الناصرة ـ «القدس العربي»: اعتبرت أوساط غير رسمية في إسرائيل مبادرة حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بالإفراج عن سيدتين يهوديتين تحملان الجنسية الأمريكية ليلة الجمعة/السبت حدثا دراماتيكيا، وسط تساؤلات عن مفاعيل ذلك وتبعاته على احتمالات تبادل بقية الأسرى وعلى مستقبل الحملة البّرية. ونقل موقع «واينت» الأخباري السبت عن مصادر إسرائيلية وصفها بـ«المرموقة» دون الكشف عن هويتها قولها إن الإفراج عن السيدتين يهدف لإظهار وجه إنساني من قبل «حماس» بعد عمليات الشيطنة الإسرائيلية التي تعرضت لها في العالم منذ أسبوعين. كما يعتبرون أن هذه خطوة تحمل أملا بإطلاق بقية الأسرى من خلال مفاوضات مع حماس بواسطة قطر، لكنها تهدف للدفع نحو ضغط أمريكي على إسرائيل لتأجيل الحملة البريّة، وقالوا إن ذلك لن يغيّر في تتمة المعركة وإن كل الأطراف كانت معنية بهذه الخطوة: حماس تريد تحسين صورتها، وقطر انتصرت على مصر في السباق على دور الوساطة. يشار إلى أن الرئيس الأمريكي جو بايدن قد سئل هل هو معني أن تؤّجل إسرائيل الحملة البرية لصالح الإفراج عن أسرى إضافيين فأجاب بـ«الإيجاب» وسرعان ما أصدر البيت الأبيض «توضيحا» قال فيه إن «بايدن لم يفهم السؤال وإنه لم ينو أن يقول ما بدر عنه». وتابع بايدن «كما قلت للعائلات قبل أيام لن نتوقف حتى نستعيد كل أعزائها للبيت». كذلك قال بايدن خلال حفل لجمع التبرعات لحملته الانتخابية، إن الهجوم الذي نفذته حركة «حماس» على إسرائيل «طوفان الأقصى» كان يهدف إلى عرقلة التطبيع المحتمل للعلاقات مع السعودية. معتبرا أن «أحد أسباب هجمة حماس على إسرائيل هو علمها أنني كنت على وشك الجلوس مع السعوديين».
ويرى مراقبون إسرائيليون كثر أن توقيت الإفراج عن السيدتين ليس صدفة وأنه يهدف لدفع واشنطن للضغط على تل أبيب لإرجاء الحملة البرية. لكن المصادر الإسرائيلية المذكورة تقول إنه رغم أن تحرير الأسرى هو واحد من أهداف الحرب لكن إطلاق السيدتين لن يؤخّر الحملة البرية. لكن هذا ليس مؤكدا فهناك مخاوف في إسرائيل من جدوى الحملة البرية وتساؤلات حول اليوم التالي بعد الاحتلال مثلما أن الباب مفتوح لتفاعل كبير في الشارع الإسرائيلي بعد الإفراج عن السيدتين وربما بعد ما تشرعان في الحديث عما موجود هناك وعن واقع حال بقية الأسرى، فربما هذا يحفّز أوساطا إسرائيلية للمطالبة بالتريث وتحاشي الخروج في حملة برية بسرعة.
هكذا تبدو الحرب البرية
في هذا المضمار نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية تقريرا لمحاكاة الحملة البرية على غزة وجاء فيه، أن الجنود الإسرائيليين سيضّطرون إلى الانتقال من بيت إلى بيت ومن طابق إلى طابق من أجل «تطهير» المباني، فيما سيقوم مقاتلو حماس بالخروج من الأنفاق ومن بين الركام والأزقة والمواقع الضيقّة أو مباغتتهم بهجوم من الجو بمسيرات صغيرة، منوهة لوجود تهديدات من كل الاتجاهات وكل ذلك ضمن معركة قد تأخذ وقتا طويلا غير مسبوق. وتشير الصحيفة الأمريكية أن الجيش الإسرائيلي يستعد لدخول قطاع غزة للمرة الأولى منذ حرب «الجرف الصامد» عام 2014 لكن الحملة البرية هذه المرة ستكون أوسع وأطول بكثير.
يشار إلى أن هناك دعما واسعا في إسرائيل لحملة برية كما يتجلى في تصريحات وكتابات المعلقين والجنرالات في الاحتياط علاوة على نتائج استطلاع صحيفة «معاريف» الجمعة. وبموجب الاستطلاع يؤيد 65 في المئة من الإسرائيليين اجتياحا واسعا لغزة و51 في المئة يؤيدون عملية عسكرية واسعة ضد حزب الله، ويطالب 80 في المئة نتنياهو أن يتحمل مسؤولية الإخفاقات السياسية والأمنية، فيما تتراجع شعبيته وشعبية ائتلافه بشكل كبير. في المقابل هناك مخاوف واضحة في كل المستويات من كلفة هذه الحملة وشكوك من قدرة الجيش الإسرائيلي على النجاح بها دون أن يتورّط برمال غزة ويجد نفسه في حرب استنزاف دامية. وذهب رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق نفتالي بينيت لحد التحذير من الحملة البرية الآن وقال إنه يخشى من وقوع إسرائيل في مصيدة إيرانية تقوم على استدراج إسرائيل نحو الاجتياح البري الواسع الذي سيستنزف قواها قبيل أن ينضم حزب الله وغيره وعندها تجد إسرائيل نفسها في حالة يرثى لها تقاتل في عدة جبهات لم تستعد لها من قبل.
وتأتي مثل هذه التحذيرات وسط حالة غضب إسرائيلي عارم على حكومة الاحتلال ورئيسها وسط فقدان كامل للثقة بها وبالدولة أيضا. وهناك مراقبون إسرائيليون أمثال محلل الشؤون السياسية في القناة 13 العبرية نداف أيال ممن يقولون إن الإسرائيليين فقدوا الثقة بالجيش أيضا. ويبان فقدان ثقة الإسرائيليين بالقيادات السياسية والعسكرية في كثير من الأوجه خاصة في منتديات التواصل الاجتماعي، حيث تضخ المواقف والعواطف والأفكار دون مصفاة المحررين في وسائل الإعلام العبرية المتجندة للمجهود العسكري وللحملة البرية بالكامل عدا صحيفة «هآرتس». ويبدو أن هذه هي أخطر نتيجة حققتّها عملية «طوفان الأقصى» فقد أفقدت الإسرائيليين ثقتهم بالفكرة الصهيونية التقليدية بأن الدولة اليهودية هي المكان الأكثر أمنا وأمانا لليهود في العالم وبذلك استبدل اليقين بمستقبلها بالشكّ، بل أفقدتهم الثقة بمؤسسات الدولة وقياداتها وباتوا يراهنون على أنفسهم وعلى المجتمع المدني-الجمعيات الأهلية بالأساس.
صورة عناق
نتنياهو مع بايدن
وفي هذا المضمار يقول المعلق الاقتصادي والسياسي في صحيفة «هآرتس» نحاميا شطرسلر عن صورة عناق نتنياهو مع بايدن- وهو يرتمي بين أحضانه تبدو عليه بوضوح شارات التعب والخوف والحرج مربكة وتقول إن الرجل «خالص». ويتابع شطرسلر: «كانت صورة ارتماء نتنياهو في أحضان بايدن كالطفل المندفع نحو صدر والده محرجا، ولاحقا كان محزنا أن نسمعه خلال المؤتمر الصحافي مع الرئيس الأمريكي يقرأ عن المكتوب كلمات فارغة بعكس خطاباته وأجاباته في الماضي. والاستنتاج هو أن الرجل قد انتهى ولا يستطيع قيادتنا ولو ليوم واحد، فلا يغرنّا نصف العناق الذي منحه إياه بايدن فهو يشمئز منه بعدما كان يكذب عليه بدون توقّف في موضوع الانقلاب القضائي وكذلك في الشأن الفلسطيني. حظنا الوحيد أن بايدن يحّب إسرائيل وأن المصلحة الأمريكية تقتضي حماية إسرائيل وإبقائها دولة قوية ومستقرة كي تبقى قاعدة أمريكية في المنطقة».
وفي المقابل وفي السياق الفلسطيني تقفز عدة أسئلة وتساؤلات هل هذا ما خططّت له حركة «حماس» وهل فعلا تمتلك خطة وما هي المراحل الأخرى منها وهل أخذت بالحسبان الأثمان وكل التداعيات والتبعات المحتملة ورد الفعل المتوحّش والمنفلت الصادر عن «النمر الإسرائيلي» الجريح؟ أم أن حماس نجحت أكثر مما كانت تخطّط نتيجة هشاشة المعسكرات الإسرائيلية على الحدود وغيره؟ والأهم أي مصلحة فلسطينية من احتلال المستوطنات وعدم الاكتفاء بضرب القواعد العسكرية؟ هي أسئلة فلسطينية مؤجلة مثلما أن هناك أسئلة ملحّة وحارقة تنتظر القيادات السياسية والعسكرية في إسرائيل بعد انتهاء هذه الحرب وبعد تشكيل لجنة تحقيق رسمية يبدو أنها ستطيح بنتنياهو أيضا لا بحكومته وبقيادة المؤسسة الأمنية فحسب.
إيران حزب الله
وهذا متوقع جدا حتى لو حاول نتنياهو السعي للعودة بهذه الحرب بـ «رأس كليّب» ويلوح بمكاسب كبيرة حققها في غزة. فالغضب والقلق من المستقبل كبيران والصدمة أكبر من أن تداوى وتنتهي بحملة برية مهما كانت ناجحة بعيون الإسرائيليين. ويضاف لذلك احتمالات اندلاع حرب في الجبهة الشمالية أو اشتعال عدة ساحات والتحامها كما يخطّط محور المقاومة وهذا من شأنه أن يضيّق هامش المناورة أكثر على نتنياهو المتهم بالفساد وبإشعال حرب داخلية في إسرائيل منذ بدء العام أهدرت طاقاتها وصرفت عيونها عن العدو الخارجي وبتبني استراتيجية وهمية تقوم على «تحقيق السلام مع العرب دون تسوية القضية الفلسطينية، وإضعاف عباس وتعزيز قوة حماس بطرق غير مباشرة من أجل تكريس الانشقاق الفلسطيني الداخلي والإجهاز على احتمالات تسوية الدولتين». هذا كله غرق في «طوفان الأقصى» في ذاك «السبت الأسود» التسمية الإسرائيلية للضربة الاستراتيجية المباغتة التي عصفت بوعي الإسرائيليين وثقتهم والتي وجهتها حماس غداة الذكرى الخمسين لحرب 1973 التي أخذت فيها إسرائيل على حين غرة مجددا.
وتتفاوت التقديرات الإسرائيلية حول انضمام حزب الله للحرب بين من يؤكد وبين من يستبعد، لكن هناك إجماعا لديها بأن الباب مفتوح للتصعيد، لأن الكل يعرف كيف ومتى وأين تبدأ النار لكن أحدا لا يعرف كيف وأين ومتى تنتهي.
ويرى محرر صحيفة «هآرتس» ألوف بن أن إيران لأسبابها الخاصة واعتباراتها، تريد رؤية نصر الله يدخل في المعركة ضد إسرائيل، كي تجبرها على مواجهة حرب متعددة الجبهات، لكن خلال السنوات راكم نصر الله قوة ومكانة خارج لبنان أيضاً، تسمحان له باتخاذ قرار مستقل، وفقاً لاعتباراته الخاصة وعدم الانجرار وراء أهواء إيران. ويرى بن أن السؤال هو: إلى أي حد يمكن أن يضبط نفسه، في ضوء عملية غزة التي لا تبدو نهايتها في الأفق؟
لماذا تتأخر الحملة البرية؟
ويرى محرر «هآرتس» أن هناك عدة اعتبارات تدفع نصر الله إلى عدم الدخول في حرب شاملة، معتبرا أن ثلاثة منها تؤثر في المرحلة الحالية للمواجهة في غزة. الاعتبار الأول، الانهيار الاجتماعي والاقتصادي في لبنان ولا يستطيع نصر الله أن يسمح لنفسه بأن يكون مسؤولاً عن القضاء على لبنان كدولة، في حال بادر إلى مواجهة مع إسرائيل، لأنه سيغرق مع لبنان في البحر، هذا لا يصب في مصلحته، الآن تحديداً بعد أن أصبح الحاكم الفعلي لدولة الأرز. الاعتبار الثاني برأي ألوف بن هو الفرص المتوقعة من مداخيل منصات الغاز فهو لا يريد أن تدمر إسرائيل المنصات اللبنانية، إذا هاجمها، في حال نشوب حرب شاملة، والاعتبار الثالث جيو -سياسي: «الأعمال «الإجرامية» التي ارتكبتها «حماس» دفعت بالقضية الفلسطينية إلى واجهة الساحة السياسية. هدف إيرإن ونصر الله هو الإضرار بإمكان التطبيع بين السعودية وإسرائيل، والدخول إلى الحرب سيحوّل تلقائياً، الانتباه إلى الحرب مع حزب الله على حساب القضية الفلسطينية التي ستتراجع إلى الوراء. ومع كل ما قيل، يتفق ألوف بن مع مراقبين إسرائيليين آخرين يشيرون إلى أن الوضع زلِق للغاية، والأمور يمكن أن تتغير بسرعة، في ضوء التطورات. ويضيف «حتى الآن، يبدو أن نصر الله اختار طريق الاستفزازات، والإزعاجات بأكبر قدر ممكن. وبذلك، هو يظهر أنه يشارك في الجبهة ضد إسرائيل، لكن في المقابل، يُبعد إمكان شنّ حرب استباقية ضدها». وفي الاستنتاجات يرى ألوف بن كبقية المراقبين الإسرائيليين إنه يتعين على إسرائيل بذل كل ما في وسعها كي لا تنجر وراء مواجهة شاملة مع حزب الله، لكن ليس بأيّ ثمن. ويخلص للقول «وافترض أن مساعدي نصر الله عرضوا عليه صور حاملات الطائرات الأمريكية، القريبة جداً جداً من المكان الذي يوجد فيه».
في التزامن تتواصل التساؤلات داخل إسرائيل أيضا لماذا تتأخر الحملة البرية رغم مرور أسبوعين على «طوفان الأقصى»؟ وتتباين التفسيرات المحلية، فهناك من يشير لرغبة إسرائيل التثبّت من نوايا إيران وحزب الله بكل ما يتعلق بالجبهة الشمالية الخطيرة، وبين من يشير لاحتمالات المساس بالأسرى داخل القطاع والرغبة بالإفراج عنهم، وبين من يرى أن الجيش البري غير مستعد وغير مؤهّل بعد لحملة برية وأن إسرائيل تبحث عن فرصة لضربة مباغتة تعيد لها قوة المبادرة والثقة وتزعزع ثقة أعدائها ولذا فهي تنتظر، وغير ذلك من التفسيرات والقراءات التي تقول أيضا إن تضاريس القطاع تغيرت نتيجة القصف العشوائي الذي حول بلدات كاملة لركام ما أفقد الخرائط العسكرية بيد قادة الجيش قيمتها.