لقطات سريعة من إسطنبول: التصالح مع التاريخ والجغرافيا

حجم الخط
0

عبد الحميد صيامI كل شيء في هذه المدينة يشير إلى حقيقتين متكاملتين: إنها مدينة تاريخية بكل المقاييس وإنها مدينة ناهضة في كل المجالات تبحث عن دورعظيم لها وللدولة التي تمثلها في المستقبل. في كل شارع وكل حي وكل ‘زنقة’ تجد مَـعلما يشير إلى عظمة هذه المدينة، عاصمة الإمبراطورية العثمانية لنحو خمسة قرون، كانت تدار منها رقعة جغرافية ضخمة تعادل الإمبراطورية الرومانية في أوج عظمتها وعندما انفرط عقدها خلف وراءه 40 دولة. هذه كنيسة أيا صوفيا العريقة التي استسلمت لجيوش بني عثمان عام 1453 فتحولت إلى مسجد عظيم لما يمثله من رمزية هائلة لكن تحت ضغوط الدول الغربية وتكريسا لعلمانية تركيا الحديثة تحول المسجد إلى متحف كبير عام 1935 كي لا يبقى شاهدا على سقوط عاصمة الدولة البيزنطية وتحويل مقرها البابوي إلى مسجد.

وأنا أتأمل عظمة المكان وروعته المعمارية تذكرت الجامع الكبير في قرطبة وتمنيت لو أن العرب والمسلمين فعلوا الشيء نفسه وضغطوا على إسبانيا لتسحب الكنيسة المقامة في صحن المسجد والتي تنكأ جراح أمة عند مشاهدة دليل قاطع يشير إلى هزيمة ساحقة للعرب والمسلمين بعد إقامة دولة وحضارة عظيمتين لمدة 781 سنة استمر فيها الوجود العربي الإسلامي في الأندلس بشكل أو بآخر لغاية سقوط غرناطة، آخر مواقع المسلمين عام 1492 أي بعد أقل من 40 سنة من سقوط القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية في أيدي المسلمين. وكأن لسان حال الغرب الصليبي كان يقول آنذاك:’ردنا على سقوط عاصمة الإمبراطورية البيزنطية هو تطهير عرقي لآخر مواقع المسلمين في أوروبا المسيحية في جنوب الأندلس’. IIغياب إسطنبول عن المسرح العالمي استمر معظم سنوات القرن العشرين منذ قيام الجمهورية الأولى عام 1923 بقيادة مصطفى كمال ونقل عاصمة الدولة الحديثة إلى أنقرة كي يقطع تركيا الحديثة عن ماضيها ويمحو من ذاكرة الشعب التركي تاريخ الإمبراطورية وما كانت تمثله إسطنبول بالنسبة لها. كان مشغولا ببناء جمهورية حديثة على الطريقة الغربية وخاصة فرنسا، وهمه الانفلات من أية علاقة بالعرب والإسلام وخاصة بعد تحالف العرب مع بريطانيا حيث شعر الأتراك أن العرب ارتكبوا خيانة عظمى بهذا الفعل وأطلقوا المصطلح الذي ظلوا يرددونه لزمن لاحق ‘عرب خيانات بشوالات’. مصطفى كمال كان يستند إلى شعبية عارمة وشرعية ثورية نتيجة الدور البطولي الذي لعبه في مقارعة جيوش الحلفاء عندما هزموا الدولة العثمانية وقسموها إلى مزق ومحميات ومناطق نفوذ بين فرنسا وبريطانيا واليونان. لكن هذا الضابط الشجاع رفض الاستسلام وجمع حوله بقايا الجيش المنهزم وآلاف المتطوعين من الشباب الذين تربوا في ظل أفكار حزب ‘تركيا الفتاة’ وبدأ حركة مقاومة عظيمة ألحقت بجيوش الغزاة هزائم متواصلة واستطاع تحرير أجزاء كبيرة كانت تحت سيطرة القوات اليونانية مما دعا الحلفاء أن يتراجعوا عن اتفاقية الاستسلام التي وقعها آخر سلاطين بني عثمان محمد السادس في سيفر عام 1920 التي فتتت البلاد وحولتها إلى محميات متناثرة، وأن يفاوضوا ممثلي تركيا المناضلة ويتوصلوا معهم إلى اتفاقية لوزان عام 1923 التي أقرت وحدة تركيا وسيادتها وأنهت الاحتلال والوجود الاستعماري فيها وإلى الأبد. كان مصطفى كمال معنيا ببناء دولة عصرية قائمة على الحرية وفصل السلطات وفصل الدين عن الدولة وتعزيز الهوية الطورانية التي لا علاقة لها لا بالعروبة ولا بالإسلام. لم يكن الشعب التركي مستعدا لهذا التغيير الشامل ولذلك سلمت البلاد للعسكر لضمان هذا التحول وصيغ الدستور بطريقة تؤكد علمانية الدولة وأعطيت المحكمة الدستورية صلاحيات كبيرة لضمان التزام نظام االحكم التركي الجديد بهذا التوجه. وقد تدخل العسكر أكثر من أربع مرات لإسقاط نظام لا يرضون عنه أو ذي مرجعية دينية وظلت الأتاتوركية مجسدة في الحزب الجمهوري تحكم تركيا من خلال العسكر لأكثر من 70 عاما إلى أن أقر دستور 1982 بعد اندلاع أعمال عنف عصفت بالبلاد نتيجة لأزمة اقتصادية خانقة. كانت تانسو شيلر أول رئيسة وزراء منتخبة بعد إقرار الدستور الجديد والذي سمح بإنشاء الأحزاب والتعددية. لكن العسكر سرعان ما أسقطوا حكومة نجم الدين أربكان عام 1997، أول رئيس وزراء تركي ينتخب عن حزب الرفاه الإسلامي بعد قيام تركيا الحديثة. ومع انتخاب حزب العدالة والتنمية الذي انطلق من عباءة حزب الرفاه الإسلامي بدءا بعام 2002 دخلت البلاد مرحلة الاستقرار والتنمية وبدأت تستعيد دورها الإقليمي والدولي وتطوي صفحة التهميش والغياب عن حاضنتها الطبيعية، حيث كان هدفها الأساسي منذ 1973 الانضمام إلى السوق الأوروبية المشتر كة ثم الاتحاد الأوروبي متجاهلة عن عمد وسبق إصرار الفضائين العربي والإسلامي حيث تنتمي تركيا تاريخا وحضارة ومستقبلا.IIIالانتخابات الأخيرة في تركيا (12 من حزيران /يونيو) والتي انتهت بفوز عظيم لحزب العدالة والتنمية كانت عبارة عن استفتاء شعبي على سياسة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية. لقد كان الانتصار بمثابة تأييد واعتماد لسياسة الحزب الحكيمة الذي قاد البلاد في التسع سنوات الأخيرة. فمن بين كل إثنين من الأتراك حصل الحزب على صوت واحد. وهو يستعد الآن لإجراء تغييرات جذرية في الدستور لتعزيز الديمقراطية وسيادة القانون وإقصاء العسكر تماما عن السياسة وعرض هذه التعديلات على الشعب في استفتاء عام، ولا أحد يساوره شك في اعتماد الشعب بأغلبية كبيرة لتلك التغييرات الهامة.

السر في هذا التأييد يكمن في مصطلحين يحملهما الحزب في إسمه: العدالة والتنمية: عدالة تشمل الجميع وتنمية شاملة يقطف ثمارها الجميع. لقد شملت العدالة كافة أبناء الشعب وأقلياته وخاصة الأكراد الذين بدأوا يستمتعون بحق التعبير والتجمع والانتماء إلى الهوية الثقافية المميزة داخل دولة القانون فاستطاعوا أن يرفعوا رصيد مقاعدهم في البرلمان من 20 عام 2007 إلى 36 عام 2011. إن هذا الانتصار لمرشحي الأكراد جاء نتيجة منطقية لجو الحرية والعدالة والمساواة والانتعاش الاقتصادي التي تعيشه البلاد.

أما عن التنمية فحدث ولا حرج. فالنهوض الاقتصادي وضع تركيا في الموقع الثامن عشر من بين دول العالم حيث وصل مجموع الناتج القومي ما يزيد عن الألف مليار دولار وزاد دخل الفرد في سنوات حكم الحزب ثلاث مرات وأصبحت تركيا من أكبر الدول في العالم المصدرة للمواد الزراعية والأقمشة والمعدات ووسائل المواصلات ومواد البناء والتعدين وأحد أهم مناطق الجذب السياحي في العالم. ففي القطاع السياحي لوحده وصل عدد السياح عام 2008 إلى نحو 27 مليون سائح وفي عام 2010 وصل العدد إلى أكثر من 29 مليون سائح مولدين دخلا قوميا يزيد عن ال 21 مليار دولار.

إن أهم إنجازات حزب العدالة والتنمية أنه تصالح مع التاريخ ومع الجغرافيا فلم يعد يخجل الشعب التركي من الإشارة إلى ماضيه العثماني ولم يعد يركض لاهثا وراء أوروبا. لقد عاد إلى محيطه الجغرافي والثقافي فوجد أذرع العرب والمسلمين مفـتوحة لضمه إليها بحرارة لم يكن يتوقعها بعد أكثر من70 سنة من الإغتراب.IVالخلافات بين تركيا والعالم العربي انتهت أو كادت، رغم الأزمة الحالية مع النظام السوري. موضوع لواء اسكندرونة محي رسميا من الخريطة السورية ولم يعد الموقف الرسمي العربي يعتبره ‘اللواء السليب’، وتم التفاهم بين سورية والعراق من جهة وتركيا من جهة أخرى حول تقاسم مياه نهري دجلة والفرات، وسحبت سورية تأييدها لحزب العمال الكردستاني، وتم التفاهم مع العراق على عدم مد يد العون لمقاتلي الحزب وإدارة الوجه عندما تضطر تركيا إلى اختراق حدود العراق الشمالية وهي تلاحق متسللي الحزب، كما أن تركيا عدلت سياستها من إسرائيل وأصبحت مواقفها متقدمة على معظم مواقف الدول العربية وخاصة في موضوع الحصار على غزة. وفتحت تركيا حدودها للمواطنين العرب لدخول البلاد بدون تأشيرة أو بإجراءات مخففة تماما. فعندما وصلت موظف الجوازات وقدمت له جواز سفري الأمريكي قال أنت بحاجة لتأشيرة وأحالني إلى شباك آخر لدفع الرسوم بينما استمر تدفق العرب دون توقيف أو مساءلة فندمت لأنني لم أقدم جواز سفري العربي حيث ستكون فرصة نادرة أن تشعر بأن جنسيتك العربية تسمو على جنسيتك الأمريكية ولو مرة في العمر. إن صفحة العلاقات بين تركيا والعالم العربي في افضل حالاتها رغم التطورات الأخيرة في سورية والتي إختارت الرد الأمني على المظاهرات السلمية العارمة التي إجتاحت كافة مدن القطر أسوة بالثورات العربية مما اضطر آلاف منهم أن يعبروا الحدود ويعيشوا في مخيمات لجوء في تركيا بشيء من كرامتهم على أن يتعرضوا للقتل والتعذيب على أيدي رجال الأمن والشبيحة في بلدهم. كما أن رئيس الوزراء التركي قدم رزمة من النصائح لحل الأزمة الحالية في سورية مما خلق أزمة ثقة بين النظامين ودعا أجهزة الإعلام السوري الرديئة إلى فتح فوهاتها الصدئة ضد رئيس الوزراء التركي واتهامه بالتآمر على نظام ‘العدل والمساواة والحريات’ في سورية.Vوأنت في اسطنبول تكاد تشعر أنك في بلد عربي، ليس لأن معظم السياح من الدول العربية فحسب بل لأن الكثيرين من الأتراك يتحدثون العربية وخاصة في البازار الكبير والمواقع السياحية ذات المدلول التاريخي. آلاف من أبناء العراق وسورية والأردن وفلسطين ودول الخليج ومصر وغيرها يصطفون تحت حرارة الشمس بانتظار دورهم للدخول إلى مقر السلاطين العثمانيين والمسجد الأزرق الذي بناه السلطان أحمد ويعتبر تحفة فنية نادرة. للسياح منطقة يدخلون منها لمشاهدة العمارة الإسلامية الرائعة لكن الجزء الأكبر مخصص لإقامة الصلوات والسجود والركوع. ففي مواعيد الصلاة ترتفع أصوات المؤذنين من كل مكان وكأنك في القاهرة أو الرباط أو بغداد. لم يعد الأذان ممنوعا كما قرر ذلك مصطفى كمال. اليوم تشاهد المسجد مفتوحا لمن أراد الصلاة والبار مفتوحا لمن أراد إحتساء المشروبات الكحولية، كما تشاهد التركيات المحجبات بطريقة مميزة تشبها بحجاب زوجة رئيس الوزراء أمينة، كما تشاهد أخريات يلبسن الثياب الأوروبـية التي لا تعير وزنا لما يظهر أو يختفي من الجسد. لا أحد يحكم على أحد من المظهر الخارجي. المهم ليس الشكل بل الجوهر. كل يسير في حال سبيله انطلاقا من قناعاته الشخصية ولا دور للدولة في ما يلبس الإنسان أو يأكل أو يشرب. إنها قرارات متروكة للفرد وقناعاته الشخصية والتزامه الخلقي أو العقائدي. كم أتمنى على الزوار العرب أن يعودوا إلى بلدانهم ويمارسوا شيئا من الدروس العظيمة التي تقدمها تركيا مجانا لهم. وأول هذه الدروس حرية الفرد في تحديد خياراته الشخصية والسياسية والثقافية. فتركيا عادت وأحيت تاريخها العثماني دون التفريط بالواقع الذي أفرزته سنوات العلمانية الطويلة. وتركيا عادت لمحيطها العربي والإسلامي دون أن يكون ذلك على حساب علاقاتها وامتداداتها الدولية أو مقايضة بكرامتها الوطنية. تركيا تصالحت مع التاريخ والجغرافيا بفضل السياسة الحكيمة لحزب العدالة والتنمية والذي لم أسمع إلا كل إطراء وثناء على الدور الذي لعبه هذا الحزب في عشر سنوات لأنه استطاع أن يضع تركيا في مصاف الدول العظيمة والتي تسير نحو دور تاريخي أكبر يليق بورثة الإمبراطورية العثمانية المجيدة.

كما أتمنى على الشعوب العربية وهم يصارعون أنظمة التوريث والفساد والعفن والتنكيل وكتم الأفواه وخيانة الأمن القومي للأمة أن يتعلموا شيئا من الدروس المجانية التي تقدمها تركيا، وأهم هذه الدروس على الإطلاق:

المصالحة بين الدين والديمقراطية حيث أثبتت تجربة الحزب أن العمل السياسي عمل دنيوي يحتاج إلى رجال صادقين ومخلصين ومتواضعين انطلاقا من تربيتهم وقناعاتهم سواء كانت دينية أو غير دينية ليصنعوا لشعوبهم مستقبلا مشرقا ولأمتهم مكانة سامية ترفعهم إلى مصاف الدول الكبرى. وكما قال رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ‘نحن لانحتاج في تركيا إلى مزيد من المشايخ أو علماء الدين، وإنما نحتاج إلى رجال سياسة ماهرين وشرفاء’.’ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويورك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية