لماذا تجرأ النظام الجزائري على تزوير ارادة الشعب؟

حجم الخط
0

علي بوحامد قد نكذب على ذواتنا كذبة مركبة إذا اعتقدنا أننا حقيقة كنا ننتظر من النظام انتخابات حرة ونزيهة تسمح للصندوق بأن يصدح عاليا بصوته ويعطي الحكم لمن وثق فيه وائتمنه على إرادته، فجل الأحزاب انخدعت بديكورات النظام وسرابه وشاركت في تكريس بقاء النظام وشرعنته سواء كان ذلك بحسن نية، عفوا بسذاجة، أو سوء نية وتدبير… ولعل الهاجس الاقليمي والدولي وتداعيات الربيع العربي كان لها أيضا تأثير على تفكير الأحزاب الجزائرية وطريقة رسم استراتيجيتها الانتخابية سواء بالنسبة للأحزاب ذات التوجه الاسلامي أو الاحزاب ذات التوجه اللبرالي و الاشتراكي فبالنسبة للأولى فقد رأت في وصول الاسلاميين للحكم في كل من تونس ومصر والمغرب مخيالا لتكرار التجربة في الجزائر بطريقة جزائرية سلمية وهادئة مدعومة (مخدوعة) في ذلك بخطابات الســــلطة التي وعدت بالتغيير وتمكين جيل الاستقلال من أن يتبوأ مكانه ومنزلته أما الأحزاب اللبرالية والاشتراكية فقد تأثرت بنفس التداعيات ولكن بطريقة تفكير عكسية هادفة من وراء مشاركتها في الانتخابات التشريعية إلى الوقوف في وجه إمكانية وصول الاسلاميين للحكم في الجزائر من خلال ترويج خطاب الرجعية وماضي العنف سنوات التسعينات وهو نفس الخطاب الذي انتهجه حزبا السلطة (RND و FLN)، وبذلك تلتقي أحزاب السلطة وبالمعارضةب في الخطاب المنفر من الاسلاميين.

ولكن قد يتساءل البعض منا وربما كلنا: كيف للنظام الجزائري أن يتجرأ على تزوير إرادة الشعب وتحويل أصواته لخدمة حزبي السلطة؟ ضاربا عرض الحائط بكل التهديدات التي يمكن أن تعصف بالبلد من جراء الاحتقان الشعبي في عديد الجبهات الاجتماعية وكذا من نتائج الربيع العربي الذي مس دولا اقليمية مجاورة وإمكانية أن تصل رياحها للجزائر؟

ربما في هذا الإطار نستطيع أن نضع عدة أسباب تصب كلها في خانة الرؤية الذكية والماكرة في نفس الوقت للنظام الجزائري والتي جعلته في أريحية من أمره للقيام بتزوير التشريعيات والمرور بالظرف الحساس للجزائر لبر الأمان الذي يرتضيه هو ومن هاته الأسباب نذكر:

العشرية الحمراء:

لعبت سنوات الجمر الحمراء التي مرت بها الجزائر دورا هاما في التأثير على تفكير الجزائريين تجاه أية خطوة يمكن أن ترجعهم لماضي التسعينات، او تذكرهم بها حتى، لأن ماعاناه الجزائريون خلال هذه الفترة لا يمكن أن ينسى بسهولة، وقد وعى النظام ذلك واستغله بشكل خبيث مما زاد في اطمئنانه من أن أية خطوة يقوم بها لا يمكن أن تؤدي إلى الفوضى أو إلى الثورة بالمفهوم الراديكالي حتى لو كانت تمس بمصير الجزائريين ومستقبلهم فذلك الماضي بلور في نظر النظام اجدارا عازلاب ومناعة لأي محاولة أخرى للتغيير دون رضاه.

هامش التعددية والحرية الزائف:

استطاع النظام الجزائري أن يستفيد من تمكين الأحزاب من العمل السياسي وحول ذلك لصالحه خصوصا في السنة الأخيرة حيث كان لرياح التغيير التي هبت على بعض الدول العربية ذات الأنظمة الشمولية الأثر البالغ في تصاعد النقاش بخصوص إمكانية وصول هاته الرياح إلى الجزائر خصوصا وأن عديد النقاط المشتركة بين تلك الانظمة والنظام الجزائري تقول بإمكانية حصول ذلك، ولكن هامش الحرية المتاحة للجزائريين وابتعاد الأجهزة الأمنية عن التدخل في حياتهم جعل عديد الأصوات تتعالى بأن وضع الجزائر مختلف تماما عن وضع بلدان الربيع العربي وأن ربيع الجزائر مرت عليه 24 سنة أي منذ أحداث 5 أكتوبر 1988، وبالفعل فقد كان المشهد السياسي الجزائري ولازال يظهر بأن هناك تعددية سياسية ممثلة في نشاط الأحزاب بشكل قانوني وبدون مضايقات وحرية معتبرة للتعبير تجسده عديد الصحف ذات المشارب المتنوعة، رغم افتقار هذه التركيبة للمشهد السياسي، افتقارها لمفهوم التداول السلمي على السلطة وهو ما يعطي انطباعا واضحا أن هذا المشهد ماهو إلا ديكور لديمقراطية صورية زائفة، ولكنه -ورغم ذلك- جعل الجزائريين وبتأثير خطاب السلطة وأزلامها يرون اختلافا واضحا بين الجزائر وغيرها من بلدان الربيع العربي وهو ما دفع النظام للتأكيد بأن الجزائر ستكون الاستثناء في كل ما يحدث.

سياسة بالونات الاختبارقد لا يربط العديد منا بين ما حدث في الجزائر من انتفاضات على مستوى الجبهة الاجتماعية والاحتــــقانات التي شهـــدناها خـــلال السنتين الماضيتين وقبل حتى بداية هـــبوب رياح الربيع العربي كانتفاضة السكر والزيت ( وإن كانت التســـمية تشير لوجود أياد خفية تريد حصرها في هذا الإطار) وكذلك أزمة السيولة وغيرها وبين تخطيط النظام لتزوير الانتخابات التشريعية، ولا يخفى أن كل الأنظمة السياسية تتـــعامل بســـياسة بالونات الإختبار ولكن وفي غالب الدول الديمقراطية تسعى من وراء تطبيقها لمعرفة رغبات المواطنين وتوجهاتهم تجــاه بعض السيــاسات، ولكن في دول العالم الثالث والجزائر خصوصا فإن هذه السياسة تهدف لجس نبض الجزائريين حول مدى سكوتهم عن القهر والتفقـــير الممنهج وكذا مدى قدرتهم على احتمال الظلم وتجـــرع كؤوس اليأس بابتسامة وقد نجح النظام الجزائري في تطبيـــق التجربة التي أكدت له أن إمكانية الانتفاضة العامة مستبعد تماما فأنى له أن لا يتجرأ.

استغلال تداعيات الربيع العربياستطاعت شعوب الدول العربية الثائرة أن تزيح الانظمة الشمولية التي ربضت على صدورها وإن بسيناريوهات مختلفة ومأساوية في بعض الدول مثل ما حدث في ليبيا وبأقل حدة ما حدث في اليمن وما يحصل الى اليوم في سوريا، وقد عمل النظام على ترويج فزاعة الخوف من التغيير الشعبي بالاستناد إلى مستويات العنف التي وصلت إليها هذه الثورات، وكذا الترويج لتخويف الجزائريين من تدخل النيتو، الذي ينتظر فقط بداية الثورة في الجزائر وقد حلل الجزائريون هذا الخطاب بخلفيات سنوات التسعينات التي تكلمنا عنها سالفا فكان أن انساق معظم الجزائريين وحتى بعض المثقفين منهم إلى هذا الطرح ونجح النظام في في لعبته كما هي العادة في كل مرة.

رشوة الجبهة الاجتماعيةاستغل النظام الجزائري الوفرة المالية التي حصلها من جراء الارتفاع المعتبر في أسعار النفط في توزيع الاموال بشكل غير مدروس على عديد الجبهات الاجتماعية المنتفضة محاولا اسكاتها بهذه الرشى، ولكن الغريب في كل هذا أنه استطاع إطالة أمد الاحتجاجات إلى ما بعد التشريعيات في قطاعات: الحرس البلدي، الأطباء، التربية والتعليم وغيرها بطريقة ذكية بحيث يحاور فيها النقابات التي تمثلهم ويعطيهم وعودا بحل مشاكلهم. وهذا أدى بهــــاته القطــــاعات إلى الوقـــوع في الفـــخ من حيث تدري أو لا تدري وتفضيلها التصــــويت للاستـــمرار حتى لا تضيع منها المسترجعــــات (les raels) وبذلك نجحــت صفــــقة النظام في رشوة هذه القطاعات أو على الأقل جزء هام منها.

خبرة النظام:

لعبت خبرة النظام في التزوير الانتخابي دورا مهما في غلق اللعبة السياسية من خلال ترتيب نتائجها بشكل يعطيه الأريحية في كل مرة، واستطاع الاستفادة من كل تجربة تزوير وتحسين أدائه، فكان في هاته المرة أن العبها صحب وتمكن من تزوير الانتخابات كليا قبل يوم الاقتراع من خلال اعطائه الضوء الاخضر بتأسيس الأحزاب قبل شهر فقط من تاريخ التشريعيات وبذلك تمكن من ارضاء الجبهة السياسية وفي نفس الوقت توريطها من حيث لا تدري في تشتيت الهيئة الناخبة على أكثر من 40 حزبا؛ لتفعل الـ 5′ فعلتها بطريقة قانونية خصوصا وأن تطبيقها في قانون الانتخابات عندنا يتم على المستوى الولائي وليس على المستوى الوطني كما في باقي البلدان الديمقراطية. كما أن الاعتراض الهزيل للأحزاب على تسجيل اعداد كبيرة من الجيش خارج الآجال القانونية أنقذ النظام من احراج كبير لو تم ذلك بطريقة أكثر حدة وبذلك نرى أن النظام زور الانتخابات كليا قبل حتى بدايتها واستطاع كما في كل مرة أن يصفع الأحزاب الجزائرية على نفس الخد.

وفي الاخير نقول أن من أمن العقاب أساء الأدب وقد أمن النظام السياسي الجزائري عقاب أحزابه السياسية ونخبه وشعبه فاستمرأ التزوير وأساء الأدب بطريقة فجة، وما علينا خلال هاته السنوات الخمسة القادمة إلا أن نتجرع من نفس الكأس الذي نتجرعه في كل موعد استحقاقي فمتى علينا أن نرفض الاحتساء من كأس النظام ونكسره في وجهه؟ اترك الإجابة لكم.’ أستاذ العلاقات الدولية بجامعة قاصدي مرباح ـ ورقلة ـ الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية