لندن ـ «القدس العربي»: بينما يتفاخر عشاق ريال مدريد بالصفقات الرنانة التي أبرمها الرئيس فلورنتينو بيريز في بداية سوق الانتقالات الصيفية، مثل صفقة العقد بالتوقيع مع المدمر الفرنسي كيليان مبابي في صفقة انتقال حر بعد انتهاء عقده مع ناديه السابق باريس سان جيرمان، وقدوم الساحر البرازيلي الجديد أندريك من نادي بالميراس، يعيش المشجع الكتالوني لحظات معقدة وصعبة، وفي رواية أخرى، يعيش متألما في عالم مواز، لتأخر إدارة النادي والرئيس جوان لابورتا في إتمام الصفقات الجديدة المستهدفة من قبل المدرب الألماني هانزي فليك، وسط «بروباغاندا» إعلامية حول خطط وأهداف البلوغرانا الصيفية، لكن على أرض الواقع، بدأ يتسلل اليأس والإحباط لُجل عشاق الكيان في كل أرجاء العالم، لا سيما بعد إجماع أغلب المصادر الإعلامية المحايدة التي تحظى بمصداقية لا بأس بها، على عدم قدرة الخزينة على تحمل المبالغ المطلوبة لشراء الصفقات المطلوبة هذا الصيف، بخلاف الكارثة الفنية الأخرى التي تُطبخ على نار هادئة، وأمور أخرى سنسلط الضوء عليها في هذا التقرير.
قلة الحيلة
قبل عامين من وقت كتابة هذه الكلمات، قام الرئيس الثوري لابورتا، باتخاذ خطوة أقل ما يُقال عنها شجاعة وجريئة، لإنقاذ النادي من شبح الإفلاس، من خلال الرهان على أصول وممتلكات العلامة التجارية لبرشلونة، في ما عُرفت إعلاميا بالروافع الاقتصادية، من خلال بيع الحقوق الملكية للنادي لسنوات قادمة بمئات الملايين من اليوروهات، أملا في انتزاع نجاح قصير الأجل، لا سيما بعد تدهور سمعة البارسا عالميا، في أعقاب الخروج المذل من دوري أبطال أوروبا بهزيمة كارثية أمام بايرن ميونيخ في ربع نهائي 2020، بجانب الفشل في تجاوز دوري مجموعات أبطال أوروبا للمرة الأولى منذ ما يلامس العقدين من الزمن، وأمور أخرى أثرت بشكل سلبي على مداخيل النادي، وذلك في خضم الأزمة المالية الطاحنة التي كان يُعاني منها في أواخر حقبة الرئيس السابق جوسيب ماريا بارتوميو، الذي كان سباقا في سحب النادي إلى النفق المظلم، بتوريط الخزينة في مبالغ فلكية لتمويل أجور اللاعبين، والأسوأ سياسة الإنفاق العشوائي على صفقات بلا قيمة أو أهمية فنية للفريق داخل المستطيل الأخضر، ورغم نجاح الرئيس الكتالوني في واحد من أهم أهدافه، بإعادة لقب الدوري الإسباني إلى خزائن «كامب نو»، بعد إنفاق أكثر من 150 مليون يورو في صيف 2022، لشراء لاعبين من نوعية روبرت ليفاندوسكي من بايرن ميونيخ، وجول كوندي من إشبيلية، والأغلى في ذاك الميركاتو البرازيلي رافينيا، بعد إطلاق سراحه من ناديه الإنكليزي السابق ليدز يونايتد مقابل رسوم بلغت نحو 58 مليون بنفس العملة الأوروبية، بخلاف المتغيرات والامتيازات الأخرى في العقد، لكن بمتابعة آخر الأخبار والتقارير الواردة من داخل المعسكر البرشلوني، سنجد أن وضع النادي لا يختلف كثيرا عن وضعه قبل عامين، حين كان يمر بأسوأ لحظاته في أزمته المالية الطاحنة، التي كانت سببا في بداية لابورتا مع رافعات الإنقاذ الاقتصادية، وإلا على أقل تقدير، كانت ظهرت مؤشرات على اقترابه من التوقيع مع أحد أهدافه الرئيسية، مع بدء العد التنازلي لضربة بداية موسم الليغا الجديد، رغم الإعلان الرسمي يوم الجمعة الماضي عن ضم نجم المنتخب الاسباني داني أولمو من لايبزيج الألماني.
اللغز والإخفاق
وفي الوقت الذي لا يتوقف فيه لابورتا والرئيس الأسبق خافيير تيباس في تبادل الاتهامات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يبدو وكأن برشلونة قد فقد جزءا كبيرا من قوته الشرائية التي كان يتمتع بها حتى منتصف العقد الماضي، كمؤسسة قادرة على شراء أي لاعب في العالم مهما كان اسمه أو قيمته السوقية، ويظهر ذلك بوضوح في الضجة الوهمية التي أثيرت حول ارتباط جناح نادي أتلتيك بلباو نيكو ويليامز بالبلوغرانا، في صفقة تبدو على الورق «ضربة معلم»، نظرا لحاجة المدرب الجديد للاعب بنفس مواصفات وجودة بطل اليورو في مشروعه مع الكتالان، خاصة وأن الثلث الأخير من الملعب يُعاني من خلل ملموس في مركز الجناح الأيسر المهاجم، مقارنة بالمنافسة الشرسة في مركز الجناح الأيمن المهاجم بين زميله في المنتخب لامين يامال والبرازيلي رافينيا، وباقي المراكز في الخط الأمامي، لكن على أرض الواقع، لم يحدث أي شيء ملموس على مستوى المفاوضات بين الناديين، بل يُقال الآن على نطاق واسع، أن الشاب الأسمراني، اتخذ قرارا لا رجعة فيه، بالبقاء مع ناديه لموسم آخر على أقل تقدير، على غرار ما فعله هدف برشلونة القديم مارتن زوبيمندي، الذي قُيل عنه في الصحف المقربة من النادي، إنه «الخليفة الإستراتيجي» لمهندس الوسط الأسطوري سيرجيو بوسكيتس بعد انتقاله إلى إنتر ميامي الأمريكي، لكن في الأخير، فشلت الإدارة في تدعيم مركز لاعب الوسط رقم «6» بالجودة والكفاءة اللازمة بعد رحيل بوسكيتس، حيث اكتفى أصحاب القرار بضم عديم الموهبة أوريلو روميو، الذي أثبت سريعا أنه لا يتمتع ولو بنصف المقاومات المطلوبة للاعب المحوري في دائرة الوسط، لدرجة أن المدرب السابق تشافي هيرنانديز، فَضل عليه قلب الدفاع أندرياس كريستينسن، بالاعتماد عليه في دور مركب، كلاعب وسط رقم 6 في المواقف الهجومية والاستحواذ على الكرة، وقلب دفاع في الحالات والمواقف الدفاعية، والمثير للدهشة والريبة، أن الإدارة لم تضع حلا لأزمة لاعب الوسط رقم 6، بعد مرور أكثر من عام على رحيل أيقونة الجيل الذهبي بوسكيتس.
صداع وكارثة
واحدة من أكبر المشاكل التي ساهمت بشكل أو بآخر في تعطل صفقات برشلونة المحتملة هذا الصيف، ما تُعرف بأزمة مستقبل الجناح البرازيلي المهاجم رافينيا، الذي يسعى ويحاول النادي جاهدا لبيعه بأعلى عائد مادي لتمويل الصفقات المستهدفة قبل غلق نافذة انتقالات اللاعبين الصيفية، ولو أن بعض النقاد والمتابعين، يعتقدون أن لاعب ليدز السابق، كان وما زال يستحق فرصة لتقديم أفضل ما لديه للفريق ولو لموسم آخر، بعد انتفاضته في نهاية حقبة المايسترو، التي كانت سببا في تثبيت أقدامه في التشكيل الأساسي لمنتخب بلاده في كوبا أميريكا الأخيرة، لكن في الوقت ذاته، يعتبر المخرج الوحيد أو حجر الزاوية بالنسبة للرئيس لابورتا ومجلسه المعاون، الذين يبحثون عن سيولة لا تقل بأي حال من الأحوال عن 50 مليون يورو في أقرب فرصة ممكنة، لحفظ ماء وجه النادي قبل فوات الأوان. هذا في الوقت الذي لن يتأثر فيه المشروع بخروج الأعسر البرازيلي، نظرا للوفرة العددية الهائلة في نفس مركزه، في مقدمتهم ميسي الجيل، لامين يامال وآخرون بجودة لا بأس بها في الثلث الأخير من الملعب من أبناء أكاديمية «لا ماسيا». وعلى سيرة تمويل الصفقات الجديدة، سيكون من الجيد أيضا، الاستثمار في فيتور روكي، الذي كان يُعتقد أنه سيعطي إضافة هائلة لهجوم البارسا برفقة الجلاد البولندي المخضرم روبرت ليفاندوسكي، لكن في الأخير فشل في إقناع تشافي، إما لأسباب تتعلق بمشاركته في مركز غير مركزه الأصل، أو لأنه لم يُمنح الوقت الكافي للتعبير عن نفسه بالطريقة المطلوبة، لكن في الأخير تُشير أغلب المصادر إلى أنه في طريقه لمغادرة برشلونة، بعد اقتران مستقبله بأحد أندية دوري روشن وأندية أخرى أوروبية.
بالإضافة إلى كل ما سبق، هناك احتمالات كبيرة أن يكرر النادي نفس أخطاء الماضي القريب، بإهدار المال في صفقات لا يحتاجها الفريق، والإشارة إلى ابن النادي الضال داني أولمو، وذلك استنادا إلى التقارير الرائجة، والمؤكدة يوم الجمعة الماضي بشأن توصل وسطاء لابورتا إلى اتفاق مع مسؤولي لايبزيغ الألماني، من أجل إعادة الشاب العشريني إلى بيته القديم في كتالونيا، لكن ما أخر تفعيل الاتفاق، هو حاجة النادي الإسباني لمزيد من الوقت حتى يوفر المبلغ المطلوب من قبل عملاق مشروبات الطاقة، حوالي 60 مليون يورو، وبعيدا عن حقيقة أن خزينة برشلونة لا تتحمل هذا المبلغ، على الأقل بعد سلسلة الإجراءات التقشفية التي عصفت بالبث المباشر للقناة التلفزيونية، فمن الناحية الفنية، سيكون التوقيع معه أشبه بالجريمة الكروية المكتملة الأركان، وذلك بطبعية الحال ليس تقليلا من شأن اللاعب أو جودته، بالعكس هو إضافة هائلة لأي فريق في أوروبا، كلاعب جوكر في الثلث الأخير من الملعب، أو في كرة القدم العصرية مهاجم رقم (9) وهمي، بتلك الطريقة المبهرة التي كان عليها في بطولة الأمم الأوروبية الأخيرة، لكن عزيزي القارئ، وخصوصا عاشق برشلونة، لا تنسى أن قائمة مدرب بايرن ميونيخ ومنتخب ألمانيا سابقا، تعج بالنجوم والمواهب التي تؤدي دور لاعب الوسط المركب في عمق الملعب، بين لاعب الوسط المهاجم والمهاجم الوهمي، والحديث عن لاعب بخبرة ودهاء قائد المنتخب الألماني إلكاي غندوغان، والثنائي بيدري وغافي، بالإضافة إلى فيرمين لوبيز وقائمة أخرى عريضة تؤدي بالفعل نفس الدور، ما يعني أن الإدارة قامرت بإهدار عشرات الملايين في الهواء، كما حدث من قبل مع جيش من الصفقات التعيسة أمثال أنطوان غريزمان، وعثمان ديمبيلي، وفيليب كوتينيو وأسماء أخرى تعاقد معها النادي بأرقام فلكية، من دون الاستفادة منها بشكل حقيقي، فهل يا ترى سيتجاوز لابورتا أزمة البارسا الحالية ولو بصفقات مجانية مسكنة في الأمتار الأخيرة للميركاتو؟ أم أنه سيرفع الراية البيضاء هذه المرة؟ أم هناك خطة سرية للتوقيع مع نيكو ويليامز وباقي الأهداف في الوقت المناسب؟ دعونا ننتظر ما سيحدث.