اليوميات التي نشرتها «نيو يوركر» للكاتب البرتغالي غونسالو م. تافاريس تكاد تملأ كتابا صغيرا. هي سطور متفرقة تحمل كل منها فكرة أو ملاحظة أو خاطرة. من بين ما كتبه نقرأ: «الناس في الخارج يحرصون على التزام وسط الطريق» ثم، في خاطرة تتبع، يكتب: «وسط الطريق الذي يحاول ألا يلمس شيئا». ثم هناك حركة تُستنهض من الذاكرة، حركة شخص ما على الطريق، «مثل مدرّب كرة قدم، لكن في وسط تراجيديا لا في وسط مباراة».
هي جمل متفرّقة تتألّف بالاستدعاء الحرّ، كما هو ظاهر أعلاه، أو هي جمل منفصلة إحداها عن الأخرى بلا صلة بينها، ولا رابط كمثل الجملة التالية: «بكونك مريضا، أنت تهدّد الدولة». ولأن هذه السطور المتتابعة لا تلتزم نظاما كتابيا، يستطيع تافاريس أن ينتقي فكرة صاغها كاتب مثل الياس كانيتي (هي «كلّ شيء أتعلّمه أحوّله إلى خوف») فيثبتها في يومياته ذاكرا اسم كاتبها. كما إنه، أحيانا، يخرج من الإلماح الشعري إلى ما يشبه الوصف القصصي، كأن يكتب مثلا: «في مستشفى دل مار التقطت الممرضة هاتفها من جيبها، وطلبت رقم ابن رجل مريض»ُ، ثم في سطر ثان يكمل ذاك الذي يشبه السرد: «الطابق الرابع، غرفة 429»، ثم، في سطر أخير: «أجرت (الممرضة) الاتصال، رفعت الهاتف، وأدارته إلى وجه الرجل المريض».
تلك المشاهد الصغيرة المتتابعة، كان يمكن أن تتألّف معا من دون أن يفصل بينها استقلال كل جملة منها عن الأخرى، كأن يكون ما في داخل المزدوجات جملة واحدة متتابعة. أما ما أراده الكاتب فهو أن تكون الخاطرة المستقلة كافية لوحدها أولا ثم، بعد أن يكتفي القارئ من تأمّل شعريّتها، يوصل الكاتب فكرته بفكرة تتلوها، طالعة من صلبها.
من خارج النظم الكتابية التي يتسمى الكتّاب تبعا لاختلافاتها (شاعر، روائي ، قاص، كاتب سيناريو، إلخ) كتب تافاريس نصوصه لمجلة «نيو يوركر». كثيرون من الكتّاب لجأوا، في زمن وباء الكورونا، إلى هذا النوع من الكتابة. لكن ما تميّز به تافاريس هو في سعيه لأن يكون هذا النص الطويل هو كتابتُه، كتابته ذاتها، لتوضع هذه اليوميات في مصاف واحد مع رواياته وكتبه السابقة التي ترجمت إلى الكثير من اللغات، بينها العربية. ليست هذه النصوص أقل وجاهة من الكتابة، ولم تُسطّر في فترة استراحة كاتبها. صحيح أن كتابتها لم تستغرق الوقت الطويل الذي تحتاجه كتابة الكتب عادة، حيث أن الخاطرات أو الأفكار التي استدعت كتابتها تومض في الرأس ناجزة تامة الصياغة أو تكاد، فيما تحتاج الرواية مثلا إلى إيلاء اهتمام مضنٍ بالبناء والتوازن بين العناصر، التي ينبغي ألا يُغفل عنها من بداية الكتاب حتى آخره. كما ليست هي الشعر الذي ينبغي أن تعاد كتابته مرة بعد مرة من أجل أن يُصفّى كنصّ متخلّص من أي شائبة.
في كل المجلات والصحف نقرأ نصوصا لشعراء كتبت لزمن كورونا، وهذا ما يجعلها، حتى في نظر كتابها أنفسهم، إلى جانب الشعر، أو هي الشعر كُتب بدرجة تركيز أقلّ. وهذا ما يكتبه آخرون كثيرون، حيث تغري السهولة التي يبررها العيش في زمن الوباء، بأن تكون الكتابة متاحة لغير محترفيها. أقصد الكتابة التي تتناول المشاهدة واجتراح الأفكار والتأمل الذي يتبعهما. مجلة «نيويورك تايمز ريفيو أو بوكس»، جعلت من جميع مراسلي الصحيفة كتاّبا مشاركين، في ما أطلقت عليه عنوان «اليوميات». في كل عدد جديد من هذه المجلة تضاف لائحة أسماء جديدة تضاف إلى من سبقت مشاركتهم في ما يمكن أن يشكّل، لاحقا، سفرا جامعا ليوميات كتبت من جميع أنحاء الأرض، كما لو أنها مسابقة كونية تجري، لأول مرة في التاريخ، حول موضوع راهن واحد.
كل يوم نقرأ، سواء في المجلات أو الصحف أو على وسائل التواصل الاجتماعي، قصائد ونصوصا أتاح كتابتها، ونشرها من ثم، الزمنُ المختلف الذي نعفي أنفسنا فيه من الالتزام بالقوانين التي تثقلنا. إنه زمن محذوف، يمكن لنا أن نتكاسل فيه، أو أن نتحرّر، من تقديم الحساب على كسلنا. «تركت نفسي أخرج، أنا أقلّ صرامة مع نفسي» كتب ليو تولستوي، وقد أعاد أحدهم الآن، هو دوايت غارنر، نشره من ضمن «يوميات»، أو ما يصلح أن يكون يوميات، استقاها من روايات ومجموعات شعرية وكتب فلسفية. ربما يسعى غارنر هذا إلى أن يسهّل علينا مشقة القراءة ، لذلك اختار لنا من كل كتاب الجملةَ التي تمتعنا. لا أحد يحب أن يجهد نفسه ويرهقها في هذا الزمن الصعب الاحتمال، لا الكتاب ولا القرّاء.
٭ روائي لبناني