للعراقيين فقط: بعد ‘أرث الفلوجة’ هل سيكون العراق بلدا من غير شعراء؟

حجم الخط
0

فاروق يوسف

كان هناك ورد جوري وغاردينيا ورازقي في الحدائق المنزلية. كانت هناك نواعير في عانة وراوة وحديثة. كان هناك سمك وبطيخ أحمر وعلويون في سامراء. كان هناك يهود واكراد فيلية ونصارى في الشورجة. كان هناك مشاحيف وجاموس وطيور ماء في الاهوار. كان هناك رز في الديوانية وبرتقال في ديالى وفستق في الموصل. كان موسى كريدي ومحمد شمسي ورعد عبد القادر يجلسون في مقهى البرلمان. كان هناك عشرة دور سينما في شارع الرشيد. كانت هناك ماجينة يا ماجينة وشعر بنات ويا زكريا عالقة بشفاه الأطفال. كان هناك ابو اسماعيل وأبو خليل وأبو حقي يشيع مرآهم الثقة في الصدور. كانت هناك جوبية وأبوذية ومحمداوي تزرق لها العيون بالدمع. كانت هناك ثنائيات مقدسة هي أشبه بقيس وليلى من نوع: بيض وعنبه، لبلبي وحامض، باقلا وبطنج، يفتح الخيال عليها نوافذه ليشم عبير حدائقها. كنا يومها هناك. أدخل إلى نادي المجانين. يقول أحد أولئك المجانين:’لا توجد مدينة في العراق الآن من دون مهرجان ثقافي أو فني’، يمكنني أن أضيف إلى ما قاله ذلك المجنون:’ليس الآن فقط. منذ تسع سنوات ونحن في عرس دائم. عرس الدم، حسب لوركا لا نهاية له. مصباحه على كل كتف وشاته تثغو على كل أفق. نحن نرقص مذبوحين أيها المرتزق. قبل أشهر معدودات كتب الداعية نفسه عن ليل العراق الطويل. أقدر أن يدك التي بسطتها يومها للاستجداء عادت إليك خاوية، أما اليوم فإنك تقبض ثمن التسوية. العراق في عيد. لم يفارقه الهلال. كلما انتهت دبكة ضربت يدان الطبل لننزل إلى المنحدر. أكثر واكثر واكثر. ليس للهاوية من قاع. ما دمتم قد بعتم بلادكم فلا بلاد لكم إلى الأبد. الصيغة المثلى لكم أن تكونوا عبيدا كما رغبتم. التاريخ استحقاق حتى لو كان الزيف هو الحقيقة الوحيدة، كما هو الحال في عالمنا. لكم أن تضعوا على رؤوسكم أكاليل من الشمع، لكم أن تنشدوا لسلحفاة قادمة من الخليج، لكم أن تراهنوا على هياكل عظمية لخيول ظُلمت كثيرا في ساحات السباق. لكم أن تتخثروا فوق سيوف خشبية عافها الممثلون على مسرح هو أشبه بشبه جزيرة قاحلة. يبكون مرة ويضحكون مرات. يضحكون مرة ويبكون مرات. صار العته موهبة والخيانة عبقرية. تخبرني سيدة أنني مولع بالحديث عن الخيانة. ليتني لم أخُلق، لم أكبر، لم أتعلم الكتابة، لم اتغرب، لم أتألم، لم أشعر باليأس، لم أنجب أطفالا، لم أحرق ملايين السجائر، لم أقرأ البيان الشيوعي ولا نهج البلاغة ولا الاشارات الالهية ولا ملحمة جلجامش ولا زمن بروست الضائع، لم أتعرف على أصدقائي لكي أجيئكم عاريا من كل نميمة. لأرضى أن يكون جسدي خارطة للرياء والنفاق والعار والبذاءة والزيف والانحطاط و. . . الخيانة. الكلمة التي لا تحبونها وتتمنون لو أنها أزيلت من المعاجم. لست مغتطبا بالحجر الذي يشق العين ويرجف لهوائه الضمير. يدي لا تمس جمرته وأذني تفز إذ تعبر جنياته. ليتني أملك القدرة على التحكم بماكنة الزمن لكي أمحو تلك اللحظات التي يظهر فيها فقركم الأخلاقي، باعتباره سقف رجائكم الوحيد في الوجود. ليتني أهدم المعبد المكتظ بصلواتكم الزائفة. كنتم تمرون على الخيانة خفافا قبل أن تقع الواقعة. ولكن بعد (أرث الفلوجة) صارت الخفة في حد ذاتها خيانة. مثقفون من طراز خاص. مناضلون في الابجدية الضائعة. كم كان العراق سيىء الحظ. لا حكامه حكام ولا أبناؤه أبناء. ما أتعس الأمهات. ‘ولدوا للموت’ الموت وليس الخيانة. ذات مرة عبرت بي الطائرة الكويتية فوق العراق. على الخارطة الضوئية التي كانت أمامي ظهر اسم الفلوجة فتيبست حواسي. هناك دفنا الزمن العربي كله. دفنا الاندلس وبلاد بني العباس وكتب ابن رشد وعبد الملك بن مروان وموسيقى زرياب وبصريات ابن الهيثم وروايات بن جلون وأشعار السياب ورسوم جواد سليم ومشية يوسف سلمان يوسف إلى المشنقة. ألم تعد الفلوجة موجودة؟ بضربة قدم خرافية سيقع الرقص على زقورة أور التي حطت عليها الطائرات الامريكية، في شارع الموكب الذي صار الجنود البولنديون يبيعون حجارته في أسواق امستردام. في محل للصرافة بالعاصمة الهولندية التقيت قبل سنوات جنديا أمريكيا، سألني بمرح ‘عراقي؟’ لم يكمل. كان يتمنى لو أنه استطاع أن يقتلني، لا لشيء إلا لأنني أنتسب إلى سلالة الارهابيين الذين اقلقوا نوم الاميرة الجاهلية. أما وقد قلت له:’إذهب إلى العراق لكي تُقتل’ فقد سحب نقوده وقال للصراف غاضبا: ‘لا أريد نقودكم’. العراق بلد سيىء الحظ بأبنائه. ليت العراقيات لم يلدن. أولئك الأبناء فقدوا في لحظة طيش حواسهم. تركوا خيالهم في الجانب الآخر من النهر وعبروا النهر بنقاء الطفل الرضيع، ذاكرتهم رمادية وعصى الاعمى منهم لا تلمس الحصى. هواء الغزاة يحملنا يا بلادنا إليك وما نحن إلا هواء. لو أن شكسبير كان حيا لتحقق من أن نبوءته صارت قيد الاستعمال. برغم غبار الدبابات، برغم رائحة الفسفور الأبيض، برغم البرتقال الذي امتزج بطعم البصل، كانت أمامهم فرصة للدخول إلى الحقيبة وقد صارت مفتوحة للغرباء. حضرنا محررين لا محتلين. قالها الجنرال مود قبلهم. ولكن الرجل كان بريطانيا وقد شكره العراق تمثالا لأكثر من عشرين سنة. الأخوة اليساريون وقد عُجنوا بلغة المحتل ذهبوا للقاء امهاتهم محررين. يا لبؤس ذلك اللقاء. كل أم تحلم بأبنها فاتحا لا محررا. بعد حين صار المحررون يتباكون على عراق ضمه الاسلاميون إلى ولاية الفقيه. لقد هددوا بالتظاهر ذات مرة بسبب صدور قوانين تحرم شرب الخمر. تذكروا امرأ القيس ولم يندموا مثله على ملك تم تدميره. لسان حالهم كان يقول: ‘ليس من المعقول أن تمنع الخمرة في بلد ديمقراطي’ من وجهة نظرهم أن البلد كان ديمقراطيا ولا ينقصه سوى الخمر. هل علينا دائما أن نعيد قراءة المشهد؟ ربما نكون قد أخطانا. لا يُعقل أن يكون بلد بأكمله قد تحول إلى ناد للمجانين. كان ذلك الابله الذي اقتبست منه جملة تتحدث عن المهرجانات الثقافية التي تشهدها مدن العراق قد خص مؤسسات فخري كريم (وهو محرر استثنائي) بالمديح، معلنا من طرفه براءته من كل كلمة قالها سابقا عن خراب العراق. بالنسبة للمرتزقة فإن البلد كله صار عبارة عن محميات. إن لم تهتد إلى الطريق التي تؤدي بك إلى واحدة من تلك المحميات فإنك لن ترى بلدا. لم يعد هناك عراق. لا اتحدث هنا عن الوحدة السياسية بل عن الوحدة الثقافية والاجتماعية. أنت في بلد المكونات والمحاصصة والأقليات. بالنسبة للشيوعيين العراقيين صار البلد مثالا للأممية الخامسة، وهي الاممية الدينية. سنكون استثنائيين حتى في خيانتنا. اختفى البلد كله. ولكنه جغرافيا لا يزال على الخرائط. لا يزال العراق عضوا في الجمعية العامة للامم المتحدة وفي الجامعة العربية، بل أنه سيستضيف القمة العربية المقبلة وستكون بغداد العام المقبل عاصمة للثقافة العربية. هنيئا للثقافة العربية بعاصمة محتلة. غبار أحذية الجنود الامريكيين سينبعث من بين سطور قصائد النثر التي سيكتبها شعراؤها. سيسقط مطر السياب على رؤوس المجندات باعتباره حلوى ليلة الزفاف. هذي بلاد جديدة كما لو أنها لم تكن من قبل. بلاد افتراضية يُحتفى بها على الشاشات، لانها كالعنقاء تولد في كل مرة من جديد. ما من محو. المرتزقة يبدلون جلودهم مثل الافاعي. يبكون ويضحكون. ولكن حواسهم ميتة. ما من علامة استفهام. كل هذا الحزن ضروري من أجل أن يكون العراق موجودا. العراق بلد حزين. برقة فراشة تضرب أجنحتهم الورقة ليذوب الكلام وما يتبقى سيكون من حصة الشعر. لا يهم أن يكون شعراء العراق خونة. الشعب هناك يقرأ الشعر في أسوأ الظروف. لقد هلكنا لأننا نقرأ الشعر. ولكن الشعراء في حاجة إلى إلى حواس جديدة؟ أسيكون العراق الجديد بلدا من غير شعراء؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية