للغرب زهوره الميتة ايضا: خبراء الفن كذبتنا التي تسمم مستقبل فنوننا

حجم الخط
0

فاروق يوسف

اينما تولي وجهك تجدهم. ليس من اليسير تحاشيهم. في كل مناسبة فنية عربية هم سادة المكان. في الماضي كانوا لا يظهرون في الواجهة، غير أن هنالك شيئا ما قد حدث في السنوات العشر الأخيرة جعل ظهورهم أمرا طبيعيا، بل ومرحبا به. ناشطون في مجال الفن (الاسم الرسمي لوظيفتهم)، غير أن نشاطهم ينحصر في ادارة المعارض، القاعات، التظاهرات، اللقاءات، المؤتمرات، المزادات. كل ما له علاقة بالفن لابد أن يمر من خلالهم. وهم على قدر هائل من الذكاء في تتبع الخيوط التي تقود إلى المنافذ التي تؤدي مباشرة إلى الجهة القادرة على اتخاذ القرار في المؤسسات الثقافية العربية. وعن طريق شبكة علاقاتهم السرية، استطاعوا عبر عقد من الزمن أن يسدوا بوجودهم ونفوذهم اللافت كل تلك المنافذ أمام الآخر العربي، فنانا كان أم ناقدا أم ناشطا مثلهم، وأن يخضعوا تلك المؤسسات لمشيئتهم وقراراتهم السيادية. يتناسلون ويتسلسلون ويتكاثرون. لا يغيب أحدهم حتى يحضر آخر من الصنف نفسه وبالمواصفات نفسها ليحتل مكانه. وإذا ما كانوا يديرون التظاهرات الفنية العربية بروح متعالية أجازت لهم غلق أبواب تلك التظاهرات أمام الفنان والناقد العربيين، فان واحدا منهم لم يلتفت بعين البحث أو برغبة الاستفهام إلى فناني المنطقة ولو من باب الفضول. هم على حق في ذلك، ما دامت المؤسسة الراعية لشؤونهم لا تولي ذلك الأمر أي اهتمام يُذكر.

الأسماء نفسها تتكرر. حتى في المسابقات الفنية التي صارت بعض الفنادق الكبرى تقيمها فان لجان التحكيم تتكون منهم. يعرف بعضهم البعض الآخر ويزكيه ويذكر به، كما لو أنهم اعضاء في عصبة، سبق لإفرادها أن أقسموا على الوفاء والولاء. بين حين وآخر يظهر اسم عربي بين تلك الاسماء، وحين تبحث في الأسباب تجد أن حامل ذلك الاسم هو الآخر ابن للمؤسسة الغربية، وما من شيء لديه ليعطيه. حتى اطروحته التي نال بسببها شهادته العليا لا يجرؤ على ترجمتها إلى العربية، لإنها كانت موجهة لمعلمين لا يعرفون عن الفن العربي المعاصر شيئا. هذا أولا وثانيا لأنها (أي الاطروحة) لا تكشف عن أي جهد نقدي شخصي، بل هي عبارة عن سطو على كتابات النقاد العرب، من غير الاشارة إليهم. وحتى لو حضرت تلك الاشارة فانها لا تقول الحقيقة كلها، بل تأتي مبتسرة، باعتبارها جزءا من العمل الاكاديمي.

عرب ولكنهم من الجانب الآخر. وجودهم في تلك العصبة ضروري، لأنه يشير إلى توازن مخادع. بالنسبة للمؤسسة الفنية العربية فإن صفة ناشط ليست كافية لكي يمتلىء بها الفراغ، لذلك فقد دأبت تلك المؤسسة على استعمال صفة خبير، من باب التفاخر. الناشطون العاطلون عن العمل في بلدانهم، الاميون في الفن، صاروا خبراء. بأي شيء هم خبراء؟ بالفن طبعا. ولكن أي فن؟ لقد شهدت السنوات العشر الأخيرة تصاعدا محموما في وتيرة النشاط (الفني) في عدد من مدن الخليج العربي. كان اولئك الخبراء عرابيه وممنهجي سياساته والمتحكمين باتجاهاته. جدلا أتساءل الآن عن أثر ذلك النشاط الذي صرفت من أجله ملايين الدولارات في الواقع التشكيلي العربي. لا شيء. لقد حرص اولئك الخبراء على استقبال فنانين وتجارب من مختلف العالم (بعد حذف العالم العربي من الخارطة)، ومر أولئك الفنانون مرور الكرام، وكانت تجاربهم الفنية كالزبد الذي لا ينفع الناس. أين يقع الخطأ؟

لا أجازف إذ أقول ان كذبة الخبير الغربي يمكنها أن تفتح أبواب الكذب كله وهي كلمة السر. فلا الفنانون المستضافون كانوا حقيقيين، إلا في ما ندر، ولا تجاربهم كانت أصيلة. غير أن اللافت في كل تلك الاستعراضات البلهاء أن الفن العربي كان دائما مستبعَدا. عشر سنوات مرت من غير أن نشهد تكريما لفنان عربي واحد، ولم نر على الاقل احتفاء مميزا بتجربة أي فنان عربي (لكي لا نتعسف حدث ذلك مرة أو مرتين، ولكن بعيدا عن سلطة أولئك الخبراء). بالنسبة للخبراء المزعومين فان تلك الارض ليست سوى صحراء، وهنالك أموال فائضة ينبغي أن تذهب إلى جيوب أفراد العصبة المتخيلة. هم خبراء في اقتناص الفرص ولا خبرة لهم في الفن حتما. فعلى سبيل المثال فان كاترين ديفيد، اليهودية الفرنسية، كانت قد نظمت معرضا للفن العراقي في برلين قبل سنوات. كان ذلك المعرض تأويلا لبلد ينبغي احتلاله من أجل عصرنته، وكانت قد وضعت امارة ابو ظبي على خارطة بينالي فينسيا باعتبارها مكانا سياحيا (وهو أمر بدا غريبا ومستهجنا في لقاء دولي للفنون تغلب عليه سمة التمرد الفني) تظهر ديفيد اليوم في بيروت في صفتها منظمة لمعرض الفنان الاماراتي حسن شريف. هل كان حسن شريف يحتاج إلى مَن ينظم له معرضا في بيروت؟ يكفيه أن يتصل بأي قاعة لتحتفي به، وهو الاسم الفني المبرز في الامارات. أعتقد أن سم الافعى ينتقل من المؤسسات إلى الأفراد. الخبراء الوهميون يعرفون من أين يجنون الأموال.

ربما توهم حسن شريف ان كاترين ديفيد هي خير مَن يقدمه إلى المتلقي العربي في بيروت. (ناقدة) فرنسية تتبناه. ولكن تجربة هذا الفنان تستحق أفضل من ذلك. ف(ديفيد) تحتقر الفن العربي المعاصر ولا ترى العرب إلا باعتبارهم كائنات فلكلورية. الدليل على ذلك نجده واضحا في معارضها عن تونس ولبنان والعراق. إنها امرأة تبحث عن المنح المالية وفي الوقت نفسه لديها فكرة عن بلاد نائمة، ليس في إمكانها سوى أن تكون ذكرى. مع معرض حسن شريف البيروتي شعرت أن الكذبة صارت واقعا.

تمدد الخبراء حتى وصلوا بيروت. صحيح أنهم وصلوها بأموال خليجية، ولكن المؤلم أن تكون بيروت قد مثلت دور مَن صدق تلك الكذبة. ولكن الأشد الما أن يكون حسن شريف وهو فنان حقيقي موضوع تلك الكذبة. كم نسيء إلى أنفسنا ونحن نلجأ إلى اولئك الناشطين لكي يكتبوا شهادة في حقنا. كان من الممكن أن يكون لقاء حسن شريف بالجمهور البيروتي أقوى، أكثر تأثيرا، لو حضر شريف باعتباره فنانا عربيا خالصا. ولأن فن شريف ليس غريبا على بيروت، فان كتابات نقاد الفن اللبنانيين كان كافية لحث الجمهور لزيارة المعرض. ماذا يريد الفنان أكثر من ذلك؟

في كل الأحوال فإن كاترين ديفيد لن تكون نافعة، بل كانت هي المستفيدة دائما.

أعرف أن كلامي لن يغير من الأمر شيئا. أتوهم ان هناك جهات نافذة، من مصلحتها أن تبقى الأمور على ما هي عليه. ننفق أموالا باسم الفن بما لا ينفع الفن والفنانين في المنطقة. مسحورين بالاستعراض يحضر الفنانون عروض بينالي الشارقة وآرت دبي وآرت أبو ظبي من غير أن يكونوا جزءا منه، ومن غير أن يبقى في خيالهم شيء منه. أقصد فناني الخليج، ولا أحد سواهم. ففي هذه التظاهرات تحرص شركات الدعاية المكلفة بالتغطية على دعوة الصحافيين وحدهم. صار الخبراء قدرنا إذن.

بالنسبة لي فان ذلك القدر يمكن مقاومته بالحقائق التاريخية. لا يزال في إمكان مدن مثل الشارقة أو دبي أو أبو ظبي أن تدعي العروبة حتى اللحظة. لذلك يبدو الانحياز إلى فنون آسيا غريبا في ظل التغاضي المقصود عن فنون البلدان العربية. هل صارت جاكارتكا أقرب إلى أبو ظبي من دمشق؟ حتى الجغرافيا تضحك.

ولكن الخبراء الزائفون يضحكون أيضا. منذ البداية وهم يضحكون. لقد صاروا خبراء بعد أن كانوا مجرد ناشطين. تصدوا للفن العربي من خلال إنكاره، ماضيا وحاضرا، ونجحوا في تقييد حركته. أجبروا الأموال الفائضة على أن تجري في الممرات التي اخترعوها بأنفسهم. كان ذلك نجاحا مدويا. لقد هُزمنا.

ولكن هل علينا أن نصدق أن الكذبة انتصرت أخيرا؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية