لماذا الانتظار؟

حجم الخط
0

لماذا الانتظار؟

إما دولة ديمقراطية لجميع مواطنيها أو دولة عنصرية من طراز جنوب افريقيافكرة الدولة الثنائية قديمة.. عادت للظهور مع هزيمة حزيران ولا تزال مثارا للجدللماذا الانتظار؟صقر أبو فخر القضية الفلسطينية والصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي يمران، في هذه المرحلة، باستعصاء حقيقي ومتعدد الوجوه. فقد انتهي عهد الحروب الكبري منذ سنة 1973، ولم يسفر ذلك عن أي تسوية سياسية متينة وراسخة. وها هو عهد التسويات يوشك علي الانصرام من غير ان تشهد فلسطين خاتمة لآلامها التاريخية. لقد بدأ عصر التفاوض في سنة 1974 مع مصر في مؤتمر جنيف. وبالتدريج تطورت الامور الي ان بات ممكنا توقيع معاهدة سلام بائسة وخطيرة في سنة 1979. وحاولت القيادة الفلسطينية ان تلتحق بالعملية السياسية في الشرق الاوسط مبكرا، فصاغت برنامج النقاط العشر في سنة 1974، ومارست دينامية سياسية واعلامية فاعلة علي مستوي العالم كله، وقدمت صورة راقية عن الحركة الوطنية الفلسطينية، لا باعتبارها ارهابا، بل بصفة كونها حركة سياسية تسعي الي انتزاع الحرية لشعبها. واحتاج الأمر الي نحو سبعة عشر عاما ليصبح في إمكان منظمة التحرير الفلسطينية الانخراط في العملية السياسية التي نجمت عن مؤتمر مدريد في سنة 1991. وفي هذه الفترة مرت المنظمة بتحولات كبري: زيارة انور السادات الي القدس سنة 1977؛ الاجتياح الاسرائيلي للبنان سنة 1978؛ كامب ديفيد ثم معاهدة السلام المصرية ـ الاسرائيلية سنة 1979؛ الاجتياح الاسرائيلي الثاني للبنان في سنة 1982؛ خطة فاس سنة 1983؛ اعلان الاستقلال الفلسطيني سنة 1988؛ الانتفاضة الاولي في سنة 1987 فصاعدا؛ سقـــوط الاتحاد السوفييتي ثم حرب الخليج الثانية في سنة 1990.واليوم، بعد اربعة عشر عاما من التفاوض المرير مع الدولة الاسرائيلية، يبدو ان إمكان قيام دولة فلسطينية مستقلة في المدي القصير جري تدميره تماما بعد ان حاولت منظمة التحرير الفلسطينية، بشتي الطرق، ان تجعل من اتفاق اوسلو (1993) مدخلا الي تطوير دينامية سياسية جديدة في المنطقة تؤدي الي قيام دولة فلسطينية. وبهذا المعني فان تدمير امكانية قيام دولة فلسطينية، والافتراض ان اسرائيل لن تنسحب من الضفة الغربية والقدس بالكامل، اعاد الكلام علي احتمالات اخري مثل اعادة تقسيم فلسطين بين الفلسطينيين واليهود، او اقامة دولة ثنائية القومية في فلسطين التاريخية، او قيام دولة ديمقراطية علمانية، او انشاء دولة واحدة لشعبين. وهذه الافكار كلها يشترك بعضها مع بعض في امور ويفترق بعضها عن بعض في امور اخري.بدأت فكرة الدولة الثنائية القومية في الوسط الفكري اليهودي اولا. ولعل مجموعة بريت شالوم (او حلف السلام او ميثاق السلام) كانت من اولي الحركات السياسية اليهودية التي اعترفت بحقوق قومية متساوية للعرب واليهود في فلسطين. و بريت شالوم التي ظهرت في سنة 1925 علي ايدي آرثر روبين ويوسف غوروفيتش كانت، علي الارجح، السباقة في الدعوة الي هذه الفكرة. لكن يهودا ماغنس (1878 ـ 1948) كان المفكر اليهودي الأكثر جذرية في هذا الموقف، فقد اصدر في سنة 1929، أي بعد انتفاضة البراق مباشرة، كتابا بعنوان: مثل كل الأمم قال فيه ان الهدف الذي علي اليهود ان يسعوا اليه هو انشاء مركز روحي للشعب اليهودي في فلسطين، لأن فلسطين ـ بحسب ماغنيس ـ ليست دولة قومية عربية ولا دولة قومية يهودية، بل بلد ثنائي القومية.تجاوبت بعض النخب العربية مع هذه الفكرة مبكرا، ودعت الي تقسيم فلسطين الي ثلاث مقاطعات: يهودية وعربية ومختلطة، او الي مقاطعتين فقط: عربية ويهودية. فاقترح احمد سامح الخالدي علي الوكالة اليهودية في سنة 1933 تقسيم فلسطين الي كانتونين، ووجه رسالة بهذا المحتوي الي يهودا ماغنيس في 23/7/1934. كذلك بعث موسي العلمي في ايلول (سبتمبر) 1933 تقريرا الي دائرة المستعمرات في لندن يقترح عليها تكوين مقاطعة يهودية في فلسطين تمتد من تل ابيب الي عتليت وتكون المستعمرات اليهودية من ضمنها. وفي رسالة من جورج انطونيوس الي دافيد بن غوريون (نيسان/ابريل 1936) نعثر علي افكار اكثر تفصيلا في هذا الشأن؛ ففي هذه الرسالة يقترح انطونيوس ان يهاجر اليهود الي سورية الكبري بدلا من التركيز علي فكرة الوطن القومي اليهودي، وان يعطي اليهود مقاطعة عند السهل الساحلي لفلسطين تكون مشمولة بالاتحاد السوري، علي ان تكون فلسطين مركزا روحيا لليهود ومركزا سياسيا لهم.في سنة 1963 ظهرت منظمة كديما مزراحا أي نحو الشرق وهي مؤلفة من اعضاء حلف السلام الذي تفكك سابقا. وتابعت هذه المنظمة دعوتها الي قيام حلف بين العرب واليهود في مواجهة اليهود من انصار الوطن القومي اليهودي والعرب من انصار الغاء الوجود اليهودي في فلسطين. وعندما صدرت خطة التقسيم في سنة 1937 بادر كل من البرت هايمسون والكولونيل نيوكمب في 9/10/1937 الي اذاعة اقتراح مضاد عرف بـ خطة هايمسون ـ نيوكمب . وتنص هذه الخطة علي ما يلي:1 ـ قيام دولة فلسطينية ذات سيادة ومستقلة عن الانتداب.2 ـ يتمتع اليهود والعرب بالحكم الذاتي في شؤونهم الخاصة (وهذا يعني قيام وطن قومي يهودي لا دولة يهودية)، وبحقوق متساوية في الشؤون العامة.3 ـ يجب ألا يتجاوز عدد اليهود في فلسطين وشرق الاردن 50% من عدد السكان في أي حال من الاحوال.في هذا السياق قدم الحاج امين الحسيني في 12/1/1938 (ونوري السعيد في 6/2/1938) خطة عربية تماثل تماما خطة هايمسون ـ نيوكمب. وظهرت في سنة 1939 عصبة التقارب والتفاهم العربي ـ اليهودي التي أسسها رابي بنيامين، ثم أسس فوزي درويش الحسيني (1896 ـ 1946) منظمة فلسطين الجديدة . وهذه المنظمة عملت علي التنسيق مع عصبة التقارب والتفاهم العربي ـ اليهودي التي طالما دعت الي دولة واحدة للعرب واليهود في فلسطين. لكن اغتيال فوزي درويش الحسيني في 23/11/1946 اجهض مساعي هاتين المجموعتين. لكن، في سنة 1942، ظهرت حركة ايحود أي الوحدة، علي ايدي كل من مارتن بوبر ويهودا ماغنيس وسميلانسكي وكالفريسكي، وهي عبارة عن اندماج بين منظمة الحارس الفتي (هاشومير هاتسعير) و عصبة التقارب والتفاهم العربي ـ اليهودي . وكان يهودا ماغنيس، وكذلك مارتن بوبر، من معارضي فكرة الدولة اليهودية والوطن القومي اليهودي. ودعت حركة ايحود الي قيام دولة ثنائية القومية في فلسطين متحدة فيدراليا مع الاقطار العربية المجاورة، والسماح بالهجرة اليهودية الي الدول المجاورة، والمساواة التامة بين العرب واليهود في المؤسسات التشريعية والادارة وحقوق التملك وحجم السكان. وهذه الفكرة طورتها، في ما بعد، منظمة مانسبن الاشتراكية. وكلمة ماتسبن تعني البوصلة، وهي حركة يسارية نشأت في ستينات القرن العشرين، وكانت تري ان اسرائيل كيان صنعه الاستعمار، وسيظل الاستعمار يدعمه ما دام هذا الكيان يخدم المصالح الاستعمارية. وكانت ماتسبن تعتقد ان العمال الاسرائيليين لا يمكن ان يتحولوا الي الثورة علي الصهيونية إلا اذا تطور النضال الثوري العربي امميا، وقدم حلا انسانيا وثوريا لليهود في اسرائيل. لهذا رأت ماتسبن ان الحل الجذري للقضية الفلسطينية وللمسألة اليهودية غير ممكن إلا في اطار فيدرالية اشتراكية شرق اوسطية معادية للامبريالية، وان انتصار هذا الحل مرهون باندحار الامبريالية في الشرق الاوسط، وهذا ما يجعل النضال ضد الامبريالية شأنا اساسيا لا يمكن اجتنابه.أبعد من ذلك فان العالم المشهور البرت آينشتاين اعرب عن قناعته منذ سنة 1927، وكرر ذلك اكثر من مرة (في سنة 1930 وفي سنة 1948 ايضا) بأن في الامكان بناء مستقبل مشترك للعرب واليهود معا. ولم يتورع عن التصريح في 27/11/1949 بأن تقسيم فلسطين كان خطأ، ومن الضروري السعي الي فلسطين غير مجزأة حيث يعيش العرب واليهود فيها بسلام وحرية ومساواة. أما مارتن بوبر (1878 ـ 1965) فظل يدعو الي الانسانية العبرية في مقابل القومية اليهودية ، ثم طوّر موقفه هذا الي فكرة الدولة الثنائية القومية .عاشت فكرة الدولة الثنائية القومية ردحا من الزمن، وكانت تمثل مسألة جدلية وخلافية معا. لكن، مع اندلاع الحرب العالمية الثانية في سنة 1939 بدأ دعاة هذه الفكرة بالضمور، وراح حضورهم الفكري والسياسي ينحسر بالتدريج. وجاءت نتائج حرب 1948 لتقضي نهائيا علي هذه الفكرة. لكن اندلاع حرب الخامس من حزيران/يونيو 1967 واحتلال فلسطين التاريخية كلها أعاد احياء فكرة الدولة الثنائية القومية مجددا، وعادت هذه الفكرة لتحتل مكانتها علي قائمة الجدال السياسي في اسرائيل.الدولة الثنائية القومية: المحتوي والعقباتالدولة الثنائية القومية تختلف جوهريا عن فكرة الدولة الديمقراطية التي عرضتها حركة فتح منذ سنة 1968، وتختلف ايضا عن فكرة الدولة الواحدة التي اقترحها خالد الحسن (ابو السعيد) في تسعينات القرن العشرين.الدولة الثنائية القومية تعني وجود مجتمعين منفصلين اثنيا وثقافيا، لكن في اطـــــار دولة واحدة. وفي هذه الدولة إما ان تتولي الأغلبية حكم الدولة، علي ان تتمتع الاقلية بحقوق الاقلية؛ او ان يجنح حكم الأكثرية الي نوع من الدولة العنصرية حيث لا تتمتع الأقلية بحقوق متساوية لمواطنيها مع حقوق الاغلبية. لهذا كان لا بد دائما من قيام نظام سياسي توافقي يضمن عدم طغيان الاغلبية علي الاكثرية، وعدم فرض قرار الاغلبية عنوة. غير ان المشكلات التطبيقية تتجاوز معضلة وزن الاغلبية والاقلية في القرار السياسي؛ فثمة مشكلات من أعيرة مختلفة. وعلي سبيل المثال: ما هو اسم الدولة الذي يلبي رغبات المجموعتين القوميتين العربية واليهودية ولا يعتبر طغيانا من الأكثرية علي الاقلية؟ ما هو شكل العلم الذي يمكن ان تتوافق المجموعتان علي رسمه؟ ما هو محتوي النشيد الوطني؟ كيف يتم التوافق علي اسماء الأماكن والمواقع والتلال والسهول والانهار بعدما خضعت هذه كلها للتهويد؟في أي حال، فان هذه المشكلات انما تندرج في اطار التمرين الذهني، ولم تتطور الي ان تصبح مشكلات سياسية راهنة، مع ان فكرة الدولة الثنائية القومية بدأت تحفر لنفسها موقعا مهما في الجدل الفكري والسياسي المحتدم الآن في الوسط اليهودي وفي الوسط العربي معا. ولعل عزمي بشارة كان له الفضل في اعادة هذه الفكرة الي منابر النقاش السياسي. وفي هذا السياق كان العقيد معمر القذافي اصر علي القمة العربية في عمان سنة 2001 علي تحويل احدي جلساتها الي جلسة مغلقة لمناقشة اقتراح له في شأن الصراع العربي ـ الصهيوني. وفي 12/5/2003 كشف القذافي عن تفصيلات ذلك الاقتراح الذي يتضمن رفضا لفكرة تقسيم فلسطين ودعوة الي قيام دولة واحدة لليهود والفلسطينيين تدعي اسراطين . وينص هذا الاقتراح، الي ذلك، علي ما يلي:ـ عودة جميع اللاجئين الفلسطينيين الي ديارهم.ـ نزع اسلحة الدمار الشامل من اسرائيل ودول الشرق الاوسط.ـ اجراء انتخابات حرة.ـ انشاء دولة واحدة لجميع الاسرائيليين والفلسطينيين علي غرار الدولة اللبنانية، او ما يشبه دولة اسرائيل الحالية التي اندمج فيها الفلسطينيون الباقون منذ سنة 1948.لماذا الانتظار؟في 9/5/2004، وامام الكنيست الاسرائيلي، وقف دانيال بارنباوم، الموسيقي العالمي والصديق الحميم لاداورد سعيد، ليقول ما يلي: لقد اعتقدت دوما ان لا حل عسكريا للصراع اليهودي ـ العربي، لا من الناحية الاخلاقية ولا من الناحية الاستراتيجية. وبما ان الحل حتمي بالتالي، فأنا اسأل نفسي: لماذا الانتظار؟ .نعم. لماذا الانتظار، ما دام معظم الاسرائيليين يدركون ان اسرائيل ستتحول، بالتدريج، الي دولة مكروهة من طراز دولة جنوب افريقيا العنصرية؟ وهذا ما اوضحه بجلاء ما بعده جلاء ابراهام بورغ رئيس الكنيست بين 1999 و2003 حينما كتب: بين الاردن والبحر المتوسط ما عادت هناك غالبية يهودية. لذا لا يمكن الاحتفاظ بكل شيء من دون دفع الثـمن. لا يمكن ان نترك غالبية فلسطينية تحت الجزمة الاسرائيلية ونعتبر انفسنا، في الوقت نفسه، الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط. لا ديمقراطية من دون حقوق متساوية لكل من يعيش هنا: العرب واليهود علي حد سواء (…). أتريدون اسرائيل الكبري؟ لا مشكلة. تخلوا عن الديمقراطية اذن (…). أتريدون الديمقراطية؟ لا مشكلة. إما ان تتخلوا عن فكرة اسرائيل الكبري حتي آخر مستوطنة، او تمنحوا المواطنة الكاملة وحقوق التصويت للجميع بمن فيهم العرب، وستكون النتيجة بالتأكيد ان مَن رفض قيام دولة فلسطينية الي جانبنا سيحصل علي دولة فلسطينية في وسطنا تماما من خلال صناديق الاقتراع .7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية