أحمد طه المراد من الثورة، هو التغيير الأساسي والجذري في المجتمع، سياسياً، وإقتصادياً، وإجتماعياً، وثقافياً، أو الإطاحة بنظامٍ قديمٍ، فشل في تلبية مطالب المجتمع، وبناء آخر، قادر على الإستجابة لتطلعات المجتمع، بفتح آفاق الحركة أمامه وأبواب المشاركة أمام الشعب.
يزخر تاريخ مصر الطويل بالثورات، والإنتفاضات، والهبّات التي قام بها الشعب المصري فيوجه الإحتلال والإستبداد، إلا أن ما يسترعي الإنتباه هو توقف غالبية هذه الثورات في منتصف الطريق، وعدمتحقيقها لأهدافها بالكامل إمّا بتفريغها من مضمونها، أو إجهاضها كليّاً.
ففي القرنيْن الأخيريْنشهدت مصر خمس ثورات وهو عدد كبير يدفع عن الشعب المصري تهمة الخنوع والإستسلام.. الثورة التي أتت بمحمد علي 1805، والثورة العرابية 1881، وثورة 1919، وثورة 23 يوليو 1952، وأخيرا ثورة 25 يناير 2011. فقد هبّ الشعب المصري في مواجهة الحملة الفرنسية بإنتفاضتيْن كبيرتيْن، شهدتا مقاومة عنيفة أجبرت الحملة على الرحيل، واستمر الشعب منتفضاً بعدها في مواجهة مظالم أمراء المماليك والعثمانيين، حتى تمكن بقيادة الزعامة الشعبية وزعيمها السيد عمر مكرم، من خلع خورشيد باشا وتولية محمد على. ولقد لعبت الزعامة الشعبية دوراً كبيراً في تدعيم أركان حكم محمد علي، إذ أحبطت كافة المؤامرات التي دبرها الباب العالي والمماليك ضده، وتصَّدت ببسالة لحملة فريزر دون وجوده، فقد كان محمد علي آنذاك في الصعيد يطارد المماليك، بل إنه تلكَّأ في العودة وبدأ يميل لمصالحتهم بعدما شعر بقرب إنتصار الحملة. وبعد أن حصد وحده ثمار النصر، وثبَّت أقدامه في السلطة، تخلَّص من الزعامة الشعبية بنفي السيد عمر مكرم، مستغلاً حقد وحسد البعض لمنزلة السيد عمر مكرم، وبعدها تربَّع محمد علي منفرداً على عرش مصر لعدة عقود، حقّق خلالها نهضة يختلف المؤرخون في تقييمها، إلا أنه أسّس لحكم الفرد، وتغييب مشاركة الشعب، وأورث الحكم لنسله من بعده.
وفي عام 1881 جاءت الثورة العرابية، بعد تَوحّد مطالب الحركة الوطنية المصرية مع مطالب ضباط الجيش الوطنيين، بزعامة أحمد عرابي.
إلا أن الثورة العرابية ترددت في عزل الخديو، بالرغم من إستصدار قرار من الجمعية الوطنية بعزله، إلى جانب ترددها في في إتخاذ إجراءات حاسمة، من شأنها تغيير الأوضاع التي ثارت عليها، مثل إلغاء السخرة والرق، والقضاء على إحتكار الباشوات لمياة النيل، وحماية الفلاحين من المرابين اليونانيين، وكفالة حرية الإنتخابات للبرلمان الجديد.
هذا إلى جانب تغليب العوامل الشخصية على المصلحة الوطنية بين قادة الثورة، ونقصان الكفاءة بالإضافة إلى الأطماع الخارجية. قادت محصلة هذه العوامل إلى الهزيمة العسكرية، وإجهاض الثورة، ومحاكمة قادتها ونفيهم ووقوع البلاد في براثن الإحتلال البريطاني لأكثر من 70 عاماً. بيْد أن جذوة الحركة الوطنية لم تنطفيء بعد الإحتلال البريطاني، وإشتعلت مجدداً، على يد مصطفى كامل، مطالبة بجلاء المحتلين والإستقلال، و مهدت الطريق أمام قيام ثورة 1919. لقد قدّمت ثورة 1919 نموذجاً رائعاً للثورة الشعبية، التي جمعت الشعب المصري بمختلف فئاته، مطالباً بالإستقلال، والدستور. وحققت الثورة نجاحاً جزئياً، تمثّل في الحصول على إستقلال منقوص، بتصريح 28 فبراير 1922 ، و صدور دستور 1923، وإجراء إنتخابات برلمانية نزيهة 1924والتي رسخّت ثقافة الممارسة الديمقراطية لدى الشعب.
ولكن الإنقسام دبّ سريعاً داخل ‘الوفد’، فانشق جناحه ‘المعتدل’، وحتى المكاسب الجزئية التي تحققت كانت تصطدم دوما بالسلطتيْن الشرعية ممثلة في القصر، والفعلية ممثلة في الإحتلال، فلم يحكم حزب ‘الوفد’ صاحب الأغلبية سوى سبع سنوات متفرقات حتى قيام ثورة يوليو 1952، كما تم تعطيل العمل بدستور 1923 في نفس الفترة عدة مرات فلم يتم تطبيقه سوى عشر سنوات فقط.
وتظل نقطة الضعف الكبرى لثورة 1919 هو فشلها على الصعيد الإجتماعي، فقد قصرت التمثيل السياسي للأمة المصرية على طبقة بعينها من كبار المُلاّك الذين حالوا دون حدوث أي إصلاحات إجتماعية، من شأنها تهديد مصالحهم.
وتسبب تفاقم الأزمة الإجتماعية، إلى جانب عجز النخبة السياسية عن تقديم حل للقضية الوطنية، في قيام ثورة 23 يوليو 1952 والتي بدأت بإنقلاب عسكري، قاده تنظيم ‘الضباط الأحرار’، جاء إلتفاف الشعب حول مطالبه في تحوله إلى ثورة. قدّمت ثورة 1952 مشروعاً للتحرر الوطني خارجياً، وتحقيق العدالة الإجتماعية داخلياً، ونجحت في تفكيك بنية النظام الطبقي، عبر عدة إجراءات متتالية، مثلقانون الإصلاح الزراعي، وقوانين التأميم والتمصيراستهدفت إنشاء ‘القطاع العام’ . ولكنها على الصعيد السياسي، قدّمت نموذجاً للدولة إستبدادية بإمتياز، فقد ورثت دولة يوليو مجتمعاً مصرياً يموج بالحيوية والتنوع الفكري والسياسي، فتعاملت معه بالتجفيف والتجريف، عبر ‘نزعة أبوية’ جنحت لفرض الوصاية عليه، وتكبيل حركته، وعملت على تجميع جميع قواه في إطار التنظيم الشمولي الأوحد، مما خلق مناخاً مثالياً للإنتهازية السياسية والفكرية، أفرز طبقة منتفعة من صفوة رجال المؤسسة العسكرية، وأصحاب الشركات الصناعية، والقيادات الكبرى في البيروقراطية المصرية، عملت على عزل الدائرة الحاكمة عن الشعب، مما أدى إلى كارثة 1967. فأطاح الإستبداد السياسي بأغلب إنجازات ثورة 1952 الإجتماعية، بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، بالتحول إلى سياسة الإنفتاح الإقتصادي وإقتصاد السوق، فحال حرمان الشعب من حقه في المشاركة السياسية، دون دفاعه عن مكتسباته الإجتماعية.
وأخيراً جاءت ثورة 25 يناير، والتي لعب الشباب فيها دور ‘الطليعة الثورية’ التي تقدّمت بالفعل الثوري – بعد عجز وإفلاس المعارضة التقليدية – وسرعان ما توّحد الشعب خلفها، ليطيح برأس نظام الفساد والإستبداد والتبعية. و خلق تراجع الشباب- وقد دبّت السيولة التنظيمية والفكرية في صفوفهم- وعدم تبلور قيادة تنظيمية للثورة – فراغاً، ملأتاه الكتلتان التنظيميتان المجلس العسكري وجماعة الإخوان المسلمين إلى جانب النخبة السياسية المعارضة لمبارك، بأمراضها المزمنة، وجمودها الفكري والسياسي، وصراعاتها الدائمة.
وبالرغم من عثرات الفترة الماضية، لا تزال الفرصة سانحة أمام ثورة 25 يناير، لإستكمال طريقها وتحقيق أهدافها، ولا يكون هذا إلا بتفكيك شبكات المصالح والإمتيازات القديمة، وإعادة صياغة قواعد توزيع الثروة والسلطة في المجتمع، بما يضمن عدم إحتكار طبقة بعينها للثروة، أو إستئثار فصيل بعينه بالسلطة، وبما يحقق العدالة الإجتماعية بفتح أبواب الحراك الإجتماعي وفقاً لمعايير الكفاءة، وتكافؤ الفرص. يثبت الشعب المصري دوماً، أنه أنضج وعياً، وأسرع حركة من نخبته، التي تعاني طوال تاريخها من الإنقسام والتشرذم، إلا أن النخبة الحالية بإختلاف ألوانها الفكرية والأيدلوجية- أضافت إلى إنقسامها، أنها أظهرت إفلاساً سياسياً وفكرياً كاملاً، وعجزاً عن النهوض بأهداف المجتمع، وتلبية إحتياجاته، وإنفصالاً إدراكياً عنه، وأمثلها طريقةً من يحمل إرث مرحلة تاريخية ماضية، لم يعد يتناسب وأهداف المرحلة الجديدة.
ويبقى الأمل في هذه الموجة الشبابية العاتية، التي ألقتها الثورة في بحر الحياة السياسية، – الذي نضب منذ عقود- شريطة خروجها من حالة السيولة الفكرية والسياسية، إلى مرحلة ‘التمأسس’ في تشكيلات سياسية، وإجتماعية، تعمل على تجميع الشعب بمختلف فئاته وطبقاته، حول الأهداف السياسية والإجتماعية التي قامت الثورة من أجلها، والعمل على تحقيقها.’ كاتب مصري