لماذا تحولت العيون والقلوب عن القدس؟!

حجم الخط
0

ليس الاحتلال الصهيوني بحاجة الى ذريعة لاستمرار مكائده ولا ينتظر فرصة ولا يعمل خلسة في غيبة من اهتمام العرب أو انشغالهم فهو يعلم بالتجربة ان غضبة العرب، ان حصلت، لإخوانهم ومقدساتهم موسمية وقتية محدودة الأثر وهو يقابل ردود الفعل المتواضعة بخطط طويلة الأمد تُنفذ على مراحل دون مبالاة بقوانين دولية أو انسانية!! تقرير حال القدس 4 الذي يغطي أواخر العام الماضي، الذي انشغل العرب فيه بربيعهم سواء بالفعل والتغيير في الدول التي طالها التغيير أو بالفرجة والمساندة والانتظار في الدول التي لم تصلها الثورات، يبين قيام العدو الصهيوني بحملات تهويد واسعة النطاق، فعلى الجانب الاستيطاني يظهر التقرير أن الاحتلال أقر بناء ما يزيد على 300 وحدة استيطانية وكشف التقرير عن مخطط لبلدية الاحتلال في القدس لبناء ما يزيد على 60 ألف وحدة سكنية خلال العشرين عاما المقبلة،88 ‘ في شرقي القدس، والغريب أن هذه المشاريع وهذا البناء مستمر برغم المطالبة باستمرار المفاوضات وتجاوز ملف الاستيطان مع ليونة واستعداد المفاوض الفلسطيني للقبول بذلك!

و في الوقت الذي نجحت فيه الهبة الشعبية في كل من الأردن ومصر ومناشدة الهيئات الدينية وتحرك الحكومة الأردنية بوصفها المشرفة على المسجد الأقصى وأوقافه في تأجيل هدم تلة الغاربة وجسرها المؤدي الى قلب المسجد الأقصى الا أن اسرائيل استصدرت قرارا قضائيا يمكنها من ذلك وقد تعمد الى تنفيذه في أي وقتأما على صعيد مشروع تهويد القدس والأحياء المحيطة بالمسجد الأقصى فقد قررت الحكومة بناء مجمع سياحي في سلوان جنوب المسجد الأقصى وأعلنت عن خطتها في توسيع مستوطنة غيلو جنوب القدس ببناء 500 وحدة سكنية جديدة وهذا يأتي ضمن الرؤية الصهيونية للقدس كعاصمة وحيدة وموحدة لدولتهم يلخصها حديث نتنياهو أمام الكنيست ‘ نحن نبني في القدس لأنه من حقنا والتزامنا، وليس عقابًا، بل كحق أساسي لشعبنا في البناء في عاصمته الأبدية’. أما على الصعيد الإنساني فقد زاد الاستهداف المتواصل للفلسطينيين وبرزت محاولات بعض النواب الاسرائيليين استصدار قانون يمنع رفع صوت الآذان في الأماكن والأحياء المختلطة التي يسكنها مسلمون ويهود وبالذات البلدة القديمة في القدس، وبرر ممثلو دولة الاحتلال موقفهم بالحرص على راحة مواطنيهم وعدم إزعاجهم وإخافتهم والتماهي مع الموقف الأوروبي السابق الى هكذا خطوات! وكذلك سجلت الفترة التي يغطيها التقرير وتيرة متزايدة في الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون في إطار العمليات الانتقامية التي تعرف بحملات ‘جباية الثمن’ أو ‘فاتورة الحساب’. إذ تعرّض المقدسيّون لأكثر من 4 حوادث مسجّلة من اعتداءات مجموعات المستوطنين تحت مسمى هذه الحملة الانتقاميّة كان أبرزها إشعال مجموعة من المستوطنين النار في مسجد عكاشة ما أدى إلى احتراق الجدران الخارجية للمسجد التي ترك عليها المعتدون شعارات معادية للعرب والمسلمين ومسيئة للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم). وغالبًا ما يبقى الفاعلون مجهولون وإذا قبض عليهم شكليا لا ينالون العقاب.

و على المستوى الاقتصادي يظهر التقرير وصول معدلات الفقر في شرقيّ القدس إلى مستويات قياسيّة غير مسبوقة إذ زادت نسبة الفقراء بين السكان العرب في مدينة القدس بنسبة 12′ عمّا كانت عليه عام 2008، أيّ أنّها بلغت حدًّا يُقارب 75′ من إجماليّ سكّان القدس وذكر التقرير أنّ ما يُقارب 84′ تقريبًا من الأطفال العرب في القدس فقراء، فيما بلغت نسبة البطالة حوالي 22′. إنّ هذه الأرقام تعني وجود أكثر من 180 ألف فقير في القدس المحتلّة جلّهم من الأطفال يحصلون على دخلٍ أقلّ من الحدّ الأدنى.

أمّا قضية نواب القدس ووزيرها السابق فقد شهدت المزيد من تمادي الاحتلال إذ قررت المحكمة العسكرية إبعاد النائب المقدسي أحمد عطون إلى مدينة رام الله وتبع ذلك هدم خيمة الاعتصام واختطاف النائب محمد طوطح والوزير خالد أبو عرفة تمهيدا لمحاكمتهما بتهم ملفقة وابعادهما عن القدس لتفريغها من سكانها ومن الشخصيات القيادية. و لم يعد الصراع على القدس بين الطرف الفلسطيني العربي والاسرائيلي بل دخلت القوة العظمى أمريكا الى الدائرة وأصبح الحصول على رضى اللوبي الصهيوني الأمريكي من قبل المتنافسين الرئاسيين يقتضي بالضرورة إقرار ودعم مشاريع التهويد ويهودية الدولة.

و في ظل الخطورة والتهديد المستمر للقدس والمسجد الأقصى نتساءل: هل نحتاج الى اقتحام جماعات متطرفة للمسجد حتى تعود القدس ومقدساتنا الى صدارة اهتمام المشهد الإعلامي والسياسي والشعبي؟! وهل القدس والمسجد الأقصى مجرد خبر اعلامي يسترعي انتباهنا إذا حضر وتغيب إذا غاب؟! الأ ندرك أن هناك مشاريعا تهودية تحصل فوق الأرض وتحت الأرض دون أن نراها أو نأبه لها قد تتعاظم يوما ما، لا سمح الله، حتى يبلغ الاسرائيلييون غايتهم في هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل؟!

لا بأس أن يتهم العرب بتحرير أوطانهم من ربقة الاستبداد الذي استعبدنا أكثر من الاحتلال بل جعلنا فريسة له بشرط أن تتوجه الأنظار والقلوب والطاقات قبل وأثناء وبعد ذلك نحو مشروع الأمة العربية والإسلامية الأكبر في تحرير فلسطين والمقدسات، فقد قام أبو بكر بإيقاف جيوش الفتح كلها وأرسل الى خالد بن الوليد يستحثه على الإسراع الى الشام لفتح بيت المقدس وجاء في رسالته’ والله لقرية من قرى الأرض المقدسة يفتحها الله علينا أحب إلينا من رستاق من رساتيق العراق’، وكذلك فعل صلاح الدين الأيوبي الذي وحد مصر والشام وانطلق بأهل البلدين نحو الفتح المقدسي العظيم. و عزاؤنا وبشرانا أن صناع الثورات وأبطالها لم ينفكوا يذكرون القدس وفلسطين في شعاراتهم وبعد انتصاراتهم ويعدونها بالعودة والتحرير ‘ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا’. د.

ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية