لماذا تتوقف المنتديات الفكرية؟ منتدى محمد عودة نموذجا

حجم الخط
0

القاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من محمود قرني: كالعادة مع كل الراحلين توقف منتدى الكاتب السياسي الراحل محمد عودة عن ممارسة نشاطاته بنقابة الصحافيين المصريين بعد أن دأب الروائي الكبير بهاء طاهر على تفعيل هذا المنتدى بالعديد من الندوات المهمة والمؤثرة حول التاريخ المصري الحديث، الذي احتل جانبا مهما من مشروع الراحل محمد عودة، وكذلك تداول أفكار الشأن العام التي تشغل الواقع المصري.وقد تم تدشين الملتقى قبل حوالى أربعة أعوام برئاسة الروائي بهاء طاهر مع الرئيس المشارك الكاتب محمد الخولي، وكذلك الكاتب الراحل يوسف الشريف، والمهندس محمود الشامي الذي أنتج وأخرج فيلما عن حياة الراحل محمد عودة وتم عرضه بأول احتفالية عن الراحل، وكذلك شارك الدكتور حسين عبدالقادر، والسفير أمين يسري، والروائي جمال الغيطاني، والشاعر عبدالرحمن الأبنودي، والإذاعية أمينة صبري، والموسيقي العراقي المقيم بالقاهرة نصير شمة، والصحافي محمد بدر الدين والدكتورة عواطف عبدالرحمن أستاذة الإعلام بجامعة القاهرة، والكاتبة شهيدة الباز، والدكتورة مديحة دوس والدكتورة سهير فهمي، والشاعر والصحافي الراحل أحمد إسماعيل، ورئيس تحرير جريدة ‘العربي’ عبدالله السناري وقتذاك، والكاتب مجدي المعصراوي.وكان الكاتب والروائي بهاء طاهر الذي يترأس المنتدى من أشد المتحمسين له وقد عبر في أكثر من مناسبة عن سعادته بهذه الانطلاقة شديدة الحميمية، التي تعكس شكلا من أشكال التواصل الذي رسخ له محمد عودة طيلة حياته وهو صاحب الرحلة الفكرية والإبداعية والصحافية والأخلاقية العميقة، حيث كان يمثل علامة على عصر كامل. كان هدف المنتدى الأساسي هو الحفاظ على تركة محمد عودة الغزيرة والوطنية، لا سيما وأن تراثه التأليفي هذا بات غير متوافر في الاسواق، فقد نفدت معظم طبعات كتبه، ومع ذلك لم يطلب الرجل شيئا في حياته من وزارة الثقافة، وليس اقل من طبع الأعمال الكاملة لعودة لتشكل فرحة حقيقية لمحبيه وقرائه .ومع ذلك فإن مؤسسي المنتدى قدموا ـ بجهودهم الذاتية مع انطلاق المنتدى ـ كتابا تذكاريا عن محمد عودة يضم جميع ما كتب عنه من مقالات، وكذلك يضم عددا هائلا من الصور النادرة له، وكان المنتدى ينتظر عملا أكبر من أجل عودة، ربما يكون طباعة أعماله الكاملة التي ترفض وزارة الثقافة الانتباه إليها .ورغم أن مؤسسي المنتدى كانوا قد قرروا أن يكون الانعقاد الدائم والمتواتر له مساء كل أربعاء بنقابة الصحافيين إلا أن الموعد الحقيقي غير المتواتر لتلك الندوة هو الصدفة وحدها، رغم أن البداية تضمنت عددا من الندوات التي كرست للتعريف بمحمد عودة. فقد أقام المنتدى ندوات تحت اسمه تناولت الشأن العام، ويعتبر الروائي بهاء طاهر رئيس المنتدى ان مجرد إحياء اسم الكاتب محمد عودة هو دور سياسي لأن شخصيات من هذا النوع كانت تمثل منارات من المهم الا تنطفئ، وإذا استطعنا المحافظة على تراث محمد عودة سيكون ذلك هو العمل السياسي الحق، وكان طاهر يرد آنذاك على سؤال لـ’القدس العربي’ حول ما إذا كان المنتدى والمنتديات المثيلة يمكنها أن تلعب دورا مباشرا على المستوى السياسي لا سيما أن هذا المنتدى هو الثالث من نوعه الذي يشكله مثقفون وكتاب وصحافيون ذوو ميول قومية عروبية، فهناك جمعية أصدقاء احمد بهاء الدين المولود عام 1927 والمتوفى عام 1996 بعد صراع مع المرض دام ست سنوات، وهو المنتدى الذي تشرف عليه زوجته السيدة ‘ديزي’ وكذلك الاقتصادي الدكتور محمود عبدالفضيل، وتمنح الجمعية جوائز سنوية للباحثين في فروع الاقتصاد وعلم الاجتماع والسياسة، وكان بهاء الدين واحدا من ألمع الصحافيين المصريين الذين شكلوا علامة مضيئة على الطريق المهني والأخلاق مثل رفيقه محمد عودة، وإن نال بهاء الدين حظوظا وفيرة في المناصب التي تولاها، حيث كان أصغر رئيس تحرير في تاريخ الصحافة المصرية، عندما تم اختياره رئيسا لتحرير مجلة ‘صباح الخير’ عام 1957 وكان عمره أقل من ثلاثين عاما. كذلك كان بهاء الدين واحدا من المؤسسين الأوائل لمجلة ‘العربي’ الكويتية وترأس تحريرها منذ عام 1976 حتى 1982، وحتى بعد رحيل السادات الذي جمعته به علاقة وطيدة لكنها لم تدم بسبب مواقف بهاء المنددة بسياسة الانفتاح الاقتصادي التي وصفها بالعشوائية في مقاله الشهير ‘انفتاح السداح مداح’، وقد خلف أحمد بهاء الدين وراءه عددا من الكتب المهمة يأتي على رأسها ‘أيام لها تاريخ، شرعية السلطة في العالم العربي، أفكار عصرية، محاوراتي مع السادات، وفاروق ملكا’.كذلك أسس عدد من عشاق ومحبي الشيخ إمام عيسى المولود بالقاهرة لأسرة فقيرة عام 1918 والذي توفي ورحل بها أيضا في عام 1999، جمعية من محبيه لكنها ـ على ما يبدو لم تلق الاهتمام الكافي لكي تنهض بأعباء اعادة طرح أعماله بالشكل الذي يليق بمكانته.ويعد الشيخ إمام عيسى واحدا من كبار الملحنين والمنشدين الذين أحيوا الغناء الكلاسيكي وطوروا الكثير من أداءاته القرآنية والانشادية، هذا بالإضافة الى كونه أسس لما تمكن تسميته بالأغنية الوطنية الثورية، في تجربة من أندر التجارب العربية إبان عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وذلك بمشاركة الشاعر الشعبي المعروف أحمد فؤاد نجم، وقد لعب المد اليساري في مصر الدور الكبير خلف العديد من مثل هذه التجارب الفريدة، غير أن أعمال الشيخ إمام ـ بحكم طبيعتها ـ نالت إقصاء كاملا من المؤسسة الرسمية وجميع أجهزتها الإعلامية، ومن ثم ظلت التجربة أسيرة الانتقال والانتشار الضيق عبر السهرات الخاصة والحفلات الضيقة التي يرتادها مثقفون نوعيون بطبيعتهم، ولا ينتظر أن تغير المؤسسة الرسمية الحالية بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير من موقفها هذا في القريب المنظور، وهو الأمر الذي يلقي مسؤولية أخلاقية كبرى على كل المثقفين في صفوف اليسار وغيره، وتقتضي المساهمة في تحويل تراث الشيخ إمام عيسى إلى مشروع غنائي يكون في متناول محبيه في كل أرجاء الوطن العربي.وكنا نظن أن الروائي بهاء طاهر قطع علينا طريق الشك بالقول اليقين عندما أشار الى ان العمل السياسي الذي يمكن أن تنهض به جماعة محبي محمد عودة هو انعقاد المنتدى ذاته والتفاف المحبين حول مشروع الرجل، وأظن أن المعنى الواضح والقطعي هو أنه لا معنى يكمن خلف تمنطق مثل هذه الجماعة باسم محمد عودة كاستمرار للمشروع القومي برمته، لاسيما وأن محمد عودة واحد من الذين اعادوا كتابة اللحظات الفاصلة في التاريخ المصري وانتمى لصفوف القوميين العرب، ونضالات الناصريين المصريين.وقد كان محمد عودة مهتما بإعادة كتابة تاريخ مصر لأنه كان يؤمن بأن التاريخ الذي يكتبه المستعمر سيظل طريقا إلى التزييف والنقض، وهو الطريقة المثلى لتدمير ذاكرة الأمة، وقد بدا هذا الاتجاه جليا في كتابه ‘كرومر في مصر’ و’أحمد عرابي قصة ثورة’، و’كيف سقطت الملكية في مصر، فاروق بداية ونهاية’، وكذلك كتابه ‘سبع باشوات’.وقد ولد محمد عودة في عام 1920 بمحافظة الشرقية بقرية جهينة وكان والده بين أكبر تجار القطن الذين أشهروا إفلاسهم بعد الأزمة الاقتصادية والركود الذي حل بالاقتصاد العالمي في ثلاثينيات القرن الماضي.وقد بدأ عودة حياته بالعمل في المحاماة وانضم الى حزب الوفد، لكنه كان مدافعا مستبسلا عن الفقراء والفلاحين، لذلك لم يكن غريبا فيما بعد أن يكون واحدا من كبار المدافعين عن ثورة يوليو التي لم يسلم من سجونها، ضمن مجموعة الانقلاب على الثورة.وكان محمد عودة قد قرر دراسة الآداب بعد أن تخرج في كلية الحقوق واتجه الى العمل الصحافي، فخاض مشوارا مطولا مع العديد من المجلات والصحف منها روزاليوسف، المساء، الهلال، والشعب، وصباح الخير، كما ترأس تحرير جريدة الأهالي التي تصدر عن حزب التجمع الوطني حيث كان أحد مؤسسيه.سافر محمد عودة الى الهند ليعمل في الإذاعة الموجهة للعالم العربي خلفا لكامل زهيري، وقد فتحت تلك الزيارة أمامه مغاليق الشرق الأقصى، فألف كتابا عن الهند تحت عنوان ‘رحلة في قلب نهرو وصور أخرى من الهند’، كذلك أخذته همومه القومية الى كتابة عدد من الكتب عن ذات الصبغة الطليعية عن القضايا العربية، بينها كتابة ‘ثورة العراق’ ثم ‘الطريق الى صنعاء’، غير أن كتابه الأول الشهير عن ‘الصين الشعبية بعد ماو’ لاقى عنتا كبيرا من الرقابة بسبب الخوف الذي كان سائدا من نقل النموذج الثوري المادي، غير أن الرقابة أرسلت بمسودة الكتاب لعبد الناصر، حيث قضى ليلة كاملة يتصفح الكتاب، وفي النهاية وقع بقلمه بنشر الكتاب كاملا دون حذف حرف واحد منه، وقد حصل عودة على اكبر جائزة تقديرية تمنحها نقابة الصحافيين تقديرا لما قدمه عبر تاريخه الطويل.وما من شك أن ما فعله أصدقاء محمد عودة، وعلى رأسهم الكاتب الكبير بهاء طاهر كان واحدا من الاعمال التي تدعو للكثير من التفاؤل الذي كان عودة أحد دعاته وأحد المتمسكين به حتى الرمق الأخير، وهو ما يستتبع مطالبة طاهر ورفاقه بإعادة المنتدى مرة أخرى والاستمرار في مطالبة وزارة الثقافة بطبع الأعمال الكاملة لمحمد عودة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية