لندن – “القدس العربي”:رغم أننا ما زلنا في بداية شهر أعياد الميلاد، إلا أن المؤشرات تُظهر أن بلاد الضباب ستكون على موعد مع حدث لم يعهده مواليد التسعينات، أن يفوز العريق ليفربول بالدوري الإنكليزي الممتاز للمرة الأولى منذ 1990، في ظل حالة النشوة المدعومة بقليل من الحظ وكثير من الثقة والجرأة لدى اللاعبين منذ معانقة كأس دوري أبطال أوروبا للمرة السادسة، مقابل ذلك، وقبل هذا وذاك، إفراط المنافس الحقيقي مانشستر سيتي في هداياه، والتي كان آخرها التنازل عن نقطتين أمام نيوكاسل، ليتسع الفارق بينهما لـ11 نقطة قبل دربي مانشستر وانتهاء الجولة السادسة عشرة.
أين السحر السماوي؟
لا خلاف أبدا على أن بيب نجح وباقتدار في إعادة “السكاي بلوز” إلى قمة هرم النجاح في الكرة الإنكليزية، بالسيطرة على جُل الألقاب المحلية في آخر موسمين، منها الاحتفاظ بلقبي البريميرليغ وكأس المحترفين موسمين متتاليين بالإضافة لكأس الاتحاد الموسم الماضي، الذي احتكر فيه كل البطولات الجماعية في بلاد مهد كرة القدم. وبطبيعة الحال، لم يفعل هذا الإنجاز من فراغ، بل بمنظومة شبه مثالية في الخطوط الثلاثة، خاصة في الخط الخلفي، الذي أنفق عليه أكثر من 150 مليون جنيه إسترليني في صيف 2017، لإعادة هيكلته من جديد، بعد التخلص من عواجيز الجيل المؤسس لنهضة مانشستر سيتي الحديثة، وظهرت سريعا بصمة إيميريك لابورت وكايل ووكر وبدرجة أقل بنجامين ميندي، لإصابته في وقت مبكر، ودانيلو، من خلال الصلابة الدفاعية، التي افتقدها في موسمه الأول في وجود أسماء من نوعية إلياكيم مانغالا وبابلو زاباليتا وبكاري سانيا وغايل كليتشي، بالإضافة إلى ذلك، تخلص من صداع ضعف مركز حراسة المرمى، بالاستعانة بالبرازيلي إيدرسون بدلاً من الكارثي كلاوديو برافو، وهذا بالكاد ما كان ينقص كيفن دي بروين وسيرخيو أغويرو ورحيم ستيرلينغ ودافيد سيلفا وباقي العصابة، لتحكم سيطرتها على منصات التتويج في إنكلترا. لكن هذا الموسم، فمن الواضح حتى الآن أنه قريب الشبه بموسم غوارديولا الأول في ملعب “الاتحاد”، كيف لا؟ وهو يعاني من نفس الصداع الذي تسبب في خروجه من الموسم خالي الوفاض للمرة الأولى في مسيرته التدريبة، وتكمن في غياب حلقة الوصل بين الدفاع والوسط.
في موسمه الأول، لم يكن الهجوم أكبر همه حتى قبل قدوم برناردو سيلفا ورياض محرز، فقط كانت مشكلته الرئيسية هشاشة الدفاع وكثرة الأخطاء الفردية الساذجة وصعوبة الخروج من جُل المباريات بشباك نظيفة، وهو ما يعاني منه الآن. فعلى الورق، يعتبر خط هجوم مانشستر سيتي الأقوى في الدوريات الأوروبية الكبرى، بغلة تهديفية وصلت لنحو 43 هدفا، قبل دربي مانشستر، مقابل ذلك، لم يحافظ الفريق على نظافة شباكه سوى 5 مرات في أول 15 جولة، وهذا يعكس الخلل الواضح في المنظومة، والذي ساهم بطريقة أو بأخرى في تقهقر الفريق إلى المركز الثالث، متأخرا عن محمد صلاح ورفاقه بـ11 نقطة. وبالنظر إلى أصل المشكلة، فهي في الأساس النقص العددي الحاد في مركز قلب الدفاع على وجه الخصوص، بعد فاجعة فقدان لابورت أكثر من ستة شهور بداعي الإصابة القاسية التي ألمت به في أغسطس/آب، وعلى إثرها سيمتد غيابه لما يقرب من ثلاثة شهور قادمة وربما أكثر. ومن سوء طالع بيب، أنه في بعض الأوقات افتقد جهود جون ستونز ونيكولاس أوتامندي بداعي الإصابة، لكن المسؤولية منذ البداية تقع على عاتق المدرب، لعناده على نفسه وفريقه بعد رحيل القائد فينسنت كومباني، بعدم ضم ولو بديل للطوارئ. كانت مغامرة من الفيلسوف بالاكتفاء بمدافعين اثنين، لأن الثالث، أوتامندي، لا يعتمد عليه بعد فشله في تقديم شهادة أحقيته كمدافع يستحق اللعب في تشكيلة السيتيزينز الأساسية، وفي النهاية، حدث أسوأ سيناريو كان يتخيله، بتعرض مدافعه الأول لإصابة طويلة الأجل، وسبقه حلال العقد ليروي ساني بإصابة مماثلة يعاني منها حتى هذه اللحظة، ونتذكر كيف كان يتفنن بيب في استخدام الشاب الألماني كورقة رابحة بديلة في الشوط الثاني، لكنه حُرم من هذا الخيار منذ بداية الموسم، وما زادت الطين بلة الانتكاسة الأخيرة التي أتت لهداف النادي التاريخي أغويرو، وكأن كل الظروف تسير عكس رغبة المدرب الكتالوني، بما في ذلك عامل التوفيق الذي يفتح ذراعيه لليفربول بطريقة تدعو للدهشة والاستغراب، كما هزم ليستر وأستون فيلا في اللحظات الأخيرة من الوقت المحتسب بدل الضائع، ومثل هذه الانتصارات، أثرت بشكل سلبي على معنويات لاعبي السيتي جنبا إلى جنب مع المشاكل الفنية والهبوط الحاد في مستوى كثير من اللاعبين وتذبذب مستوى البعض من مباراة لأخرى، وأيضا معضلة الإصابات المتكررة وانخفاض الرغبة والحماس بعد تشبع اللاعبين بالبطولات، كل هذا أدى في النهاية لظهور السيتي بنسخة لا تقارن بآخر موسمين، لا على مستوى النتائج ولا جودة الأداء ولا حتى الصورة المخيفة التي رسمها لنفسه، كفريق غير قابل للسيطرة عليه أو امتلاك الكرة أكثر منه على مدار 90 دقيقة.
سوبر فرانك كشف المستور
أثبت فرانك لامبارد أن ترويض مانشستر سيتي في عقر داره ليس بالأمر المستحيل، والدليل على ذلك أن نسبة استحواذ البلوز في مباراة الهزيمة 2-1 وصلت لـ74%، وهو أمر لم يفعله أي مدرب آخر منذ وصول بيب إلى مانشستر، وأيضا يعكس لنا الفرق بين إستراتيجية وجودة الأداء هذا الموسم مقارنة بالوضع في الموسمين الماضيين، حيث كان السيتي أشبه بالفرقة الموسيقية، التي يقودها مايسترو من على الخطوط، باللعب بأسلوب واحد لا يغيره سواء على ملعبه أو خارجه، إلا أن لعنة الإصابات التي طاردت الكثير من اللاعبين المؤثرين في التشكيلة الأساسية، أجبرت بيب على تغيير أسلوبه والدفع بلاعبين في مراكز غير مراكزهم الأساسية، ويظهر ذلك بوضوح في المباريات التي يضطر خلالها للعب بطريقة متوازنة بين الدفاع والهجوم للحفاظ على تقدمه مثل باقي الأندية، ونعرف جميعا أن غوارديولا قلما يُفكر في النقاط الثلاث على حساب الأداء، عادة يبحث عن الاثنين، لكنه أجبر وما زال يُجبر على ذلك، لضعف الإمكانيات المتاحة لديه في الخط الخلفي، ومعاناته لتثبيت أربعة مدافعين في الخط الخلفي لأربع أو خمس مباريات على التوالي، والحل؟ إنهاء هذا الصداع بالتعاقد مع قلب دفاع على نفس مستوى ستونز ولابورت مع فتح نافذة انتقالات اللاعبين الشتوية، لكن قبل فتح ملف المدافع الجديد، يحتاج السيتي للخروج بأقل الخسائر من شهر أعياد الميلاد، على الأقل يتفادى ضياع أي نقطة حتى بداية العام الجديد، ويا حبذا لو تعثر الريدز في مباراة أو اثنين، مع حدوث ذلك، قد تدب الحياة من جديد داخل لاعبي المان سيتي، بنفس الطريقة التي قلبوا بها الطاولة على ليفربول الموسم الماضي، بتحقيق الفوز في 14 مباراة على التوالي، بعد الهزيمة أمام نيوكاسل في أواخر يناير/كانون الثاني، أما إذا استمر ترنح السيتي في ما تبقى من هذا الشهر، بجانب ذلك نفذ المدرب ما قاله في تصريحاته الأخيرة، بأنه لن يتعاقد مع لاعبين جُدد في الميركاتو الشتوي، فبنسبة كبيرة جدا، لن يبقى لقب البريميرليغ في ملعب “الاتحاد” لموسم آخر.
مصائب قوم
الملاحظ هذا الموسم، أن ليفربول يستغل عثرات السيتي بطريقة شبه مثالية، عكس الموسم الماضي، الذي أضاع فيه كلوب وفريقه فرصة الانفراد بالصدارة بفارق أكبر من 7 و8 نقاط، ومن الواضح أنهم تعلموا الدرس جيدا هذا الموسم، بتمرسهم على تحقيق الفوز بغض النظر عن الأداء، حتى المدافع ألكساندر أرنولد قال الأسبوع الماضي، إن فريقه لم يصل بعد لـ100% من الأداء الذي يريده لنفسه، لكن الشيء المهم الذي لا يؤثر على الأداء، هو تسلح اللاعبين بشخصية البطل بعد كسر رهبة الخوف مع البطولات بمعانقة الكأس ذات الأذنين والكأس السوبر الأوروبية، ومثل هذه اللقطات كان وما زال لها مفعول السحر على مشروع كلوب، الذي كان في أمس الحاجة لأي بطولة، ليبدأ مرحلة جني الثمار التي انتظرها 4 سنوات، وبالطبع إذا سارت الأمور بهذه الطريقة حتى بداية فبراير/شباط، بالحفاظ على الانتصارات بدون التأثر بغياب الأساسيين، كما قهر إيفرتون بدون صلاح وفيرمينو، فلن يكون عام 2020 نهاية عقدة الثلاثة عقود فقط، بل عام تحطيم الأرقام القياسية، وربما يكرر الريدز ما فعله السيتي الموسم قبل الماضي، بالاحتفال باللقب مع نهاية فصل الشتاء وحصد أكثر من 100 نقطة، إلا إذا تبعثرت الحسابات في المرحلة القادمة، وعاد أحمر الميرسيسايد لفصوله الباردة التي كلفته من قبل خسارة اللقب أكثر من مرة في الأمتار الأخيرة، اذا واصل ليستر مفاجآته المدوية وأيضا السيتي تعامل مع كل مباراة على أنها نهائي، من يدري؟ قد تنقلب المعطيات في غضون 4 أو 5 أسابيع، وما زال يتبقى أكثر من نصف الموسم، ولو أن هذا السيناريو لا يتطابق مع ما نشاهده على أرض الملعب في الوقت الراهن، لكن كما عودتنا الساحرة المستديرة لا أمان ولا ضمان إلا مع لحظة حسم البطولة بشكل رسمي، فهل تعتقد عزيزي القارئ مثلنا أن ليفربول قطع أكثر من 60% نحو اللقب؟ أم أنه سيصيب مشجعيه بالسكتة الكروية ويصبح لقب البريميرليغ أكبر من مجرد عقدة؟