوضع النهائي هي مسألة اسرائيلية مدروسة بامتياز، وهي محاولة اسرائيلية للهروب الي الامام وبخاصة من دفع الاستحقاقات الوطنية الفلسطينية، حيث يبدو ان من الصعب علي الطرف الفلسطيني القبول بالمقترحات الاسرائيلية، التي تختزل هذه الحقوق في (حكم ذاتي) هزيل، ليس إلا! الأمر الذي يطرح وبحدة: الفائدة من هذه اللقاءات؟ والتي تستعملها اسرائيل للتغطية علي جرائمها النازية ضد الفلسطينيين! وللايحاء دوليا باستعدادها للتسوية! من جانب آخر، تدرك الحكومة الاسرائيلية، ورئيسها تحديدا ان الكثير من مقترحاتها الاجرائية، حتي في التعاطي السياسي مع الفلسطينيين، مرهون بموافقة الكنيست، الذي يخضع وفي نسبة كبيرة من اعضائه الي اصوات اليمين الديني، والاحزاب الفاشية، ومنهم اعضاء كثيرون من حزبي اولمرت وباراك (كاديما و(العمل) اقوي حزبين في الائتلاف الحكومي الحالي. لقد سبق لشامير، ابان مؤتمر مدريد، ان صرح بان اسرائيل ستطيل المفاوضات مع العرب عشرين سنة! واذا كان اعلان المبادئ الاسرائيلي لا يتضمن اية تفاصيل… فان الشيطان نفسه يكمن فيها… مع الصعوبة في التفريق بين الشيطان واسرائيل!8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية