موسي حوامدة
للغيومِ نهارٌ آخرُللخديعةِ طعمُ الأبوةللمشانق حكمةٌ تُخْفيها الرهبة.
آنَ يحملُنا النهرُ إلي أخطائنا الأولي آنَ يجمعنا النهارُ في وجبةٍ سيئةآنَ يحرِقُنا العجزُ في أتون المنفي، كلماتُه ترنُّ في أذن الجبالْ سعالُه يَصدحُ عاليا بياضُ حَطَّته تَهدُّل عِقاله حزامه الجلديُّ العريض ظهره المنحنيجبهتُه الموشومة بتعاريج الصخور بياضُ صَدْرِه سُمْرَةُ وجهه نَقيضان للطبيعة شَبيهان بالوريث.
آنَ تَقهرنا الفكرةْتصنعنا الحسرةْآن تَسْحَرنا الخطيئة.
الآخرونُ لا يقيمون في مآتمنا الآخرون لا يشاركوننا الفضاءالآخرون يتركون لنا جفافَ حقولِنا وحلوقِنايأخذون سِيَرَ الآباء ويبقونَ لنا صحراء الذكريوالندم، آنَ يستوي المَيِّتُ والزهرةُ الذابلة آنَ أتَجرَّعُ وحدي كأس الخذلان آن لي وطنُ الخسارة.
كنا نقيمُ للسنواتِ قصرَها المرمريبقينا ثلاثتنا نحكم الدنيابوظائفنا العمومية برواتبنا الهزيلةبحكمنا الصارم علي قطعان الكلام أحرارٌ يُقيِّمون الكائناتشياطين علي ضفة الجنوح، وحين يبقي أحدُنا مستفردا بالعرشيختفي الأبُ دون إرثٍ عائلي.
بعيونه المشعةِ في الظلامبعيونه المختفية خلف نهر الصور القديمةتلاشي سليلُ النار غطَّت سُخونة العَبَرات ما تبقي من ضياء، حَقُّه أن يموتحقه أن يُودعَ الهضابَ التي مشي عليهاالنجومَ التي حاورها الوجوهَ التي رآها، حقُّه أنْ يفعل ما يشاءينهي حَبكة المسرحيةفي لحظته التي تليق بجبل لا يتبدد، هنا دمعه المتدفقهنا ماؤه العذبهنا جنته الضيقة هناك خلفَ اللاشيء بني للكلماتِ قبرها وللغيابِ وَصيته، أبي الذي كان أبي الذي يكونأبي الذي لم يكن، لستُ شاهداً علي الفتنةكنتُ حطبَها المحترق.
الذي لَمْ يودع النهارحَمَلَ عَتمَته وطارالذي لم يقبضْ الأبيض كَسَرَ الليل شظايا هيأَ مأدبة الضياء ثم أظلمت عيناه! جيشه منتصرقبيلته عائدة من الغزواتحربه رابحةوحدي فُلول المهزومين، جيشُه مندحر قادته جلاوزةمعسكراته فارغةحطامي بين يدي حطامي أمامي، بيديه المرتعشتين ضمَّ جَسَدَ المولود مسَّدَ جَبينَ الغبطةسَرَد للخاسر رأسماله.
أعودُ لمنزله لطيبته السرية لفاكهته البعيدة لغصونِ يَديه وأشجار جلساتِهأقَبِّلُ الحبورَ يرافقُ قطعانَ غزلانه الهاربة أقبِّل الفضاءَ يلف المكانَ بألفته النبيلة.
أعود لكلماته لرنَّة الأسي في صوته لمنازل اختفت مع عشائه الأخير، أعودُ إلي باحة الحوش القديمإلي بهجته الدفينةإلي ذكري صفعاته الأليمة، لنداء الاستغاثة الذي لا يوقفُ هديرَ بَحرِه الفائض، أعود لنَداهُ لحُنوِ روحِه التي لا تَبين لهشاشة أنفاسِه المُعْتَذرةلتفادي العاصفةلاحتدام الوجاهة بالخشية، أعودُ خاسراً مثلَ غيْمَةٍ تلاشتْ في الفراغخاوياً منكَ ومني مليئا بغيري، يا صوتَ الجبال يا صَدي الريف يا حرير الرضاأينَ يَدفعُ البحرُ ماءه؟ أينَ يَكنزُ الغريبُ جثة أبيه؟ كيف يرتقُ المكلومُ شقوقَ كلماته؟ يا غيومَ العمر العابرة ترفقي بالماءاقطعي زَبَدَ السيولرغوةَ المنابذةأصيخي سمعاً لندائه البعيد نداء الغرقي الأخيرأَصيخي سمعاً لثغاء الماعز المذبوح لوصايا الجَسد المُسَجَّي.
عمان في 16و20/10/2003شاعر من الاردن