لكي تحصل على حقوقك المشروعة.. كن فاسدا

حجم الخط
0

محمد بوعبد الله إذا سألتَ بني جلدتك على امتدادِ خارطة الدول العربية من خليجها إلى محيطها عن سياسيي بلدهِ كيف يُمارسون نهجَ الديموقراطية التي يرفعونها شعارا أيامَ حملاتهم الانتخابية، فسيقولُ أمثلُهم طريقة إن أكثرهم لا يسألون الناس إلمامًا بأحوالِهم كما سألوهم إلحافا أول مرة أن يمنحوهم أصـــواتَهم لِيـــــكونوا لهم نُوابا وعليهم ساسة وحُكاما، فلا ترى لنعمةِ الديمقــــراطية التي يتبجحون بها ويُبشرون أقواما بها أثرا، ولا تكادُ تســـمعُ في أيام حكمهم أو تمثيلهم للشعبِ مما كانوا يقولون مـــن قبــــلُ صدى، ولعلك تنالُ من مكرهم ودهائهم السياسي كثيرَ أذى دون أن يسمعوا لك صوتا، بل قد لا يأذنُونَ لك أن تجهرَ بحاجتك ولا حتى همسا… عندما تنظرُ في أعينِ ساستنا ترى فيهم غطرسة وتَكبُرا إلا من رحم ربي، وإذا رأوك صُدفة كما يرون عامة الناسِ بَدوْتَ في أعينهم صغيرا مُنحطا دنيئا مسكينا، لأنهم هم الأعلون يعيشونَ في بروجٍ مشيدة والموتُ غيرُ مدركهم كما يتوهمون، فسبحان الله كيف كانوا يتوَسلُون الناس ويتسولُون أصواتَهم ليدفعوا بهم إلى سُدة الحكم ومنابرِ تمثيلِهم للذودِ عن مصالحِهم، فإذا بهم يُديرون على حينِ غِرة ظهورَهم لمن كانوا قد حَسِبوهم أصحابَ أمانة وصدقٍ ووفاء، وما نُكرانُهم ذاك لِلجميلِ إلا لِينعموا بوقتِهم الثمينِ، وهو وقتُ الأمة وكنزُها المكنون، في قضاءِ مَصالحهم الشخصيةِ ومآربهم الضيقةِ ظلما وجورا مُهملين مصالح الشعبِ وعامة الناس، فهل جزاءُ الإحسانِ إلا الإحسان.

قد يقولُ قائل: إنك يا هذا تتطلعُ إلى مدينةٍ فاضلةٍ من نسجِ خيالِ فيلسوفِ اليونان أفلاطون، وتسبحُ في بحرِ المثالياتِ الذي لم يَبقَ فيه سوى ملح أجاج قد تبخرت مياهه قبل انقراضِ الديناصورات. وأما جوابُ مِثلِ هذا القولِ فهو لا ريبَ عند الذين أخرجُوا للعالمِ ديموقراطيات من أرحامِ شُعوبِهم (حتى لا نأتي على ذكرِ الخلافةِ الراشدةِ بما نعتقده فيها من رشاد حُكم، وهي اليومَ ليست عيانا للناسِ بمُختلِف مشاربِهم واتجاهاتِهم يَرقُبون أحوالها فيشهدونَ لها بذلك)، فدولُ الغرب على اختلافِ تجاربِ شُعوبِها وتنوعِها لم تستورد الديموقراطية كما فعلَ غيرُهم نصوصًا جامدة ومضامينَ خاوية ليضلِلُوا بها أقوامَهُم أو يحتالوا عليهم، فمن منا لا يتذكر كيف انسحبَ بعضُ وزراء حكومة غوردن براون واحدا تِلو الآخر، حتى بات رأسُ زعيمِ حزبِ العمالِ مطلوبا للاستقالةِ من تسييرِ دفة الحكم في بريطانيا؟

عندما أتحدثُ عن بريطانيا أنموذجا، يحضُرني مثالٌ لم أجدْ لهُ ما يقابلُهُ في عالمنا المتخلفِ ديموقراطيا، فقد رأيتُ مَشدُوهًا ومَشدُودَ النظرِ رَجُلا من ساسةِ القومِ واقفا يُحيط به أناسٌ ممن وَثقوا فيه ومنحوهُ أصواتَهُم، وأدهشني وقوفه وقتا طويلا يستمعُ بإنصاتٍ إلى انشغالاتِ هؤلاءِ يَرُدُ عليها وعليهم ردا جميلا، وخطرَ ببالي كيف يُواجِهُ مسؤولونا بعنجهيةٍ وعُتُوٍ أسئلة الصحافيينَ وهُم يعتلونَ منابرَ تُسقط مفرداتِ التواضعِ من قاموسِ علاقةِ الحاكمِ بالمحكوم، ولكنَّ نائبَ رئيسِ الوزراءِ البريطاني زعيمَ الديموقراطيين الليبراليين يدرك أن مؤيديهِ إنْ هو تواضعَ لهم رفعوهُ وإن استكبرَ عليهم وتكبَّرَ وضعوه وأنزلوهُ منزلة يستحق في أيام معدودات، ولذلك ظلَّ واقفا مسؤولا ولم يَعْتلِ مِنصة شرفٍ وتشريف، فتلكَ مسؤولية تكليفٍ لا يعيها إلا من عاشَ في بيئةٍ من الحكمِ الرشيدِ وشرب من كأس الديموقراطيةِ الحقيقية حتى الثمالةِ من مهدهِ إلى لحدِه، ولم يَنهَلْ من ديموقراطيةٍ زائفةٍ واهيةٍ كأسُها خاوية إلا من فقاعاتٍ تملؤُها شعاراتٌ براقة ليس إلا… هناك في ذلك البلدِ العظـــــيمِ عِظمَ ثقافته وتقاليدِه الديموقراطية العريقة، لا يَصُدُّ المسؤولون الصغارُ أبــــوابَ مكاتبهِم في وجهِ المواطنينَ ذوي الحاجةِ التي اقتضتْها المواطنَة والعَقدُ الاجتماعيُّ الذي تواضعَ النــــاسُ عليهِ واتفقــــوا، ذلكَ أنَّهم لم يتعلمُوا فنَّ الغطرسةِ والتكبرِ والاستعلاءِ من مسؤوليهم الكبارِ ليكونوا من طينتِهم، فالجميع يُدرك أن إدارة الظهرِ حَبْلًها قصير غير مديدٍ وأنه قد يتقــطعُ بهم في أيةِ لحــــظة، ونقولُ استباقا لكلامِ مَنْ يُخالفونَنا رأيا لا يفسدُ للوُدِّ قضية إنَّ الفسادَ موجودٌ في كل مكانٍ طبعا ونحنُ لا نتجاهلُ ذلك لأنَّ البشرَ ليسُوا ملائكة، ولكن شتانَ بين قومٍ يحيطُ بهم هذا المرضُ والسَّقمُ من كل صوبٍ وحدبٍ وقد بلغَ رقابهُم وأعناقهُم، وقومٍ لا يغترفُ حُكامُهُم ونُوابُهم من عُصارةِ الفسادِ إلا كباسطِ كفيهِ إلى الماءِ ليبلغ فاهُ وما هُوَ ببالغِه.

في بعضِ دُولِنا العربية، يعترفُ الناسُ عامتُهم وخاصتُهم أن سبيلك للحصولِ على حقوقِك المشروعةِ التي تضمنُها المواطنة هي أن تكونَ فاسدا وترضى بالفسادِ وترضى عنهُ مِنهاج حياةٍ وسِياسة، وإن ضاقتْ بك هذه السبيلُ وضِقتَ مِنها احترامًا لشخصك أولا وليس أخيرا، فانتظرْ أن تُحْرَمَ حقك وادعُ ربك أن يُيَسِّرَ لك أمرك ويقضي لك حاجَتَك! وهذا الذي يحدثُ في أهلِ تلك البلادِ ما كان ليُصبحَ قاعدة في أذهانِ الناسِ لولا فراغ القانونِ مِنْ روحه يطالُ الضعيفَ من دون القوي، وكذبِ الساسةِ أكثرِهمِ على أقوامِهِم ليلَ نهارٍ بأحجيةِ الديموقراطيةِ التي كانوا أولَ كافرٍ بها، فتلك عُروشُهُم وقبائلُهم لا ولاءَ منهم إلا لَهَا ولِنزواتِهم التي كانت عليهمْ سُلطانا، وأما الوطنُ فعلى عظمتِهِ أصغرُ عندهم من أن ينالَ منهُم حبا وإخلاصا لأبنائِهِ الذين صدَّقَ أكثرُهم كذبهم، فما كان لَهُم أن يحصُدوا إلا فسادا ليسوا فيه أبدا مُخيَّرين، فإما حياة تحتَ وطأتِه وذلِّه وإما الجحيم بعيدا كل البعد عن مزاياه ومفاتنه.’ كاتب صحافي جزائري[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية