لكي لا يفسر الرفض السعودي للتطبيع بأنه مجرد مناورة

حجم الخط
0

عبدالسلام بنعيسى عبرت المملكة العربية السعودية عن رفضها للتطبيع مع إسرائيل في الوقت الراهن، ولقد شدد الأمير تركي الفيصل الذي كان يشغل منصب سفير لبلاده في واشنطن، في خطابه أمام مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، على أن مجرد المضي بأي خطوات في اتجاه التطبيع مع دولة إسرائيل قبل إعادتها الأراضي العربية لأصحابها الشرعيين، زعزعة للقانون الدولي وتجاهل تام لكل القيم الأخلاقية. وحث الأمير إسرائيل على إعادة الأراضي العربية التي احتلت سنة 67 إلى ذويها، بما في ذلك القدس الشرقية، والقبول بقيام الدولة الفلسطينية، وإيجاد الحل العادل للاجئين الفلسطينيين، إذا كانت تل أبيب تريد فعلا الحصول على تطبيع مع العالم العربي.

كلام الأمير تركي الفيصل إيجابي من حيث المبدأ، ولكنه غير كاف لوحده. يتعين أن تصاحبه تدابير من الجانب السعودي لكي يكتسي هذا التصريح فاعليته ومداه. السعودية دولة لها تأثير كبير جدا في محيطها، ليس العربي فقط، وإنما الإسلامي كذلك. إنها تمتلك النفوذ الديني والمالي الضخم، والسيطرة الإعلامية بامبراطوريتها الصحافية الجبارة. إذا كانت الرياض ترفض التطبيع، فإن المفروض أنها لا ترفضه لنفسها، ولكنها ترفضه أيضا لكل الدول التي لها تأثير عليها. السعودية مطالبة بأن تتحرك بدبلوماسيتها، وقوتها المالية والإعلامية لكي تتصدى للتطبيع وتقاومه في عالمنا العربي.

ندرك أن أي دولة من مجمل الدول العربية، إذا كانت لديها الرغبة في التطبيع مع إسرائيل، وتعرضت لضغوط من السعودية لكي توقف عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني، فإن هذه الدولة ستراعي الضغوط السعودية وتنصاع لها. لا نظن أن أي دولة عربية يمكنها أن تتصرف بشكل لا مبال إزاء رفض سعودي حاسم وصارم للتطبيع. كل عواصم عالمنا العربي لا يمكنها إلا أن تأخذ بعين الاعتبار رد الفعل السعودي، عندما يتعلق الأمر بهذه القضية الحساسة. ولذلك فإن على الرياض أن تُحرك وُتنشط دبلوماسيتها للاشتغال بحيوية في هذا الاتجاه، خصوصا إذا استحضرنا أن بعض الدول العربية لا تخفي رغباتها في التطبيع مع الكيان الصهيوني، كل لأسبابه الخاصة على حساب حقوق الشعب الفلسطيني.

رفض التطبيع يتعين أن لا يكون تصرفا سعوديا صرفا، ينبغي أن يتحول إلى قاعدة سياسية تتمسك بها وتتصرف في ضوئها جميع الدول العربية، ينبغي أن يصبح سلوكا عربيا جمعيا. إذا انحصر رفض التطبيع في الدولة السعودية، فإن التطبيع مع باقي الدول العربية قد ينتشر بالتدريج، وإذا انتشر فإنه سينتهي بأن يجعل من الموقف السعودي موقفا مطوقا ومعزولا. عدم التطبيع السعودي قد يصبح بلا مفعول، وقد يتحول إلى عبء كبير على الرياض. عبء يصعب عليها الاستمرار في تحمله لوحدها لمدة طويلة، وقد يتلاشى وينهار.

قرار السعودية رفض التطبيع لا يكفي الإعلان عنه والتذكير به من جانب الرياض، يتوجب أن يصبح قرارا استراتيجيا يتعين العمل من أجل أن يشمل مجالها الحيوي، في العالمين العربي والإسلامي. بقدر ما تكون القاعدة التي ترفض التطبيع واسعة وممتدة على خريطة جغرافية شاسعة، بقدر ما يكون لهذا الرفض للتطبيع القدرة على أن يترسخ ويستمر حيا وقائما وفاعلا. لا نعتقد أن الرياض ترفض التطبيع لكي تسجل نقاطا لفائدة سياستها الخارجية ولكي تتباهى بذلك أمام شعبها والشعوب العربية والإسلامية، إنها ترفض التطبيع لكي تظل إسرائيل، باعتبارها دولة محتلة للأراضي العربية، محاصرة وممنوعة من الاندماج في محيطها إلى أن تقبل صاغرة بقرارات الشرعية الدولية.

إذا رفضت السعودية التطبيع مع إسرائيل، وسمحت أو قبلت به في محيطها الذي لها تأثير قوي ونافذ عليه، فإنها تكون كمن يسكب الماء في الرمال، وقد يفسر موقفها من طرف من يشكَكون في سياساتها، بأن إعلانها رفض التطبيع من جانبها، مع صمتها على ما تقوم به دول عربية أخرى، يفسر بأنه لا يعدو كونه مناورة لكسب رأي عام سعودي رافض بطبعه للتطبيع، في حين أنها تشجع عليه بدليل أنها لا تمانع في القيام به من جانب أشقائها. الذي يرفض التطبيع ويعتبره (زعزعة للقانون الدولي وتجاهلا تاما لكل القيم الأخلاقية) مطالب بمحاربته والتصدي لكل من يسلكه، ويركب موجه.

مع ذلك، لا ننتظر من السعودية الضغط على القاهرة وعمان لسحب سفيريهما من تل أبيب احتجاجا على موت العملية السياسية ونهايتها المفجعة بسبب التعنت الإسرائيلي، ولكن من حقنا أن نطالبها بالتدخل لدى مصر والأردن لكي يشعرا إسرائيل بأن لديهما التزامات تجاه محيطهما العربي، تقتضي منهما التنسيق معه في ما يتعلق بنوعية العلاقة التي يتعين نسجها مع الدولة العبرية في ظل إجهاضها للمسار التفاوضي مع الجانب الفلسطيني. العلاقات الطيبة والخاصة التي لدى الرياض بكل من القاهرة وعمان يفترض أن توظف في إقناع المسؤولين المصريين والأردنيين بوجهة النظر السعودية الرافضة للتطبيع، وحضهم على استحضارها في كل التعاملات التي تجري بينهم وبين قادة إسرائيل. يفترض أن يتم جسر الهوة بين هذه العواصم الثلاث، لجهة الاقتراب من وجهة النظر السعودية في ظل المأزق الذي وصله مسلسل التفاوض بين الكيان الإسرائيلي والعرب.

رفض التطبيع هو الجدار الأخير الذي يتكئ عليه حاليا العالم العربي، انهيار هذا الجدار يعني التسليم الشامل والكلي للإملاءات والشروط الإسرائيلية التي يأتي على رأسها تصفية القضية الفلسطينية، والتفريط بالأراضي العربية المحتلة، والقبول بهيمنة الدولة العبرية على المنطقة، وفقا للأولويات التي وضعها لها العقل الصهيوني، هذا العقل الذي لا يخفي رغبته وعزمه على تجزئة وتفتيت خرائط المنطقة، لكي يتأتى له فرض السيطرة على شعوبها لنهب ثرواتها لعقود من الزمن، بكل أمن واطمئنان. ‘ صحافي وكاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية