لقد عرفنا بالتجربة… لماذا كان د.جون قرنق وحدويا؟

حجم الخط
0

هل الدكتور جون قرنق مفكر جنوبي ام سوداني ام عالم ثالثي…اذا قلنا العالم الثالث المأزوم في جدلية التوزيع العادل للسلطة والثروة وأزمة الحكم بين المركز والهامش والتي انفجرت اليوم في ثورات الفيسبوك في العالم الثالث العربي. الذي لم يعرف الدولة المدنية والديمقراطية وظل اسير فجر كاذب تم تصديره من الجارة مصر الى العالم العربي في شكل خطاب غوغائي لا يسمن ولا يغني من جوع… ولا زال انقلاب عبدالناصر على الملكية والديمقراطية معا ودخول مصر والعالم العربي النفق المظلم للأنظمة الشمولية…الذي هيمن على نصف الكوكب المتأثر بالثورة الشيوعية والماركسية التي اضحت كالقطة التي اكلت بنيها.
عندما نال السودان استقلاله سنة 1956 ربط نفسه بقاطرة الشرق الاوسط المعطوبة والمشاريع المستوردة من الخارج واوهام الدولة الدينية العروب اسلامية…واضحينا ننتقل بين حكم شمولي وديموقراطية زائفة عبر انتفاضات متكررة 1964 و1985 لا تراوح مكانها ولا تعيد نفس انتاج الوعي المستلب بل نفس الاشخاص.
هل كان السودان فراغا او بقعة جغرافية تقع جنوب خط22 وظل باهتا او حقل تجارب للاخرين ام كان هناك حضارة قديمة وملوك كوش العظماء تراهاقا وبعانخي اركماني…واعلام فكر سوداني معاصر من امثال محمود محمد طه وابراهيم بدري والدكتور جون قرنق.
عندما طرح محمود محمد طه مشروع الدولة المدنية الفدرالية الديمقراطية في السودان في بواكير الاستقلال وفقا لأساس فكري صلب قائم على الهوية السودانية كان نصف العالم من عجم وعرب غارق في شمولية النظام العالمي القديم والصراع بين المعسكر الديمقراطي الرأسمالي والمعسكر الإشتراكي الشمولي..وعجز المعسكران حتى الان على حل معضلة ‘حاجة الانسان للحرية المطلقة وحاجة الجماعة للعدالة الاجتماعية’…وطرح افكاره في كتب موثقة واشرطة كاسيت حسب امكانيات ذلك الزمن…وطبعا قامت النخب السودانية المتعددة الاهواء بوأد هذه الافكار السودانية واغتيال صاحبها سنة 1985 واستبدالها بما هو اسوأ عبر عقود من الاستقلال.
وفي عام 1983 جاء متسابق اخر في سباق الماسافات الطويلة السودانية ليحمل الراية ويواصل مشروع صناعة الدولة السودانية الحقيقية…وكان مشروع السودان الجديد الذى جسدته كلمات جون قرنق البسيطة ‘ما تساولني عايز احرر السودانيين من منو ..اسالوني عايز تحرر السودانيين من شنو’ رغم بساطة هذه الكلمات الا انها ظلت عصية الفهم لأهل السودان القديم الذين ولغت في عقلوهم ايديولوجياتهم التي جاؤوا بها من البلاد التي بعثوا اليها…ورفعوا شعار ‘يا شعيب لا نفقه كثيرا مما تقول’…واعلنوا حربا ضروسا على هذا المشروع عبر الديمقراطية المزعومة او ما يعرف بثورة الانقاذ وهي انقلاب قام به الاخوان المسلمون في السودان وتبناه الاخوان المسلمون عبر العالم واهلك الحرث والنسل وفشل تماما ووصل الحضيض بوجود عرابه حسن الترابي في السجن ورئيسه تحت تهديد المحكمة الجنائية الدولية…
كانت اتفاقية نيفاشا 2005- 2011 العمل الذكي الوحيد الذي مارسته الانقاذ بعد سد مروي…ولكن للأسف ليس كل الإنقاذيين اذكياء بالطبع…وخاصة بعد المفاصلة الاخيرة بين القصر والمنشية …وانقسام الاخوان المسلمين الى ظل ذي ثلاث شعب المؤتمر الشعبي والمؤتمر الوطني والعدل والمساواة… وبرزت ازمة دارفور على السطح.
يمتاز د.جون قرنق بالواقعية السياسية وعندما قال ‘بعد نيفاشا السودان القديم لن يرجع’ رغم وفاته العاجلة صدق ما تنبأ به فهو رجل ذكي وبارع في الديناميكا السياسية…لقد كانت نيفاشا طوق نجاة لانقاذ الانقاذ من فجر الاخوان المسلمين الكاذب وفرصة لإنعتاق السودان من دائرة الشرق الاوسط الجهنمية والنظم الفاسدة والمستبدة والايديولجيات السقيمة…ولكنهم لم يحسنوا قراءتها جيدا…وظلوا في طغيانهم يعمهون حتى تهاوت العروش من حولهم…ولم تنج حتى مصر المؤمنة…فهل كان جون قرنق عندما تحدث عن مشروع السودان الجديد ليس حده ملكال او خط22 بل كان يقول ‘من نمولي الى الاسكندرية’ وانه سيكون نموذجا لدول العالم الثالث…واليوم نرى مصر الجديدة وتونس الجديدة والعراق الجديد والبحرين الجديدة وثورة الفيسبوك والحرية والتجديد تسير بعد فشل مشروع الاخوان المسلمين في السودان ووصوله القاع وعافته الفضائيات…وجاء الغنوشي ليذكرهم…هل من الاجدى المكابرة والاستعلاء الزائف والجلوس على رأس الناس…ام التواضع ومراجعة النفس…وهل عرفنا الآن لماذا كان جون قرنق وحدويا… الاجابة بسيطة…لأن امتداد مشروع السودان الجديد شمالا عبر اتفاقية نيفاشا والتصويت للوحدة كان سيشكل درعا واقيا لأبناء الجنوب ليقفوا على اقدامهم دون معاناة من الشريك الذي لا يؤمن بهم…
عادل الأمين
كاتب من السودان مقيم في اليمن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية