ريما شري يبدو أن الغرب، الذي برع في فن إنتاج وتسويق وترويج المصطلحات، قد أعطى شعبه وحكوماته حصانة من تهمة الإرهاب وكل ما يتبعها من أفعال إجرامية، فقد يلحق مرتكب الجرائم البشعة في حق الأبرياء والمدنيين بصفة المختل عقلياً أو أي صفة أخرى لا تمت بالإرهاب بصلة ما دام هذا اللقب توج للمسلمين فقط وأصبح له عوارض فاضحة مثل المذهب ولون البشرة والجهاد ضد الهيمنة الأمريكية والإحتلال.كم من جرائم ارهابية ارتكبتها جماعات عنصرية غربية ومثلت وصمة عار للحضارة الغربية ثم تم تهميشها وبترها من المشهد الإعلامي.ألا يعتبر الأمريكي آدم لانزا الذي اقتحم مدرسة ساندي هوك الابتدائية ليقتل الاطفال العشرين وستة من المدرسين والعاملين في المدرسة في ديسمبر العام الماضي، إرهابياً ؟ ألا يعتبر النروجي أندرس برينج بريفيك الذي اعترف بتنفيذ تفجير هجومي الـ22 من تموز (يوليو) 2011 اللذين اوديا بحياة 77شخصا بوسط العاصمة النرويجية اوسلو، إرهابياً؟ الإجابة لا تحتاج إلى براهين فالعالم كله يشهد ولكن وسائل الإعلام الغربية لا تشهد بل تعبث بالمشاهد، وهو الأمر الأهم. فهي تتفادى هذا التصنيف ما دامت حقوق ملكيته محفوظة للمسلمين الذين يلحقون بهذه الصورة النمطية في الإعلام والسينما والمسرح وحتى الرسومات الكاريكاتورية.لقد إعترف بريفيك نفسه بأنه قام بجريمته وهو في كامل قواه العقلية ورفض تحاليل الأطباء بأنه يشكو من خلل عقلي وأكد أن هجومه يدشن لحرب مسيحية شاملة ضد ‘الهيمنة’ الإسلامية والهجرة المكثفة للمسلمين و’أوهام’ التعددية الثقافية التي يجب أن تدمر. ولم تتداول أي من وسائل الإعلام صفة الإرهاب في تغطيتها لجريمة آدم لانزا الذي وصفها الرئيس الامريكي باراك أوباما بأنها ‘شر عديم الضمير’ وليس إرهاباً ، فالشر هنا لم يصل حدود الإرهاب مع أن جريمته تتطابق مع كل تعريفات الإرهاب وإن كانت تتبلور وتختلف بإختلاف عوامل عدة.إذا كانت وسائل الإعلام تتحاشى هذا الوصف في تغطيتها لهذه الجرائم ، فما هو الإرهاب إذاً وهل له تعريف عالمي واضح ومتفق عليه؟.إن مفهوم الإرهاب في معاجم اللغة العربية القديمة إقتصر على كلمة رَهِبَ بمعنى خاف وخلا من كلمتي (الإرهاب) و(الإرهابي) لتظهر في المعجم الوسيط والمنجد، والتي أصبح الإرهاب فيهما يدل على كل من يسلك سبيل العنف لتحقيق غرض سياسي. ويلاحظ أن القرآن الكريم لم يستعمل مصطلح (الإرهاب) بالمعنى الشائع فى الغرب، وإنما اقتصر على استعمال صيغ مختلفة الاشتقاق من نفس المادة اللغوية، بعضها يدل على الخوف والفزع، والبعض الآخر يدل على الرهبنة والتعبد.أما النمط القانونى لتعريف الإرهاب ، فيعنى عنفًا إجراميًا ينتهك القانون ويستلزم عقاب الدولة.وفي’قاموس أكسفورد كلمة (Terrorist) ‘الإرهابي’ هو الشخص الذي يستعمل العنف المنظم لضمان نهاية سياسية، والاسم (Terrorism) بمعنى ‘الإرهاب’ يُقصد به ‘استخدام العنف والتخويف أو الإرعاب – قتل وتفجير-، وبخاصة في أغراض سياسية’.يلاحظ في التعريفات الغربية تجاهل للمعنى اللغوي الأصلي للكلمة وهو معنى تتفق عليه الكلمتان الإنجليزية والعربية، ويشير أكثرها إلى أن الإرهاب قتل أو تخريب وهو ما يتطابق مع جرائم ارهابية ارتكبتها جماعات غربية عنصرية مثل الإرهاب المدني والإرهاب الإستعماري للقوى العظمى الذي يتمثل عبر الإحتلال والحروب وقتل الأبرياء والتدخل في الشؤون الداخلية للدول المستضعفة بحجة مكافحة الإرهاب ومحاربة الاستبداد والفساد كالتسبب في قتل عشرات الآلاف من الأطفال في العراق والصومال وافغانستان وفلسطين ومذابح دير ياسين وصبرا وشاتيلا وقانا ، والإبادة الكاملة لهيروشيما، وإبادة الهنود الحمر’والقائمة تطول. كل هذه الجرائم وغيرها تتطابق مع كل تعريفات الإرهاب وتمثل أبشع نماذج للإرهاب الأمريكي والصهيوني والأوروبب. ولكن لا تقرأ هذه الجرائم الإرهابية لغير المسلمين على أنها جرائم ارهابية ولا ينعت اصحابها بالإرهابيين لأن مصطلح (الإرهاب) مصطلح غربي المنشأ والتطبيق أيضًا وهو بذلك يمثل تحدياً أكثر من الإرهاب نفسه، حتى بات زعماء العرب والمسلمين يحاربون كل ما هو إرهاب أو إرهابي بالمفهوم ”الغربي” وليس بالمفهوم اللغوي.الإرهاب الحقيقي ليس له أي هوية أو مذهب أو عرق ولا يقاس في الأزمة التاريخية للعلاقات بين الغرب وعالم الإسلام التي بلغت ذروتها بعد أحداث 11 سبتمبر. هو ببساطة أي فعل إجرامي يرتكب بحق المدنيين والأبرياء والمستضعفين ولا يكاد يخلو منه مجتمع من المجتمعات القديمة والمعاصرة أي كان دين مرتكبه وتوجهه. فليحاكم إذاً كل من تطابق جريمته عوارض الارهاب اللغوي لا’السياسي وليستحق لقب الإرهابي بجدارة أي كان دينه وليكف الغرب وإعلامه عن ‘إختراع’ المصطلحات والتحكم في حيثيات استعمالها وتسييسها حتى يصبح للإرهاب تعريف عالمي موحد ومتفق عليه.’ صحافية وكاتبة لبنانيةqmdqpt