لقاء فكري حول تجربة الكتابة والترجمة في الثالث الذي لا يسمي

حجم الخط
0

عزيز الحاكم

تتشابك الكتابة والترجمة أحيانا في علاقة تكامل متماسكة، يغدو فيها اختيار النصوص المترجمة توجها والترجمة كتابة من خلال الآخرين، وهكذا تطرح مصداقية الترجمة علي المحك. هذا الرهان الميداني يخوضه ثنائي متفرد يسعي الي قهر مصاعب الترجمة بالتعاون والتشاور والمواظبة. لقد انخرط الكاتبان المترجمان إدريس كثير وعز الدين الخطابي في هذه التجربة عبر أكثر من لغة، وبإعمال التفكير والتأمل في صميم اللغات وباللغات، متيحين للمعاني أن تتعدد وللاختلاف بين الدوال والمداليل أن يزدهر في أفق ترجمانية شفافة خالصة، تتاخم حدود الكتابة بما هي حفر في تلابيب المعني والتفاف حول تعدد الدلالات، تؤولها وتتركها متناثرة، منتشرة كالأثر علي أديم التجربة المشتركة. يضاف الي ذلك تعدد حقول الاشتغال لديهما: من فلسفة وبلاغة وسوسيولوجيا وعلم جمال ونقد سينمائي وشعري وتشكيلي.

وعلي سبيل الاحتفال بهذه التجربة، ورصيدها المتجمع علي امتداد أكثر من ثلاثة عقود، نظم الفرع الجهوي لاتحاد كتاب المغرب بفاس لقاء فكريا جمع بين الرصد والتقييم والمساءلة.

التغريب الأنطولوجي:

في ظلال هذا العنوان اختار عبد العزيز بومسهولي أن يقارب تجربة الكتابة والترجمة لدي عزالدين الخطابي وادريس كثير، معتبرا أن الفلسفة المغربية تنحت مفهوم التغريب الأنطولوجي من أجل استنبات المفاهيم عبر ترحيلها واخراجها من مقامها الذي انبثقت منه و توطينها في موضع غريب.

وهذا الترحيل لايتم إلا عبر الترجمة، وبذلك تصبح الترجمة مسؤولية، لا بمعني الضرورة الملزمة، بل بمعني الشيء الذي يجب القيام به، حتي يتمكن الفعل الانساني من الاستمرارببساطة، حسب تعبير حنا آرندت. ويري بومسهولي أن الكاتبين المترجمين حاولا أن ينطلقا من تصور/ رهان معين لطرح مفهوم التغريب الأنطولوجي، فوجدا نفسيهما في سياق الانخراط في أفق أنطولوجيا مغايرة، لابناء علي إلحاح العلوم الطبيعية ولا الابستيمولوجيا، بل علي أساس اللغة، في محاولة منهما لاعادة اكتشاف اللغة العربية، واكتشاف مواردها المنسية. والتغريب الأنطولوجي يندرج ضمن مخاطرة لاتهاب العدم، بقدر ماهي امتحان لاستنبات أنطولوجيا مغايرة، أو بالأصح تأسيس أنطولوجيا تجعل من الممكن انبثاق حياة فلسفية مغربية. فأن تترجم معناه أن تستفيد من خدمات معلمين، هما: الغريب في غرابته ثم القارئ ورغبته في الامتلاك. وقد سبق لـ شلايه ماخه أن وزع هذه المفارقة علي العبارتين التاليتين: جلب القارئ نحو المؤلف، وجلب المؤلف نحو القارئ. ويصيف بومسهولي بأن التغريب الأنطولوجي وهو يضع اللغة العربية في موضع أزمة إنما يهدف بالأساس إلي إعادة استضافة الوجود بطريقة مغايرة تسمح ببروز أنطولوجيا جديدة كشرط لحياة فلسفية، يغدو فيها التفلسف المتسائل جوهريا مستنبتا في أرض تتكلم العربية وليس توجسا يظل محاصرا بالنزعة الوثوقية، كما يغدو فيها المفهوم كينونة ملتحمة بالحدثية، وليس مجرد غريب تطارده لعنة الخطابة الممجدة للغة ما زالت تفتقر الي أنطولوجيا الحاضر. الارتشاف من ماء طاليس: إنها المفاجأة ذاتها التي تداهمنا ونحن نتصفح أعمال الفيلسوفين: عزالدين الخطابي وادريس كثير، المفاجأة التي تترصدنا في كتبهما متأهبة بين السطور، مخترقة فراغ الكلمات الذي تتاح به فضيلة الانصات، متقلبة بين جدل المحو والكتابة، النسيان والتذكر. منبعثة بغتة حيث لا ينتظرها أحد، منتصبة في انثناءات قد لا تنبسط الا لتخلق انثناءات أعقد. بهذا التوصيف الشاعري افتتح عبد الصمد الكباص حديثه عن هذه التجربة بمداخلة بعنوان (السؤال والاسرار في فلسفة ادريس كثير وعزالدين الخطابي) اللذين يعتبران قضية الوجود بمثابة إنشاد ينادينا، أو لنقل انها بمثابة قصيدة تحتضن كل المسارات الممكنة والمنفتحة أمام الفكر. فهي دعوة مستمرة الي التفكير والي الانسياب داخل مسالك المعرفة ومجاهيلها، وأعمالهما ليست مجرد تآليف معتادة في تاريخ الفكر أو مجرد مجهود بيداغوجي لتوضيح احتياطي القول البشري المبثوت في المكتبات والخزانات فقد كان الأستاذان حاسمين في انخراطهما، لأن الفلسفة كما أكدا ذلك بلا تردد مجال للابداع الفكري ودعوة للتفكير والمساءلة وللانصات الي نداء الوجود.

وبعد أن استغور الكباص مضامير البحث والمساءلة والمفهمة في كتابات ومترجمات كثير والخطابي استنتج بأن اقامتهما في بيت الفلسفة انتماء الي مسار لن تتيح الالتحاق به سوي المغامرة انه سبيل لا توجهه حقيقة مسبقة نحو الصواب بقدر ما هو انقذاف لا يعد بشيء، لأن غايته هي الطريق نفسه. لقد اختبرا ضرورة السفر والارتحال كاستجابة لنداء الوجود، حيث يظهر أن رحلتها ستأخذ مسارين: مسار العودة الي البراءة الفلسفية بالتطهر من العادة والأحكام المسبقة، ومسار تطهير الطريق لبدء البحث عن الطريق. لذا ينبغي أن نشرب من ماء طاليس، ثم نبدأ الرحلة مع بارمينيدس وننصت اليه، وبعد ذلك نقوم بمساءلته… . وفي ختام مداخلته أشار عبد الصمد الكباص الي أننا ونحن نتحدث اليوم عن هذين الباحثين نضع نصب أعيننا أن عصرا ما لم يكن ليتحدد بالأجوبة التي يلتئم حولها، وانما بالاسئلة الجديدة التي يثيرها، أي تلك الاسئلة المحدثة للفراغات الممزقة للاستمراريات والمشتتة لكل اتصال، والتي تعيد اكتشاف المفهوم كطارئ خارجي والمعني كاستحالة والحقيقة كإمكانية للخطأ. وربما كانت هذه هي المهمة التي يقوم بها اثنان من الأسماء البارزة في الجيل الفلسفي الجديد بالمغرب، هما عزالدين الخطابي وادريس كثير.

الجرأة علي المغامرة:

وبعنوان (في الترجمة من حيث هي إبداع) قدم حسن أوزال ورقة حول الكاتبين المترجمين استأنس في سياقها بالتساؤل الوجيه الذي سبق لـ موريس بلانشو أن طرحه بصدد الدور الأساسي الذي تقوم به الترجمة، جاء فيه: هل نعرف حقا كل ما ندين به للمترجمين، وماندين به للترجمة علي وجه الخصوص؟ ويجيب بلانشو بأننا لانعرف ذلك حق المعرفة، وحتي إن كنا نعترف بفضل أولئك الذين يزجون بأنفسهم في غمار تلك المهمة المحفوفة بالألغاز، مهمة المترجم، وإن كنا نحيي فيهم كونهم معلمي الخفاء، ونرتبط بهم، وننحني لتفانيهم، فان اعترافنا سيظل صامتا، مشوبا بشيء من الاحتقار. وماذلك في الحقيقة الا وضاعة من جانبنا. اذ أننا لسنا في مستوي الاعتراف بهم. وذهب المتدخل الي أن كل ترجمة تنهض علي مبدأ الاختلاف حتي وان بدا أنها ترمي الي حذفه والغائه. كما أنها ليست مجرد فك لشيفرات اللغة، بل هي أسلوب وحالة متميزة من حالات الكتابة. فالترجمة، ونحن نستحضر تجربة الخطابي وكثير، من حيث هي أسلوب خاص جدا في الكتابة، تواجه بالمقابل نفس المشاكل التي تواجهها الكتابة. وهي مثل الكتابة إعمال للفكر، بل قل هي الفكر ذاته قيد الاشتغال علي نحو ما. وبهذا المعني تصبح الترجمة جزءا من العمل الفلسفي، لا تقتضي التزاما فكريا فحسب، بل الجرأة علي المغامرة واتخاذ القرار حيثما وأني وجب، ونحن عندما نترجم ينطرح علينا السؤال: ما الذي أوافق علي فقدانه وإتلافه، وما الذي علي محوه ونسيانه؟ مما يفيد بأن علينا وضع جدول تصنيفي لعناصر النص بغرض الانتقاء والاختيار والشطب والعدول. وكلها آليات لا تحيد في شيء عن آليات الكتابة.

الثالث الذي لا يسمي:

في أعقاب التدخلات الثلاثة اقترح علي المحتفي بهما تقديم شهادة شخصية تضيء مسالك الاشتغال لديهما، فاعترف ادريس كثير بأن العلامة هي حجر الزاوية في تجربتنا الثنائية، سواء علي مستوي الترجمة باعتبارها إبحارا في أعالي اللغات وأنساقها أو علي مستوي الكتابة باعتبارها ترحالا واستضافة. والشكر موصول لأصدقائنا / الفلاسفة الجدد الذين لا أجاملهم بمنحهم هذه التسمية، فهم كذلك لأنهم ينتسبون الي التربة الفلسفية المغربية، ولاجحود في قولهم وكتابتهم. وعبر كثير بلاغيا عن العلاقة التي تجمعه بعز الدين الخطابي في قوله انه ينطبق عليها القول السائر: اذا كانت مني بمفردي أو منه بمفرده تنقطع، واذا كانت مني ومنه تنطبع. اذ أن بين التواترات والانقطاعات، وبين الاستمرارية والمحبة تستمر تجربتنا، ففيها الخير العميم. ومن جانبه أوضح عز الدين الخطابي بأن عملهما المشترك قد جاء بطريقة عفوية، دون تخطيط مسبق. لقد كنا نلتقي في الندوات واللقاءات التربوية كمدرسين للفلسفة، وفي العمل الجمعوي – النادي السينمائي- آواخر السبعينات وبداية الثمانينات، ولم يكن يخطر ببالنا الدخول في تجربة/ مغامرة العمل الثنائي. وكانت البداية في نهاية الثمانينات، حيث شكلت هذه المرحلة منعطفا بالنسبة لمسارنا الثقافي (…) ومكنتنا من الانفتاح علي فكر متميز هو فكر الاختلاف، مما دفعنا الي محاورة فكر بعض ممثليه قراءة ونقدا وترجمة.

لكن كيف يشتغل الثنائي كثير/ الخطابي؟ وهل يحافظ كل طرف علي تميزه داخل هذه الوحدة؟ للاجابة عن ذلك يستعير عز الدين الخطابي إشارة من جيل دولوز في معرض رده علي سؤال طرح عليه حول عمله المشترك مع فليكس گاطاري حيث قال: نحن مثل نهرين صغيرين، نلتقي تارة ويتبع كل منا مساره تارة أخري. وحتي عندما نكتب بصيغة المفرد، فإننا نكتب دائما بمساعدة شخص آخر لا تمكن تسميته أبدا.

شاعر من المغربQTR

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية