هيأة طائر
يبدو أن ليلا كرخيا صار يرافقني أينما ذهبت. الجناح على الجناح وشمس الضحى تترفق بالمياه. أدخل مع عبد العزيز مطعما للسمك يقع على رصيف الميناء في طنجة فأجده جالسا في انتظاري. يهمس ذلك الليل في اذني من غير أن يسمعه صديقي ‘ألا تتذكر باعة السمك في الشواكة؟’ كانت الاسماك في العربات لا تزال حية فيما الثلج يصعق أصابعنا. كنا نبكي من أجل تلك الأسماك التي كانت تنظر إلينا بعيون صافية. أفكر بعري مارلين. امرأة ميتة لا يزال العسل يجري في عروقها. ‘هي الأخرى سمكة’ ستقول لي فأجيبك: ‘ولكنها عادت إلى المياه’.
الموت يطبق جناحا على جناح ويتخيل هيأة طائر. عشبة زرقاء تشق قلبي.
للبلد
وللبلد الميت قدمان حين ينوي الهروب. له عينان حين يهوى النعاس. وله كتفان إذ تحط الطيور. له فم بئر. وله فضاء للكسل. ما تسقط من يده من حبة إلا لكي تلتقطها القبرات. لذلك فقد هوت سماء من الوحوش الصغيرة حين هوى. بلد يطلع من الجرة. له ما للثعبان من أثر على الطريق.
للبلد الميت جناحان يظلان يخفقان على قبره مثل رايتين.
ذئاب وشياه
لا تخترع الذئاب شياها لتفترسها. حين تجوع الذئاب تذهب مباشرة إلى أحلام شياه خائفة. يبدو الأمر أشبه بالفضيحة ولكنه كان كذلك دائما. أحيانا تفلت شاة من ذلك العقاب الذاتي حين تقرر أن لا تخضع لأحلامها في النجاة وترود دروب الغابة ببسالة. حينها تفرك الذئاب عيونها غير مصدقة. معجزة من هذا النوع تهب حياة الشاة معنى. وهو المعنى الذي لا يستثني أحدا من نعمته: الذئاب والشياه معا.
في المكان الخطر تطلع أفكار هي الأكثر مدعاة للطمأنينة.
أثر من أصبع
ضربة مستفهمة لا تعني إلا أن صديقا مفقودا يقيم في الهواء من حولك. لا تلتفت بل امض قدما. صدقني أن الخط المستقيم لا يزال أقصر الطرق. إن كنت تخشى شقاء الحقيقة فما عليك سوى أن تستدير راجعا إلى المكان الذي هربت منه. غير أن الندم على لقاء غامض بصديق سيلتهم ساعات أرقك الطويلة. ما عليك سوى أن تلحق بقدميك اللتين صارتا تنبشان التراب بحثا عن زقزقة أطلقها عصفور ميت.
أثر من أصبع على الشفة يكفي لقياس المسافة التي تقود إلى البيت.
مثل ميت
كنتُ أعمى. لا تكفي العصا لارشادي. ظننته نهرا، ذلك الذي يضرب اذني بالفراشات. ظننته حقلا، ذلك الذي يتسلل بتوابله إلى أنفي. ظننته بيتا، ذلك الذي كلما مددت يدي لمست جدارا منه. ظننته غابة وقد اكتسبت عاداته في السعة والغموض. ظننه سريرا فارتميت عليه كما لو أنني لم أنم من قبل، مثل ميت.
الذين يشبهوننا
للذين يشبهوننا بيوت يعودون إليها. هناك قطارات يقفون في انتظارها وحين يصعدون إليها يعرفون متى يهبطون منها. لديهم كتب لا يتركونها في القطارات أو في المحطات بل يحملونها إلى غرف النوم. لديهم وسائد، حين يضعون رؤوسهم عليها يتعرف ريشها على أحلامهم. خطواتهم لا تغير وقعها حين ينتقلون من طريق إلى آخر. في أوقات فراغهم يخرجون للتسوق وهم يتطلعون إلى أوراق صغيرة كتبت عليها لائحة المشتريات. يبتسمون وهم يفكرون بجلسات الغداء قرب المدفأة.
الذين يشبهوننا يمرون بنا من غير أن يلتفتوا إلينا.
البنت الباردة
أمي في الصورة لا تشبهني. هي تشبه اختي أكثر. كما لو أنهما اختان. حين ماتت أختي بقيت أمي وحيدة في الصورة. صارت لا تشبه أحدا. تقول انها لم تعد تنظر إلى المرآة. لا شيء هناك. لا صورتها ولا صورة مَن تشبهها. وحدها تجلس في المطبخ تنظر إلى الأبخرة المتصاعدة من القدور. تقول لي: ‘البخار يجعلني أنسى’ تغطي وجهها بيديها كما لو أنها تبكي. أقف خاشعا غير أن صمتها يقلقني. لو أنها بكت لاطمئنت نفسي. أمد يدي إلى يديها فأجدهما باردتين. تقول لي من وراء يديها: ‘النسيان بارد. أليس كذلك؟’
البنت التي اختفت تنام باردة.
الله وحراسه
الله ينتظر. يقول الحطاب: ‘انتظرَ طويلا أمام الشجرة إلى أن وقعت التفاحة’ تقول الأم الصغيرة وهي تشير إلى مهد طفلها: ‘أنتظرَ هنا إلى أن انشق المهد عن صرخة الطفل ورأيت ابتسامته’. في الصحراء ينتظرنا وحين يرانا مقبلين يشعر بالأسى. ‘لهذا ضاع الارث كله’ يقول ويدخل جنته.
الحراس يقفون في انتظار اله لن يعود إلى بيته.
‘ شاعر عراقي/السويد