اقتحام الجيش الإسرائيلي لمستشفى الشفاء في غرب مدينة غزة تم بعد خمسة أشهر ونصف على بداية الحرب وبعد أربعة أشهر على دخول الجيش الإسرائيلي إليه في المرة الأولى. الطاقم الحربي اللوائي الذي يعمل في مستشفى الشفاء احتاج إلى بضع ساعات لاجتياز القطاع وتطويق المستشفى، ما يعكس مستوى المقاومة القليل الذي يمكن لحماس القيام به في شمال القطاع في هذه المرحلة في الحرب. في الوقت نفسه، يدل اتخاذ قرار العمل في مستشفى الشفاء على أن حماس بعيدة عن الاستسلام، حتى في المناطق التي أعلن الجيش الإسرائيلي منذ فترة طويلة بأنه أنهى فيها تفكيك قدرات حماس العسكرية. عادت حماس للعمل في هذه المناطق، وهذا يحث إسرائيل على القيام باقتحامات أخرى.
الجيش قال الحقيقة في هذا الشأن. ألوية حماس وكتائبها القطرية في شمال القطاع تم تفكيكها، لكن قام بدلاً منها تنظيمات إرهابية صغيرة تستعد لاحتكاك آخر مع الجيش الإسرائيلي. في الوقت نفسه، تنشغل حماس في إعادة سيطرتها على المناطق التي تعرضت فيها لهزيمة عسكرية. في الفترة الأخيرة، دخول شاحنات المساعدات إلى شمال القطاع ترافقه صعوبات أقل. ليس واضحاً من يدير الأمور من خلف الكواليس، لكن ربما تكون حماس نفسها.
في مستشفى الشفاء تم تشخيص عودة حثيثة لنشاطات جهات رفيعة في أجهزة حماس ومكاتبها الحكومية. أحضر بعضهم إلى المستشفى أبناء عائلاتهم على افتراض أن المكان سيكون آمناً لهم. أمس، قتلت القوات الإسرائيلية فائق المبحوح هناك، وهو شخصية رفيعة في جهاز الأمن الداخلي لحماس وشقيق الشخصية القيادية في حماس محمود المبحوح، الذي حسب منشورات أجنبية صفته إسرائيل في 2010.
ووجه الجيش بمقاومة عنيدة نسبياً في منشأة داخل المستشفى. يبدو أن قوة حماية الشخصيات الرفيعة تحاول حمايتهم وإنقاذهم من المبنى. قتل نحو 20 مخرباً في تبادل إطلاق النار مع القوات الإسرائيلية. في غضون ذلك، يقوم الجيش بإخلاء المدنيين من المستشفى عبر نقاط تفتيش، التي اعتقل فيها عشرات الشباب، من بينهم نشطاء من حماس. قتل في هذه المعارك مقاتل في لواء “الناحل” هو الرقيب أول متان فينوغرادوف (20 سنة) من القدس.
قد تستمر العملية في مستشفى الشفاء لبضعة أيام، وهي لا ترتبط بالعملية في رفح التي يلوح بها نتنياهو. تصعب رؤية كيف سيتم تنفيذ عملية اقتحام رفح في الفترة القريبة، لا سيما في رمضان. بلور الجيش الإسرائيلي خططاً لاجتياح رفح وعرضها على المستوى السياسي، لكن لم يتم حتى الآن إعطاء أمر التنفيذ. هذه الأمور تستغرق وقتاً. وإذا قررت الحكومة إخراجها إلى حيز التنفيذ، فسيتم هذا بتجاهل تحفظات الولايات المتحدة. وحتى قبل اتخاذ القرار بشأن رفح، من المرجح اتخاذ قرار بشأن صفقة تبادل المخطوفين.
مفارقة الوقت
بعد تأجيل ليوم واحد، سافرت إلى قطر أمس بعثة برئاسة رئيس الموساد دافيد برنياع لاستئناف المفاوضات حول المخطوفين. حتى اللحظة الأخيرة، لم يتم الإعلان عن نطاق التفويض الذي ينوي نتنياهو إعطاءه للبعثة لإدارة المفاوضات. ليس لحماس ممثلون في المحادثات، وهي تجري بين إسرائيل والوسطاء: الولايات المتحدة وقطر ومصر. قيادة حماس الخارج تعيش في معظمها في الدوحة عاصمة قطر، ولكن الذي يتخذ القرارات في نهاية المطاف هو يحيى السنوار، رئيس حماس في القطاع. واختباء السنوار في القطاع وملاحقته من إسرائيل، يصعبان استمرار الاتصال بينه وبين القيادة في قطر، ما يبطئ وتيرة المفاوضات.
المشاركون في جلسة الكابنيت الأمني، الهيئة الأوسع التي عقدت مساء أول أمس، تولد لديهم انطباع سيئ من الأجواء السائدة هناك، ثم من احتمالية التقدم في المفاوضات. وزيرا اليمين المتطرف، بن غفير وسموتريتش (ليسا عضوين في الجسم المقلص لكابنيت الحرب)، يقودان خطاً صقورياً يرفض تقديم تنازلات إسرائيلية مقابل إطلاق سراح حوالي 40 مخطوفاً في النبضة الأولى.
موقف نتنياهو غير واضح تماماً، وتصعب معرفة مدى تنسيقه مع الجناح اليميني المتطرف. مصادر في المستوى السياسي تعتقد أن ما يحرك رئيس الحكومة هو اعتبار بقائه الشخصي وإمساكه بالسلطة على خلفية استمرار محاكمته الجنائية. لذلك، يحتاج نتنياهو إلى المزيد من الوقت، لذا فإن أي تأخير في المفاوضات غير المباشرة مع حماس يخدم مصلحته، رغم تصريحاته حول التزامه بإنقاذ المخطوفين.
معارضة نتنياهو للصفقة لا تبدو مبدئية أو مطلقة. المشكلة الرئيسية عنده تكمن في الانتقال إلى وقف طويل لإطلاق النار، الذي قد يبشر بنهاية الحرب. خطة الصفقة تتحدث عن شهر ونصف من وقف النار، ويتم خلالها إعادة محرري النبضة الأولى مقابل بضع مئات من السجناء الفلسطينيين، من بينهم عدد من المهمين. حتى إذا انهارت المفاوضات على النبضة الثانية التي يتوقع فيها إطلاق سراح الجنود والرجال الأصغر سناً، فمن المرجح أن تمر بضعة أسابيع حتى استئناف إطلاق النار.
بكلمات أخرى، إذا حدث اتفاق، فسنتجه نحو وقف لإطلاق النار لمدة شهرين على الأقل. مثل هذه العملية لا تخدم نتنياهو؛ لأن الضغط سيزداد حينئذ لحل الكنيست والإعلان عن إجراء انتخابات. أحد مبررات نتنياهو الرئيسية هو أنه ما دامت هناك حرب فلا مكان للانتخابات، التي حسب قوله ستخدم حماس. هذا ما قاله رداً على انتقاد الرئيس الأمريكي جو بايدن، وزعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر. يحاول نتنياهو اجتياز دورة الكنيست الشتوية التي ستنتهي في الشهر القادم بسلام، بصورة تمنع إجراء الانتخابات في الأشهر القريبة القادمة.
عندما تكون هذه هي صورة الوضع، يزداد الإلحاح لاستخدام ضغط الجمهور على الحكومة بالتعاون مع عائلات المخطوفين. النقاشات التي تجري الآن في قطر تتناول نوعاً من مسار لصفقة تبلورت وعرضت في باريس قبل شهر ونصف تقريباً. في غضون ذلك، علمنا من الجيش الإسرائيلي عن موت 35 مخطوفاً من بين الـ 134 المحتجزين لدى حماس في القطاع. في الواقع، قتل بعضهم في 7 أكتوبر وتم اختطاف جثامينهم، لكن هناك آخرين ماتوا في الأسر. لا وقت للمخطوفين لتبديده، وإذا لم ترفع العائلات صوت صراخها بقوة أكبر، ولم ينضم الجمهور إليها، فسنفوت فرصة إنقاذ من بقوا بسلام. الحديث عن 99 مخطوفاً على قيد الحياة حديث مضلل. الجيش الإسرائيلي لا يحدد موت المخطوف إلا بعد يقين مطلق، لذا من المرجح وجود عدد لا بأس به من المخطوفين الأموات لدى حماس دون أن يعلن الجيش عن موتهم رسمياً.
عاموس هرئيل
هآرتس 19/3/2024