لقميصي تعب الحدائق حين يتأخر البستاني او يموت في الطريق

حجم الخط
0

لقميصي تعب الحدائق حين يتأخر البستاني او يموت في الطريق

زياد خداشلقميصي تعب الحدائق حين يتأخر البستاني او يموت في الطريق(الي رشا النائمة في عين الموجة)ثلاثة امكنة لا تبرح دمي، لا تخون حنيني، امكنة تنام وتحلم معي، امكنة لاتموت، لا تستريح مني ثلاثة امكنة هي انا، هي تاريخ الندي في روحي، ان مت تنوب هذه الامكنة عني في استلام بريدي، بريد الحواس، تدافع عن اخطائي، وتطبب لي اورام غيابي، ثلاثة امكنة، ثلاثة ملائكة خلقتهم من صلصال هياجي، من قماش مجهولي، امكنة ليست قابلة للزيارة لانها داخلي، تتنفس من عطشي، ترضع من صحرائي اشمها، اتحسسها. في الليل انهض من فراشي، والعالم نائم، اوقظ الامكنة الثلاثة، امددها علي سريري بجانبي، نصبح اربعة امكنة، نختلط مع بعضنا البعض، نضيع فينا، ونبحث عنا، لا حدود، لا بداية ولا نهاية، ثلاثة امكنة، يرجني زعيقها داخلي، ويرميني علي قارعة الوقت، ثلاثة احصنة تصهل فوق رمشي، ثلاثة تلال مشجرة تخفق فوق خاصرتي، لا تريحني ولا ترتاح. الا تنامين ايتها الامكنة؟ الا تشتاقين لغيبوبة او سفر او موت مؤقت؟؟المكان الاول ـ القدس ـ قبر ليديناطريق ترابي، بعيد عن صخب العربات والازقة ونداءات الباعة وعيون الاهل والجنود، طريق ترابي طويل، بدايته درج عتيق، نهايته فراغ الخلاء، تمشي بجانبي، خائفة وسعيدة، امشي بجانبها صغيرا ومخترقا، معطفها الجلدي بني، قميصي الشتوي اسود، المسافة بين يدي ويدها، هي نفس المسافة بين طرف ابتسامتها وطرف شهقتي، علي جانبي الطريق ازهار كثيرة تطل من حدائق مجهولة، صخور كبيرة وبضعة قبور، وعلي الارض شقائق نعمان يمشي معنا.طريق ترابي طويل، يكفي لارتباكنا وجمالنا، يفيض بهما، ساخرا وكريما يوزعهما علي الطرقات الاخري، الان في متنصف الطريق، اليد باليد خافتتين، باردتين،حزينتين، الان اشم طرف معطفها، تتفرس قميصي، لمعطفها رائحة اعتراف غير مكتمل، لذيذ، مؤلم، لقميصي تعب الحدائق حين يتأخر البستاني او يموت في الطريق، الطريق لا ينتهي، يدها تخرج من يدي فجأة، يدي تهرب الي جيبي، يدها تختفي، لمن هذه القبور؟ سألتها؟ليدينا، اجابت وهربت بعينها نحو التلال، طريق ترابي طويل ولا ينتهي.المكان الثاني ـ رام اللهالبيت الصامت والعتيقمهرجان رام الله للثقافة والفنون، كنت اجلس معها في ساحة كبيرة مليئة بالبشر اطفالا ونساء ورجالا ومراهقين، نسبح في شغب الكراسي، وازدحام الاكتاف، علي المنصة كانت فنانة جميلة تغني عن الناي والمدن والرحيل والخوف، البشر في عالم وكلمات المغنية في عالم اخر، فقط انا وهي من اصغي بحب وصمت، فقط انا وهي من اوشكا علي الذوبان في ثلج المعاني.بعد نصف ساعة سئم البشر من المعاني الغريبة والصوت الهاديء، تفرقوا كل الي لا معناه، الي لا جدواه، بقيت معها، ليس بجانبها تماما، الوضعية التي تسمح لي ان اري جانب وجهها الايسر، نظرتها الغارقة في الرمل واللينة، اغماضة عينيها السكرانتين، غناء خصلاتها الاخرس علي ايقاع الموسيقي، كان الصيف قاتلا تلك الليلة، لا نسمة، لا شيء يتحرك سوي حبات العرق فوق الشفاه الرطبة، يا الله! كم كان السكون مدويا ومعذبا! سكون الشجر والتراب، والله، كان غناء الفنانة الناعم والهامس يكثف هذا السكون ويعطيه معني التوقف النهائي والمريع الساخن، ثمة اشياء لا اراها كانت تختنق، وتنحشر في الزوايا، ثمة صياح مخنوق كان يسيل من شقوق جدران السور المحيط بالساحة الواسعة، هل كنت احبها؟ هل اجرؤ علي الاعتراف؟ كانت انثي حقيقية بعيدا عن شروط المدنية الكذابة، كانت التعديل الاخير الذي رسمه الله علي نموذج الانوثة بعدها ذهب الله ليستريح، بعدها همس الله لنفسه: الان اكملت رسالتي، الان صرت الها.انتهت الحفلة، عائدان الي البيت مرهقان ووحيدان، بيت عتيق كانت تسكنه، بيت بست حجرات، وشرفة زجاجية مطلة علي شارع جانبي، هادئ، دخلنا، ارتمت علي الاريكة القديمة، تدندن لحنا، وتقول ضاحكة: اه لو عثرت علي رجلي في هذه المدينة سابقي فيها، الرجل هو المدينة، هل كانت طعنة في رجولتي؟ جلست علي الارض احدق في الجدار شبه المعتم، صمت جسدها، سمعته ينام، نهضت، اتجول في الحجرات، في غرفة نومها، مشيت، تمرغت بشراشفها ونافذتها، جلست علي سريرها، اقراطها علي الطاولة وعطرها مسكوب نصفه، كوب النسكافيه الملون، علي الطاولة وحيد ومنتظر، الجدار بجانب سريرها مكشوط،البلاط تحت اقدامها بارد وباهت، كتب لهدجر وسارتر علي الارض، خرجت الي الحديقة، اتجول حول البيت، ابحث عن لغز السحر فيه، مدعيا اني لا اعرف ان الجسد النائم علي الاريكة هو السحر بعينه، هل كنت احبها؟ وهل اجرؤ علي الاعتراف؟ عدت الي الحجرات، كان الجسد النائم قد استيقظ، كان صديقي الحميم يجلس بجانبها يهدهد بعينيه كسلها الرائع عيناه الاسرتان المليئتان بالشغب. انتظراني ساذهب لاستحم، قالت تاركة جسدها لدينا وذهبت.مع صديقي في الشرفة، بانتظارها، سمعنا صوت الماء، ام تراه صوت جسدها،؟ الذي يستحم الماء به؟ خرجت، مبلولة الشعر مجنونته، خفيفة الملابس، ضاحكة، بعيدا عني وقفت امام صديقي، تطلب رايه في فستانها الخفيف، مد صديقي يده تحسس طرف فستانها واطلقه من يده بحركة دائرية قائلا: انها النجوم التي تطير فوق فستانك، وانه الله الذي ينحني امام عبقرية شعرك.ضحكت بصوت عال، غصت انا في قعر الاريكة، لم اجدني، سمعتها تقول فيما يشبه الغيبوبة الصاحية: موجهة كلامها لصديقي: اه لو اعثر علي رجلي هنا لعثرت علي مدينتي الاخيرة، لم يجب صديقي، سمعته يتنهد، سمعتها تنحني باتجاهه وتسقط في عينيه العذبتين، ساد صمت غريب، صمت الصيف اللاهب، صيفهما، غادرت سيدة الكسل الرائع، الي مدينة اخري، لم تجد رجلها هنا، لكنها عاشت في صيف صديقي ليلة كاملة، بحثا عن ماذا؟ لا ادري اتوهمت انها رات اضواء مدينة فهرعت نحوها، واكتشفت بعد احتراق خفيف انها اضواء موكب عربات؟؟، حدث هذا منذ سنوات، البيت العتيق لم يغادر، اسكنته دمي وتنهداتي، اسكنته انا، البيت العتيق هو امرأتي. انا وجدت امرأتي، وجدت مدينتي، وهمي. كل يوم امر عن بيتي العتيق عني، كل يوم ابكي، وابتسم. وسط حيرة اصحابي وحيرتي انا. وحيرة الجيران. وحيرة البيت نفسه. وحيرة الحيرة نفسها.المكان الثالث ـ قتل الاحباءفي ساحة الشهداءهنا كان حسين البرغوثي يمشي ببطء، هنا جلس علي هذا الحجر، هنا نظر الي الشجرة، وهنا قال لي: اقتل احباءك، كان يقصد الكلمات والعبارات العذبة والرائعة حين تتواجد في سياق فني خاطيء غير سياقها، هنا في هذه الساحة التي ما زالت تسكن روحي، امضي حسين عشرين ظهيرة شتوية دافئة، بانتظار اخذ الابر من المشفي القريب، بترا ومهيب وانا، نجلس معه او نمشي، حين تتسلل لحسين رغبات الصمت والهرب والحزن، كنا نهرب بعيدا عنه تاركينه، الي حالاته واسئلته وكائناته، الشجر هناك عال وكثيف واخضر جدا، والعشب طويل، وناعم، نصف الساحة معبد ونصفها غير معبد، لكن حسين كله كان جميلا تلك الظهيرة.الظهيرة الاخيرة، معه، كنا نمشي، معه جيئة وذهابا علي القسم المعبد من الساحة، كان يلبس طاقية صوف وبالطو شتويا طويلا، كان لا يسأم من الحديث في الفن والفلسفة، والادب والحياة، مهيب يتسكع تحت الشجر، بترا تحدق في العشب، انا اسير مع حسين وهو يقول لي: اقتل احباءك، اقتل احباءك، مرة من المرات، عرضت عليه نصا لي، قراه باهتمام كبير، ثم القاه نحوي، وهو يقول، كمية الادعاء في نصك كبيرة، كن عفويا، واترك كائناتك تتحرك كيفما تشاء، لا اطلب منك ان تغيب عن الوعي، كن في البرزخ، بين الصحو والغيبوبة. يصمت واصمت مأخوذا بصدقه، ووفائه للفن، ونمشي، نمشي تحت الشمس الحنون، في الساحة التي سيدفن فيها بعد اشهر قليلة سبعة عشر شهيدا سقطوا في رام الله اثناء الاجتياح الكبير، لم يجد الناس وقتا بسبب منع التجول لدفن الشهداء في المقابر العادية، فدفونهم هنا مؤقتا، لكن المؤقت صار ابديا، وصار الشهداء جيرانا لخطوات حسين التي ما زلت اسمع وقعها الخافت علي القسم المعبد من الساحة، ساحة الشهداء، ساحة خطوات وتحديقات وحالات وصوت صديقي، لا ادري كيف استيقظ علي جسدي احيانا وهو يقف هناك، تحت شجرة، فوق صخرة، علي المساحة المعبدة، عن ماذا ابحث هناك؟فقد مات حسين ولم يعد ياتي الي هنا، لم يعد جسده يحتاج ابرا، عن ماذا ابحث هناك اذن؟لا اجابة، لكن احس بنشوة قاسية تغسلني، كأن ثلجا يصافحني حين المس عشبة، مر فوقها حسين، كأن غيمة تطير من فرع من فروع شجرة مر تحتها حسين، ما زال يسكنني هذا المكان، يسكنني حتي الالم، حتي الحب، حتي حسين.رام الله ـ شتاء 1996ہ كاتب من فلسطين0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية