لقادة إسرائيل: اغتيال الضيف لا ينهي حماس ولا يعفيكم من إيجاد البديل

حجم الخط
1

تسفي برئيل

هناك قضيتان أساسيتان ستبقيان بدون جواب حتى لو تحقق نجاح تصفية الضيف. الأولى، ما مصير المفاوضات حول صفقة المفقودين؟ والثانية، كيف ستدار غزة ومن سيديرها؟ لأن تصفية الضيف، مع أهميتها الرمزية والعملية، هي بالأساس تصفية حساب مع ماضيه، وانتقام لعمليات إرهابية فظيعة نفذها، لكن ليس فيها ما يرسم خارطة سياسية وأمنية لما سيأتي. لا أحد يعرف كيف ستؤثر عملية التصفية على صفقة المخطوفين. وبناء على ذلك ثمة شك بأن تصفية الضيف ستطمس أي اعتبار آخر، بما في ذلك المس بالمفاوضات حول إطلاق سراح المخطوفين. هل ستصفي إسرائيل السنوار أيضاً إذا سنحت الفرصة، رغم أنه الشخص الوحيد الذي يقرر والذي بيده مصير المخطوفين، على أمل ألا يؤدي موته أيضاً إلى موتهم؟

حصل الضيف على عدة ألقاب، منها “رئيس أركان كتائب عز الدين القسام”، و”وزير الدفاع في حماس”، و”مهندس هجوم 7 أكتوبر”، وبالأساس الشخص الذي حول حماس من منظمة إرهابية إلى منظمة عسكرية. ولكن اللقب الأخير يوضح بأن حماس كمنظمة عسكرية ليست منظمة تعتمد على قائد واحد، لا يمكنها البقاء بدونه. ونرى ترجمة هذه البنية في أداء مقاتلي حماس في الأسابيع الأخيرة، حيث إن خلايا صغيرة، ليست كتائب أو ألوية، هي التي تدير المعارك على الأرض، وثمة قادة صغار يخططون وينفذون هجمات دقيقة ضد قوات الجيش الإسرائيلي دون الحاجة للتنسيق مع الأعلى، أو توجيهات عملياتية من القيادة المركزية.

إن تفكك البنية الرئيسية، وربما الهرمية، والانتقال إلى أسلوب عمل “ذري”، الذي عرفته وسائل الإعلام العربية “حرب العصابات”، تتصرف فيه ساحات “أحياء” بشكل مستقل، ميز منظمات كثيرة أخرى، التي انتقلت بسبب ضغط على قيادتها الرئيسية أو بسبب قيادتها العليا، إلى حرب العصابات. هذه هي العملية التي مرت بها “القاعدة” عندما أقام ابن لادن فروعاً في أرجاء دول عربية وفي إفريقيا، ما أعطى الاستقلال العملياتي لكل فرع وكل رئيس فرع. هذه الفروع واصلت وتواصل العمل حتى بعد تصفية ابن لادن في 2011. النتيجة أن حرباً طويلة ودموية ضد الفروع والرؤساء احتلت مكان الحرب ضد القيادة الرئيسية، وأن كل فرع من هذه الفروع كان فيه بديل للقائد المحلي الذي تمت تصفيته.

“داعش” أيضاً، التنظيم الذي في ذروة قوته، سيطر على مناطق واسعة في سوريا والعراق، وبدأ بالفعل في تطبيق فكرة الدولة الإسلامية. وكخطة استراتيجية، فقد تبنى أسلوب اللامركزية في القاعدة، وبنى له فروعاً في دول إسلامية كثيرة. اغتيال زعيم “داعش”، أبو بكر البغدادي، في 2019، وقبل ذلك اغتيال من اعتبر مؤسس التنظيم، أبو عمر البغدادي، في 2010، وقبل ذلك في 2006 اغتيال أبو مصعب الزرقاوي، زعيم “القاعدة” في العراق الذي جند أبو عمر البغدادي، وريثه… كل ذلك لم يقض على هذا التنظيم الذي ما زالت بعض فروعه تعمل حتى الآن في سوريا والعراق وأفغانستان ودول أخرى. في هذا السياق، ليس من نافل القول التذكير بأن سلسلة التصفيات التي نفذتها إسرائيل ضد قادة حماس في بداية سنوات الألفين، لم تدمر المنظمة أو تفقدها سيطرتها في قطاع غزة ولم تمنع تشغيل فروعها في الضفة الغربية ولبنان.

يخترعون الدولاب

الإمكانية الاستراتيجية الكامنة المهمة، التي تطورت في الحرب في غزة، لا تنبع من تصفية قادة حماس الكبار، بل في فقدان حماس لسيطرتها المدنية في القطاع، التي منحتها الإنجاز الأهم، وإقامة الحكم الإسلامي الفلسطيني في منطقة جغرافية معينة، الذي بواسطته تم إملاء جدول أعمال كل النضال الوطني الفلسطيني والعملية السياسية. بسبب ذلك، حماس مدينة بشكل كبير لنتنياهو الذي قام بالفعل بعمليات عسكرية ضدها، لكن هذه العمليات كانت دائماً “عملية رد” على هجمات إرهابية أو على إطلاق الصواريخ. ومن جهة أخرى، كان يحرص على الحفاظ عليها وعلى مساعدتها، وتمويل استمرار سيطرتها في القطاع. هنا يكمن الفرق الجوهري بين الحرب التي تم شنها والحرب التي يتم شنها ضد تنظيمات إرهابية أخرى مثل “القاعدة” أو “داعش”، وبين الحرب ضد حماس.

في كل الساحات الأخرى التي قادتها الولايات المتحدة والدول المشاركة في التحالف، تم العثور على شركاء محليين في الدول التي انضمت للحرب. الجيش العراقي الذي هزم في 2014 من قبل “داعش” أعيد ترميمه بسرعة، ووقف على قدميه بمساعدة أمريكية مكثفة، وقام باجتثاث منظمة البغدادي، وأعاد لنفسه السيطرة على المنطقة الجغرافية التي احتلها “داعش”. ومصر تستمر في شن حرب ضروس ضد التنظيمات الإسلامية في شبه جزيرة سيناء. والأسد شن حرباً ضد “داعش” وكذلك أيضاً إيران، وحتى “طالبان” تواصل شن حرب دموية ضد هذا التنظيم. النجاح غير كامل، لكن من الواضح أنه بدون سلطة محلية مركزية، قوية ولها دافعية، فإن دولة عظمى وحدها مثل الولايات المتحدة لم تنجح في وقف نشاطات وطموحات هذه المنظمات.

إسرائيل على ثقة بأنها ستخترع الدولاب، وأن بإمكانها إدارة غزة وتدمير سلطة حماس بدون التعاون مع قوة محلية. ولكن تصفية قيادة حماس في غزة لا تطرح البديل لسلطة مدنية فلسطينية. ورفض رئيس الحكومة السماح للسلطة الفلسطينية بلعب دور في القطاع، سيحول الجيش الإسرائيلي إلى شرطي محلي وجهة ستكون مسؤولة عن التعليم والصحة وتوفير المياه والكهرباء، بل وسيبعد من يمكنه استكمال مهمة طرد حماس من السيطرة المدنية ويأخذ منه إنجازه التاريخي.

لكن حتى قبل هذا الانقلاب الاستراتيجي الذي قد يقرر ويحدد مستقبل غزة، فإن تصفية محمد الضيف لا تعفي إسرائيل من الحاجة لطرح خطة عمل عملياتية الآن. على فرض أن صفقة التبادل ستستمر، فالخطة التي وافقت عليها إسرائيل تنص على انسحاب قوات الجيش الإسرائيلي بعد انتهاء العملية في غزة. ستكون هذه عملية تدريجية، ولكن لن تستطيع إسرائيل في المراحل الأولى التواجد في أجزاء كبيرة في القطاع، وسيسمح للغزيين الذين هجّروا من شمال القطاع إلى الجنوب بالعودة في المرحلة الأولى إلى بيوتهم والبدء في ترميم حياتهم.

هؤلاء السكان سيكونون بحاجة إلى أجهزة مدنية منظمة، شرعية ولديها صلاحيات، تجند المساعدات والاستثمارات، وتنسق نشاطاتها مع إسرائيل ومصر والمجتمع الدولي لتتمكن من ترسيخ بنية تحتية لمؤسسة فلسطينية تستبدل حماس. صحيح أن إنشاء مؤسسة كهذه لن يقضي على حماس التي تعمل كحركة سياسية خارج القطاع وكمجموعة من الخلايا الإرهابية داخل القطاع، ولكن عندها ستجد حماس نفسها أمام سكان وجدوا بديلاً سلطوياً وأفقاً اقتصادياً ومنظمة فلسطينية على شكل دولة تسيطر على هذه المنطقة الجغرافية.
هآرتس 14/7/2024

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية