لندن ـ «القدس العربي»: مع نهاية فصل الصيف وربما طيلة العام الماضي، كان الاعتقاد السائد في وسائل الإعلام الإسبانية وبالأخص ما يُعرف بالمحيط الإعلامي الأبيض، بأن المدرب الإيطالي كارلو أنشيلوتي، بدأ يُحضر نفسه لإنهاء ولايته الثانية مع ريال مدريد، والأمر لا يتعلق فقط بالنهاية غير السعيدة للموسم الماضي على المستويين المحلي والقاري، بل أيضا لحالة اليقين التي كانت مسيطرة على رئيس الاتحاد البرازيلي إدنالدو رودريغيز، ومن ورائه الصحف والمواقع الرياضية الشهيرة في وطن سحرة اللعبة، بأن القيدوم الإيطالي البالغ 64 عاماً، سيكون الرجل الأول لأبطال العالم 5 مرات، بداية من كوبا أميريكا القادمة، لكن فجأة وبدون مقدمات، تهاوت أحلام السامبا، بعد موافقة الميستر كارليتو على تأمين مستقبله في قلعة «سانتياغو بيرنابيو»، إلى ما بعد العام 2024، والسؤال الذي سنحاول الإجابة عليه معا: هو لماذا رفض أنشيلوتي البرازيل وتمسك بالبقاء في الريال؟ رغم تصريحاته السابقة عن رغبته في تحويل نشاطه التدريبي إلى عالم المنتخبات وكرة القدم الدولية.
فلاش باك
يتذكر جمهور النادي الملكي حالة الركود التي كان عليها النادي في فترة ما قبل ضربة بداية الموسم الحالي، حين جاءت الصدمة الأولى من القائد السابق كريم بنزيمة، بإصراره على الاكتفاء بما قدمه للفريق وبدء مرحلة جديدة مع اتحاد جدة السعودي، ضمن كوكبة النجوم والمشاهير، التي هاجرت من أوروبا إلى جنة الكرة الجديدة، بجانب المخاوف الكبيرة على مستقبل الوسط، مع وضوح ملامح الشيخوخة الكروية على الثنائي لوكا مودريتش وتوني كروس، وقلة الثقة في الأسماء الشابة التي تترواح أعمارهم بين 20 و24 عاما، كأن الأمور كانت تتهيأ لخروج كارلو وبداية عهد جديد مع مدرب آخر يتناسب مع مرحلة إعادة البناء، لكن كما علمتنا التجارب في اللعبة الشعبية الأولى عالميا، أنه عادة لا تسير الأمور كما هو مخطط لها، بدأ المشهد في التغير بعد رسائل أنشيلوتي الواضحة في أغسطس/آب الماضي، بشأن التزامه ورغبته في البقاء في منصبه مع الريال لسنوات أخرى، وكان ذلك تزامنا مع نظام العمل أو إستراتيجية اللعب الجديدة التي ابتكرها في الجولة التحضيرية للموسم، منها لإيجاد حلول جديدة من خارج الصندوق لتعويض حصيلة أهداف بنزيمة، ومنها أيضا لتحقيق الهدف المنشود، وهو المضي قدما في تحقيق الانتصارات واستكمال بناء مشروع العقد بالطريقة المتفق عليها، وبحلول ديسمبر/كانون الأول الماضي، تلقى المدرب الستيني، البشرى السارة من الرئيس فلورنتينو بيريز، بالموافقة على تمديد عقده لثلاثة مواسم أخرى، موجها صفعة قوية للمسؤولين عن المنتخب البرازيلي، ربما لتراجعه عن فكرة التوقف عن تدريب الأندية، وربما لشعوره بأن الأجواء أو الوقت غير مناسب لقيادة منتخب السحرة، مع وصول وطن بيليه ورونالدو الظاهرة ورونالدينيو إلى واحدة من أسوأ فتراته في العصر الحديث، كما يبدو واضحا من خلال سلسلة النتائج المحطمة لآمال عشاق السامبا في كل بقاع الأرض منذ رحيل المدرب السابق تيتي، آخرها التجرع من مرارة الهزيمة للمرة الأولى في تاريخه في مباراة على أرضه ضمن التصفيات المؤهلة لكأس العالم، وكانت على يد بطل العالم اللدود المنتخب الأرجنتيني في توقف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أو أن الرجل لديه رغبة حقيقية في الاستمتاع بوقته مع أشهر فريق كرة قدم في العالم لأطول فترة ممكنة.
تجاوز الاختبار
لا شك أبدا، أن الأمور تعقدت على الريال أكثر من أي وقت مضى بعد رحيل بنزيمة والتأخر الجديد في وصول كيليان مبابي، رغم الضجة الكبيرة التي أثيرت حول مستقبله مع باريس سان جيرمان طوال فصل الصيف، على خلفية ما قاله عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، بشأن رغبته في الرحيل عن «حديقة الأمراء» بعد انتهاء عقده مع أول ساعات يوليو/تموز القادم، لكن الشيء المثير للدهشة والإعجاب، أن الميستر كارليتو، لم يتأثر أو ينزعج بخطط الإدارة أو بعملها في الميركاتو الصيفي، حتى بعد قرار فلورنتينو بيريز بتجميد المفاوضات مع مبابي إلى أن يظهر حسن النية والولاء للميرينغي، وصرف النظر عن فكرة التوقيع مع مهاجم من الطراز العالمي من نوعية فيكتور أوسيمين أو هاري كاين أو كولو مواني، في المقابل جاء المهاجم المغمور خوسيليو من إسبانيول على سبيل الإعارة لمدة موسم، ورغم ذلك، بالكاد لا يشعر أحد في الوقت الراهن، أن الفريق يعاني من دون المهاجم الصريح رقم 9، والفضل يرجع إلى عبقرية توظيف المدرب للأسماء المتاحة في قائمته، ولعلنا نتابع من مباراة لأخرى، مدى تطور الثنائي البرازيلي فينيسيوس جونيور وردريغو غوس في التأقلم على مركزهما الجديد، كثنائي هجومي في طريقة 4-3-1-2، وخلفهما الموهوب الإنكليزي جود بيلينغهام، في مركز صانع الألعاب الحر أو رأس مثلث هجومي مقلوب بحسب انتشار فيني وغوس في دفاعات الخصوم، دليلا على مرونة المدرب وقدرته على التكيف مع مختلف الظروف، بعد انتهاء صلاحية أسلوبه المفضل 4-3-3، في ظل عدم وجود مهاجم صندوق رقم 9، إلى جانب إشكالية الاستقرار على ثلاثي وسط يجمع بيلينغهام واثنين من الخماسي توني كروس ولوكا مودريتش وفيدريكو فالفيردي وأورلين تشواميني وإدواردو كامافينغا، والتي تغلب عليها بذاك الحل السهل والبسيط، بالاعتماد على القادم من بوروسيا دورتموند أعلى الملعب وعلى مسافة قريبة من ثنائي الهجوم، لتبقى دائما المفاضلة بين 4 لاختيار 3 أسماء في وسط الملعب، ليتحول ذاك الفريق المدريدي الذي كان يبدو موهوبا لكن غير متوازن، إلى منظومة جماعية يصعب التعامل معها أو إيقافها، وبنسخة مغايرة لما كان عليها الفريق في الموسم الماضي، دليلا على أن أنشيلوتي لا يتميز فقط بثقافته وعلاقته الوطيدة باللاعبين، بل أيضا واحد من خبراء وأساتذة التكتيك في أعلى مستوى تنافسي في اللعبة.
نسيان الصداع
بالإضافة إلى ما سبق، لم ينس الرئيس فلورنتينو بيريز، نجاح أنشيلوتي وبراعته في تخطي أزمة النقص العددي الحاد في مركز الدفاع وحراسة المرمى، بعد فقدان حامي العرين تيبو كورتوا في بداية الموسم بداعي إصابته في الربط الصليبي، وتبعه البرازيلي إيدير ميليتاو، بانتهاء موسمه مبكرا، لتعرضه لنفس الإصابة، التي لحقت مؤخرا بقلب الدفاع الثاني الأساسي ديفيد آلابا، مع ذلك، لم يحدث ذلك الانهيار المحتمل لأي فريق آخر في هكذا موقف، بل حتى الآن، تبدو وكأن الأمور على ما يرام، مع حفاظ الحارس كيبا، القادم من تشلسي على سبيل الإعارة، والأوكراني أندري لونين، على الحد الأدنى من الأخطاء في تنافسهما الإيجابي للانفراد بالعرين الملكي قبل عودة أفضل حارس في العالم من الإصابة، إلى جانب الصعود اللافت للألماني روديغر، بعودته إلى مستواه المميز الذي عليه تحت قيادة مواطنه توماس توخيل في تشلسي، ما جعل الدفاع الأبيض يبدو بهذه القوة، خاصة في حملة البحث عن استعادة لقب الليغا، باستقبال الشباك لما مجموعه 13هدفا في 20 مباراة، ضمن أقوى 3 خطوط دفاع في الدوريات الأوروبية الكبرى في النصف الأول من الموسم، منها 3 أهداف في مباراة دربي مدريد، التي خسرها أنشيلوتي وكتيبته بنتيجة 3-1، تلك المباراة التي قال عنها المدرب المدريدي مقولته المأثورة «لم نبدأ بشكل جيد ولم ندافع بشكل جيد، عندما تقدموا 2-0، لعبوا المباراة التي أرادوها، لقد كان أداء الأتليتي أفضل منا في هذا الصدد، وعندما لا يقوم الفريق بما يجب عليه فعله، فهذه مسؤوليتي.
أنا أتحمل ذلك»، لتنقلب بعدها الأمور رأسا على عقب، وتجلى ذلك في سلسلة اللا هزيمة التي امتدت لنحو 21 مباراة على التوالي، والتي شملت الفوز على الغريم الأزلي برشلونة مرتين، الأولى في كلاسيكو الدور الأول لليغا، والثانية في نهائي الكأس السوبر منتصف هذا الشهر.
ولولا الهزيمة أمام نفس المنافس العاصمي في دور الـ16 لكأس ملك إسبانيا، لظل أنشيلوتي ورجاله يقاتلون على كل الجبهات، لكن إذا عادت سلسلة اللا هزيمة مرة أخرى، ستكون فرصهم قوية في استعادة لقب الليغا، بالرغم من التأخر عن الحصان الأسود جيرونا بنقط واحدة في الصراع على الصدارة، وهذا يرجع إلى فارق الخبرة والممارسة بين الريال وبين فرع مجموعة «سيتي غروب» في الليغا، إلا إذا أراد الأخير محاكاة معجزة ليستر الشهيرة في البريميرليغ عام 2016، وغيرها من الأسباب والتفاصيل البسيطة، التي جعلت أنشيلوتي يتوافق مع الإدارة المدريدية لتجديد عقده لمدة 3 سنوات، منها أخذ الريال إلى عصر جديد، بعد اكتمال اللمسات الأخيرة على مشروعه، مثل خطف ألفونسو ديفيز من بايرن ميونيخ والتسلح بالموهوب البرازيلي إندريك ولم لا يأتي المدمر كيليان مبابي بموجب قانون بوسمان هذا الصيف، رغم أنه عمليا وبلغة الأرقام، لم يعد الريال بحاجة لخدماته كما كان في السابق، وكل ما سبق، لبناء فريق يحاكي جيل «العاشرة» الذي بدأ مرحلة الانفجار الكروي مع الميستر كارليتو، فهل يا ترى سيحقق آماله وتطلعاته المشتركة مع الريال في السنوات القادمة؟ أم يندم على رفض البرازيل حال انقلب عليه الرئيس بيريز مع أول تعثر كما فعلها مع قائمة عريضة من قبل؟ دعونا ننتظر.