إسطنبول- “القدس العربي”:
بينما تتسلط كافة الأضواء والتحضيرات والاستطلاعات نحو الانتخابات الرئاسية التي ستعقد في الرابع عشر من الشهر المقبل، وتوصف بأنها أهم انتخابات في تركيا منذ عقود، تتحضر الأحزاب التركية المختلفة لمعركة أخرى لا تقل أهمية على الإطلاق تتمثل في الانتخابات البرلمانية التي ستجرى بالتزامن مع الرئاسية، وستحدد مصير الأغلبية البرلمانية التي يتمتع بها تحالف أردوغان الحاكم، ومستقبل نظام الحكم في البلاد وشكل الحكم في حالتيْ فوز أو خسارة أردوغان الانتخابات الرئاسية.
ويصوّت الناخبون الأتراك بالتزامن على اختيار رئيس البلاد و600 نائب في البرلمان المقبل. وبينما تنحصر الانتخابات الرئاسية بين 4 مرشحين أبرزهم الرئيس الحالي رجب طيب أردوغان، ومرشح تحالف المعارضة كمال كليتشدار أوغلو، يشارك آلاف المرشحون في الانتخابات البرلمانية سواء بشكل مستقل أو في قوائم التحالفات أو بقوائم حزبية منفصلة، وهو ما يجعل من حسابات الانتخابات البرلمانية أكثر تعقيداً من الرئاسية بكثير.
ويتوجب على الرئيس التركي الذي يسعى لضمان الفوز بالانتخابات الرئاسية الأصعب في تاريخه السياسي، أن يضمن أيضاً تحقيق حزب العدالة والتنمية، وحليفه حزب الحركة القومية، عددا كافيا من المقاعد البرلمانية التي تضمن له أغلبية تتيح الاستمرار في الحكم بأريحية دون السقوط في فخ “الحكم الأعرج”.
وعلى الرغم من أن أردوغان يحكم بموجب النظام الرئاسي الذي انتقلت إليه البلاد عام 2018، ويتمتع فيه الرئيس بصلاحيات واسعة، إلا أنه بحاجة إلى ضمان الأغلية البرلمانية التي تتيح له تمرير القوانين والميزانية وغيرها، وإلا فإن خسارة الأغلبية البرلمانية تعني أنه سيكون رئيسا ضعيفا، وسيحتاج إلى إعادة بلورة التحالفات وطلب الدعم من أحزاب أخرى قد تتحالف من أجل إعاقة عمل حكومته، وشل قدرته على الحكم، وهو ما يمكن أن يجر البلاد على انتخابات جديدة مبكرة.
والنظام الرئاسي يعطي صلاحيات واسعة للرئيس الذي يمكنه تنفيذ العديد من القرارات الكبرى من خلال المراسيم الرئاسية مع عدم العودة إلى البرلمان، إلا أن الكثير من القرارات المصيرية يبقى تمريرها في يد البرلمان، ولا سيما قرار الحرب، وإرسال قوات إلى خارج البلاد، وتمرير الميزانية، والتعديلات الدستورية. وبدونها لا يستطيع الرئيس الحكم، وتنفيذ أجندته السياسية بأريحية.
ومنذ سنوات، فقد حزب العدالة والتنمية الأغلبية البرلمانية بمفرده، وهو ما اضطر أردوغان إلى التحالف مع حزب الحركة القومية الذي أصبح يفرض أجندته في كثير من الأحيان على سياسات الحكومة، ولكن مع تراجع شعبية الحزبين الأساسيين في تحالف الجمهور الحاكم، فإن هناك خشية واسعة من قدرة التحالف على الحفاظ بالأغلبية البرلمانية، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام كثير من السيناريوهات.
ففي حال عدم نجاح أردوغان في الانتخابات الرئاسية، من المتوقع أن يخسر أيضاً الأغلبية البرلمانية، وهو ما يجعل من تحالف المعارضة مسيطراً على السلطتين التنفيذية والتشريعية في ذات الوقت، وهو ما قد يتيح لها تنفيذ وعدها الرئيسي المتعلق بإعادة البلاد إلى النظام البرلماني، وهو الهدف الذي تجمعت حوله 6 أحزاب معارضة شكلت تحالف الأمة الذي توافق على ترشيح كليتشدار أوغلو للرئاسة، وبرنامج سياسي قائم على فكرة إلغاء النظام الرئاسي والعودة إلى البرلماني.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في نجاح أردوغان بالفوز في الانتخابات الرئاسية، ولكن مع فقدان تحالفه الأغلبيةَ البرلمانية، وهو ما سيقوده إلى محاولة الحصول على أغلبية برلمانية من خلال ضم أحزاب أخرى إلى التحالف. وإذا نجح في ذلك، فإنه سيكون عرضة لضغوط ومطالب عدد أكبر من الأحزاب الداعمة له في البرلمان. وفي حال لم ينجح في ذلك، سيكون أمام حكم أعرج يواجه العديد من المعيقات، وهو ما قد يقود البلاد تدريجياً إلى انتخابات جديدة مبكرة لتوحيد رأسي الحكم: السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.
أما السيناريو الثالث المتمثل في الفوز بالانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فيبدو أقل حظاً، لا سيما وأن كافة استطلاعات الرأي تشير إلى أن حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية لن يستطيعا بمفرديهما الحصول على 50 بالمئة من مقاعد البرلمان، لا سيما عقب ظهور العديد من الأحزاب السياسية الصغيرة التي ستشتت مقاعد البرلمان، وتجعلها تتوزع على عدد أكبر بكثير من الأحزاب القديمة والجديدة.
ودخلت الأحزاب السياسية في مباحثات معقدة للوصول إلى تفاهمات وصفقات لضمان الحصول على أكبر عدد من المقاعد في البرلمان المقبل، حيث يخوض حزب الحركة القومية الانتخابات البرلمانية بقوائمه وشعاره الخاص، ولكن ضمن تحالف الجمهور الحاكم. وبنفس الطريقة، يخوض حزب “الجيد” الانتخابات بقوائمه المستقلة، ولكن ضمن تحالف الأمة المعارِض، في حين دخلت الكثير من الأحزاب الصغيرة في قوائم حزبيْ العدالة والتنمية الحاكم، والشعب الجمهوري المعارض.
وتخضع الانتخابات البرلمانية لحسابات معقدة تتعلق بالحاجز الانتخابي وتوزيعة المحافظات التركية الـ81، والدوائر الانتخابية وطريقة حساب الأصوات، والتوزيع على الدوائر والمحافظات وغيرها الكثير من التفاصيل المعقدة، التي تجعل من حسابات الفوز والخسارة في وقت مبكر، معقدة للغاية.