لماذا أصبحت ايران قوة اقليمية؟

حجم الخط
0

محمد ابو رمان

يري باري روبن، الخبير الاسرائيلي، في مقاله ايران: صعود قوة اقليمية، في مجلة ميريا الاسرائيلية، أن ايران أكثر قوة من أي وقت مضي في العصر الحديث، وأنها أصبحت بالفعل قوة اقليمية، ذات نفوذ فاعل ومؤثر في المنطقة. ويصل روبن الي القول أن صعود القوة النووية الايرانية بمثابة الموقف الأخطر الذي سيواجهه العالم في السنوات القادمة.

في صلب الجدل السياسي والفكري، حول الصعود الاقليمي الايراني، ثمة سؤال مثير للاهتمام والتحليل: كيف تحولت ايران، في غضون سنوات قليلة، من دولة تعاني أزمات خطيرة تعصف بشرعية النظام السياسي بأسره الي دولة تمتلك قوة اقليمية كبيرة تكاد تصل الي مربع النادي النووي العالمي الذي يضعها في خانة القوي العالمية ويفتح لها باب الصفقات والمساومات المحترمة؟ ماذا حدث كي تتحول ايران من نظام كان المحللون الامريكيون ينتظرون سقوطه من الداخل في أي لحظة الي قوة اقليمية يحسب لها ألف حساب؟ سببان رئيسان يقفان وراء القفزة الايرانية الكبري الحالية؛ شخصية الرئيس محمود أحمدي نجاد وسياساته الجديدة، والمتغيرات الدولية والاقليمية في السنوات الأخيرة، بالتحديد بعد أحداث 11 ايلول (سبتمبر). استلم نجاد، الزعيم المحافظ المتشدد، الحكم بعد ثماني سنوات من ولاية خاتمي وسيطرة الاصلاحيين علي مراكز حساسة ومهمة في الدولة وتحكمهم في المجتمع المدني. وعلي الرغم من محاولات الانفتاح والاصلاح والتخفيف من قبضة رجال الدين والتقارب مع الغرب ومع الجوار العربي والعمل علي لبرلة الاقتصاد الا أن البرسترويكا الخاتمية وصلت الي طريق مسدود، وخيبت آمال الجماهير التي ناصرتها، بخاصة الشباب والنساء والعلمانيين. ولم تتحسن ظروف ايران في عهدة الاصلاحيين، بل ازداد الوضع الاقتصادي والثقافي والسياسي سوءاً.

يقال الكثير عن فشل الخاتمية؛ في مقدمة ذلك الاستقطاب الحاد بين المحافظين والاصلاحيين ما جعل ايران في حالة صراع مستمر استنزف الجميع وأرهق الاصلاحيين في اشتباكات يومية علي قضايا جزئية، كما جهد المحافظون علي محاصرة خاتمي والحيلولة دون تمكينه من تنفيذ وعوده وأهدافه بممارسة الاعتقال بحق مؤيديه وأنصاره وبالتضييق عليهم في الحياة السياسية وفي الاعلام والثقافة، من خلال ثلاث مؤسسات تمسك بها المحافظون ووظفوها ضد الاصلاحيين وهي المؤسسة الدينية والمؤسسة الأمنية والقضاء. ناهيك عن الحملة الاعلامية المستمرة لتشويه صورة خاتمي والاصلاحيين واتهامهم بالعمالة للولايات المتحدة والغرب.

يضيف كثير من المحللين سبباً آخر لفشل الخاتمية يتمثل بضعف خاتمي وتقاعسه عن خوض مواجهة حقيقية مع المحافظين والوقوف في وجه الحرب التي كانت تقام عليه، ما أضعف موقفه وتياره، الذي انقسم علي نفسه وأخذته الخلافات والنزاعات.

يقف الموقف الامريكي والغربي الي جانب العوامل الداخلية في سقوط الخاتمية. اذ أصرت الادارة الامريكية علي اعتبار ايران دولة راعية للارهاب ومحوراً من دول الشر وممارسة الضغوط عليها والعمل علي حرمانها من الطاقة النووية، وعدم الالتفات اليها كدولة اقليمية محورية. بالتأكيد لم تكن رؤية خاتمي المعتدلة ومرافعته عن حوار الحضارات والانفتاح علي الغرب مقنعة للرأي العام والنخب الايرانية أمام تلك السياسة الامريكية. اذن؛ سلم خاتمي ايران الي نجاد وهي دولة متخلخلة سياسيا، أوضاعها الاقتصادية في غاية السوء من ارتفاع نسبة البطالة ومعدلات التضخم والفقر والاعتماد بدرجة رئيسة تصل الي 80% علي عائدات النفط، والعجز عن بناء أسس لاقتصاد حديث، والأهم من ذلك أنها كانت تعاني بالفعل من أزمة هوية خانقة؛ فبعد مرور قرابة ربع قرن علي الثورة الاسلامية كانت الأسئلة تطرح بقوة، ليس فقط من العلمانيين والغرب، بل حتي من أصوات دينية داخل قم، حول مشروعية النظام السياسي ومبدأ ولاية الفقيه وجدوي الدولة الدينية في عصر العولمة والانفتاح والتطور، وثمة تقارير اعلامية هائلة تشير الي طغيان النزعة التغريبية لدي الجيل الجديد من الشباب الايراني، الذي يتوق الي ثقافة العولمة والليبرالية بعيداً عن القيود الصارمة التي تضعها قوانين الثورة عليهم.

عندما استلم نجاد الحكم 2005 قلب المعادلات والحسابات الايرانية داخلياً وخارجياً رأساً علي عقب. حجر الرحي في قفزة نجاد كان البرنامج النووي، حيث أعاد تشغيله وألغي الضمانات والاتفاقيات التي كان خاتمي قد نفذها مع المؤسسات الدولية، بخاصة مشروع انتاج الوقود النووي، واعتمد نجاد لغة ثورية مع الغرب واسرائيل، متعمداً ذلك، لشحذ الرأي العام، وتوحيده وراء الطموح الايراني في امتلاك السلاح النووي، الذي لا خلاف عليه داخلياً، فخلق بذلك مركز اجماع جديدا ودفع تركيز الايرانيين الي المعركة مع الولايات المتحدة واسرائيل علي قضية البرنامج النووي، فتراجع سؤال الاصلاحات السياسية والاقتصادية الي مراتب متأخرة في سياق معركة البرنامج النووي. التعبئة العامة، علي قصة البرنامج النووي، استثمرها نجاد باعادة تجديد أفكار الثورة وأهدافها لدي الرأي العام وبالتحديد فئة الشباب، والهجوم علي الاصلاحيين وأفكارهم واتهامهم بالعمالة الفكرية للغرب، والعمل علي تصفيتهم ومناهجهم من الجامعات الايرانية في سياق بيئة نفسية وسياسية مواتية تماماً. ما ساعد نجاد علي مهمته شخصيته المختلفة عن رجال الملالي، الذين يتهمهم الرأي العام الايراني بالفساد المالي وتوظيف الدين لمصالح شخصية. فنجاد يرتدي ملابس مدنية ولا يعتمر العمامة، ويظهر سجله المالي، بعد سنوات من رئاسة بلدية طهران، وشهور من حكم دولة تتمتع بأعلي مستويات من احتياطي النفط أنه لا يمتلك سوي منزل متواضع (مساحته 170م) في حي شعبي، وسيارة بيجو (موديل 79) ورصيد شبه خال في البنك! فهو ابن الطبقة الفقيرة بامتياز، ما يجعله محل دعمها وتأييدها، ويحظي بمصداقية عالية لديها.

اذا كانت محاولات خاتمي واصراره علي استرضاء الولايات المتحدة وتطمين الغرب لم تجد نفعاً، فان اختيار نجاد الاستراتيجي يقف علي الطرف المقابل تماماً. فمنذ بداية تسلمه الحكم تشبث نجاد بالبرنامج النووي وبحق ايران بامتلاكه وبأن تكون قوة اقليمية.

كما ساعدت الولايات المتحدة بحربيها الأخيرتين، علي أفغانستان والعراق، ايران وفتحت باباً واسعاً لنفوذها الاقليمي، اذ تخلصت ايران من ازعاج القاعدة وطالبان علي حدودها الغربية، ومن نظام صدام الذي شكل دوما سدا منيعا لها علي حدودها الشرقية. كما أطلقت الحرب العراقية الأقليات الشيعية في المنطقة، ومكنت الولايات المتحدة حلفاءَ ايران، من قوي شيعية، من الامساك بمقاليد السلطة في العراق، ما حقق نفوذاً هائلاً لايران سمح لها، أيضاً، بالاشراف علي الأقليات الشيعية في الخليج.

لم يكتف نجاد بورقة العراق الذهبية، بل سعي الي تعزيز التحالف مع سورية وتوثيقه الي درجة كبيرة، والتعهد بالوقوف الي جانبها في وجه أي عدوان تتعرض له. وثمة تقارير عن تعاون وتنسيق مكثف بين الدولتين في المجالات كافة.

وما يجعل من الصعوبة بمكان تصور قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري حاسم ضد ايران أن الجيش الامريكي يعاني من الارهاق والاستنزاف في كل من العراق وأفغانستان حيث يوجد مئات الآلاف من الجنود الامريكيين، ولا يتوقع أن تخاطر الادارة الامريكية بارسال جنود آخرين والتورط بمواجهة عسكرية أخري.

يري باري روبن أن أحد أبرز مكامن القوة الاقليمية الايرانية اليوم يتمثل بوضع النظام العربي الذي وصل الي درجة كبيرة من الضعف والتفكك، بسبب النقص في مصادر الشرعية والفساد والفشل في التعامل مع التحديات المختلفة داخلياً وخارجيا، ما خلق فجوة واضحة بين الشارع والنظام الرسمي في مختلف الدول العربية.

فوجود تحديات اقليمية كبيرة: برنامج ايــــران النـــــووي، الحالة العراقية واللبنانية، تدهور الوضع الفلسطيني، مع عجـــز واضح من النظام العربي في التعامل معها، بلا شك يخلق فراغاً استراتيجياً في المنطقة تسارع كل من ايران والولايات المتحدة الي ملئه، وستكون هنالك قوي رئيسة تنحاز الي ايران، علي حساب الولايات المتحدة واسرائيل وأصدقائهما من العرب، لأسباب دينية وأيديولوجية.

في هذا السياق فان أطروحة التحالف السني العربي مع الولايات المتحدة واسرائيل لمواجهة النفوذ الايراني، التي تحدث عنها بوضوح مؤخراً الخبير الصهيوني، مارتن أنديك، لن تنجح، في رأي النظام العربي، وستشكل مصدر تهديد لاستقرار حلفاء وأصدقاء امريكا في المنطقة اذا لم تحل القضية الفلسطينية، ولم تنته معاناة الفلسطينيين التي تشكل، دوماً مصدر عدم استقرار في المنطقة.

سعي النظام الرسمي العربي، وبالتحديد ما أصبح يطلق عليه معسكر الاعتدال، الي مقايضة القضية الفلسطينية بالتحالف الاقليمي ضد النفوذ الايراني لا يبدو ناجحا في سياق تعثر الحالة الداخلية الفلسطينية، وعدم استعداد اسرائيل لتقديم تنازلات مؤلمة، وقد تكون محصلة الضغط العربي علي عباس لحسم الموقف مع حماس انهيار الحالة الأمنية في الداخل، ما يفاقم المشكلات الاقليمية ولا يحلها، بخاصة أن الحسم الأمني غير ممكن في ظل حالة الاستقطاب الاجتماعي-السياسي الحادة في المجتمع الفلسطيني.

يري كثير من المراقبين أن أحد المحددات الرئيسة للنفوذ الايراني يتمثل بالانقسام الطائفي في المنطقة بين السنة والشيعة؛ لكن في المقابل يري آخرون أن الحرب الأخيرة علي لبنان خففت كثيراً من سطوة الخلاف الطائفي، وتمكن خطاب نصر الله المدروس بعناية من صرف الانتباه عن هوية الحزب الطائفية والتركيز علي القضية القومية والدينية. بل ان ردود الفعل في الشارع العربي تظهر بوضوح أن النخب السياسية والفكرية والأغلبية العظمي من الشارع العربي علي استعداد كبير لتجاوز النزعة الطائفية في سبيل المواجهة مع الولايات المتحدة واسرائيل، ما يمثل عامل احراج واضعاف للنظام العربي، الذي وضع كل ثقله في التحالف مع الولايات المتحدة.

ايران باتت، بالفعل، قوة اقليمية، وستكون مع امتلاك السلاح النووي، ذات شأن أكبر في المنطقة، وستتزايد الضغوط الغربية والامريكية بهدف تحويلها من دولة معادية الي صديقة، كما اقترح كيسنجر سابقاً، أما سيناريو المواجهة فستكون كلفته عالية علي المنطقة، في حين لا يزال هنالك تجاذب بين القوي الكبري حول العقوبات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية