لندن – “القدس العربي”: تفنن ملك الغرينتا أنطونيو كونتي، في إثارة الجدل واللغط حول مستقبله مع الإنتر، بتصريحات تفوح منها رائحة التمرد والعصيان في وجه مجلس إدارة النادي بوجه عام، والرئيس ستيفن جانغ على وجه الخصوص، في حديثه مع الصحافيين بعد الفوز على الحصان الأسود أتالانتا بهدفين نظيفين في الجولة الختامية للدوري الإيطالي. ذاك الانتصار الذي ضمن للأفاعي وصافة الكالتشيو للمرة الأولى منذ تسع سنوات.
ماذا حدث؟
من الصعب التشكيك في نجاحات كونتي وبصماته مع فرقه، لكن ما يميزه بعيدا عن ذلك، شخصيته الحماسية لحد الجنون، ويظهر ذلك بوضوح في شغفه وردود أفعاله أثناء المباراة، خاصة في انفعالاته على قرارات الحكام العكسية أو في احتفالاته بأهداف فريقه، حيث يركض خارج الخطوط وكأنه صاحب الهدف، وأشياء أخرى يسرق بها الكاميرات، وتجعله بطلا في أعين مشجعي فريقه، حتى مع الصحافيين، وعادة ما يضيف البهجة والمرح في المؤتمرات الصحافية الروتينية قبل المباريات وبعدها، إلا في حالات نادرة، إما لانتقاد لاعبيه على الملأ أو لتمرير رسالة إلى الإدارة. وهذا ما فعله الأسبوع الماضي، باغتنام الفرصة بعد إنهاء الموسم في المركز الثاني، لتسوية وتصفية حسابات لم يتوقعها أحد مع الرئيس ستيفن جانغ وأصحاب القرار في قلعة “جوسيبي مياتزا”، بقوله: “كان عاما صعبا على المستوى الشخصي، صعبا للغاية، لا أفكر بأن اللاعبين رأوا أن عملهم قد تم الثناء عليه بما يكفي، ولا أعتقد أن عملي كذلك حصل على ما يكفي من ثناء، وجمعيا حصلنا على حماية قليلة للغاية من النادي، تطورنا على كافة الأصعدة، بما فيها خارج الملعب، والنادي الكبير يجب أن يحمي لاعبيه أكثر، سنناقش الأمر بالكامل في نهاية الموسم، يجب أن أقابل الرئيس جانغ وهو في الصين الآن”.
فك رموز الضجة
صحيح أن المدرب الإيطالي رفض التصعيد بعد هجومه الناري على الرئيس ومجلس الإدارة، كما وضح في تصريحاته التي سبقت مواجهة خيتافي في الدوري الأوروبي، فيما وصفته شبكة “سكاي سبورتس” بـ”الهدنة المؤقتة” بين كونتي وجانغ، لكنه فتح الباب على مصراعيه للتكهن حول مستقبله مع الأفاعي، والسؤال الذي يفرض نفسه وأصاب المشجعين بالذهول والحيرة: ما الذي أثار غضب المدرب بهذه الطريقة؟ الشيء المؤكد أنه ليس معترضا على عمل المدير الرياضي بيبي ماروتا، الذي دعمه بكوكبة من الصفقات التي ساهمت في الارتقاء بجودة الفريق، سواء في الميركاتو الصيفي أو في منتصف الموسم، لكن غضبه في المقام الأول من ضعف أصحاب القرار في النادي، على عكس المنافس المباشر يوفنتوس، الذي يجد دعما بلا حدود من رئيسيه أندريا أنييلي، المتواجد باستمرار الى جانب اللاعبين والمدرب ساري، فضلا عن نفوذه وشهرته الطاغية داخل المؤسسات الأوروبية، بحكم منصبه كرئيس للرابطة الأوروبية القوية للأندية، التي تبحث عن مصالح فرق القارة، بينما جانغ، فأقل ما يُمكن قوله، إنه ليست له علاقة بهذه الأمور، فقط يحتفظ بمسمى رئيس النادي أو مالكه، لكن على أرض الواقع، لا يكترث إلا لعمله الأساسي في شركة “سونينغ”، باعتباره نجل الرئيس التنفيذي للشركة العملاقة المتعددة الجنسية، حيث يقضي جُل وقته في الصين وبدرجة أقل أمريكا، ولهذا تعمد كونتي التهكم عليه، بالإشارة إلى أنه ينتظر وصوله من بكين، عندما يتذكر أن لديه مشروعا مع فريق اسمه الإنتر.
الوزن السياسي
عندما قال كونتي: “يجب أن يكون الإنتر قويا على أرض الملعب، لكن بشكل خاص في الخارج”، كان يقصد ضعف الوزن السياسي للنادي داخل مؤسسات كرة القدم في إيطاليا، على خلفية موقف الإدارة الضعيف في التعامل مع روزنامة مباريات الفريق في فترة ما بعد كورونا، بمنح يوفنتوس ساعات راحة أكثر من النيراتزوري، وحدث ذلك ثلاث مرات على التوالي. كما قال في يوليو/تموز: “جدول مباريات مجنون، ما زلنا نلعب في تمام الساعة 9.45 مساء، فيما يحصل منافسنا على راحة أكثر منا، وهذه الراحة تصنع الفرق في مثل هذه الظروف”، بالإضافة إلى ذلك، أراد وضع يديه على صداع الحد الأدنى من تواصل الإدارة معه ومع اللاعبين، لاعتقاده بأنه يحارب وحيدا للدفاع عن طاقمه ولاعبيه، أو بالأحرى يشعر بأنه في واد والرئيس وأصحاب القرار في واد آخر، وهذا لا يؤثر فقط على شخصية النادي وثقله السياسي في القرارات التي تصب في مصلحته، بل أيضا على الهدف المنشود، الذي وافق من أجله على تولي قيادة الفريق، بإنهاء سيطرة السيدة العجوز على لقب الدوري الإيطالي، وهذا في حد ذاته يعكس اعتراض ورفض أنطونيو لسياسة الإنتر والطريقة التي يُدار بها، وبالتبعية أعطى وسائل الإعلام فرصة على طبق من فضة، لإثارة الشكوك والقيل والقال حول مستقبله مع الإنتر الموسم المقبل، أو على الأقل حتى نهاية عقده الممتد حتى منتصف العام بعد المقبل.
طلباتك أوامر
لاحظنا أن رئيس النادي استجاب لكونتي في اليوم التالي لصيحة الإنذار، بالموافقة على عقد اجتماع طارئ بعد الانتهاء من اليوروبا ليغ، وهذا يرجع في الأساس لقوة موقف المدرب، الذي أعاد جزءا كبيرا من هيبة الأفاعي، بطريقة أقرب ما يكون لعهد طيب الذكر جوزيه مورينيو، بدليل نجاحه في جمع 82 نقطة، نفس عدد النقاط التي جمعها “سبيشال وان” في موسم الثلاثية التاريخية، غير أنه ختم الموسم بفارق نقطة يتيمة عن كريستيانو رونالدو ورفاقه، تأكيدا على أنه يمثل خطرا على خطط اليوفي في الاحتفاظ باللقب أكثر من تسع سنوات، بقليل من التدعيمات والابتعاد عن لعنة الإصابات، التي حرمته من العديد من اللاعبين المؤثرين في قوامه الرئيسي لفترات طويلة على مدار الموسم، منهم على سبيل المثال لا الحصر سينسي وباريلا وأليكسيس سانشيز، والشيء الأكثر أهمية، بصمته الواضحة على التغير الحاصل في عقلية اللاعبين وشراستهم وروحهم القتالية داخل المستطيل الأخضر، وهذا بحق، أمر افتقدته الجماهير لسنوات طويلة، وهذا يكفي لفهم سبب انقلابه المفاجئ على الرئيس، أو بمعنى آخر، ملاحظة ذكاء المدرب، باختيار توقيت شبه مثالي لاستغلال موجه العالي المدعوم من الجماهير، لتنفيذ طلباته، بالمقولة الشهيرة “طلباتك أوامر يا أفندم”، لاستحالة الإقدام على خطوة طرده، فبعيدا عن الخوف من رد فعل الجماهير، فهو حرفيا سيكبد الخزينة نحو 150 مليون يورو، قيمة الشرط الجزائي المنصوص عليها في عقده، الذي يضمن له حوالي 12 مليون يورو شهريا حتى يومه الأخير في معقل النيراتزوري.
وبجانب ذلك، ما زال النادي يتحمل تكاليف فسخ عقد المدرب السابق لوتشيانو سباليتي، الذي قاد الفريق للوصول إلى دوري الأبطال في موسمه الأخير، وفي زمن ما بعد كورونا، حيث يعيش النادي في مأساة اقتصادية كباقي خصومه المحليين والقاريين، سيكون من الصعب بل شبه مستحيل الإقبال على خطوة إقالته في هذا التوقيت، لذا، في الغالب، سيخرج المدرب منتصرا من هذه المعركة، بإحداث ما يمكن وصفه “إعادة هيكلة” داخل النادي، ليحقق رغبته، بإيجاد الدعم اللازم من أعلى منصب في النادي، ليكون قويا بما فيه الكفاية لمناطحة اليوفي في صراع المؤسسات والقرارات التي تحفظ حقوق النادي، وذلك بعد قطع شوط كبير في الاقتراب من مستوى المنافس المباشر داخل المستطيل الأخضر، وهذا باعترافه شخصيا، بأنه لا يعاني من مشاكل تتعلق بجودة اللاعبين أو الصفقات المطلوبة، بعد دعمه بُجل الأسماء التي حددها، فقط معاناته مع الحلقة المفقودة عن الجهة المنوطة بالحفاظ على حقوق النادي ودعمه نفسيا ومعنويا، وهذا ما يحاول الرئيس تنفيذه بطريقة أو أخرى بداية من الموسم المقبل، أو يحدث العكس، وهو أن يرحل أو تتخذ الشركة الصينية العملاقة قرارا بإقالته وتعيين واحد من اثنين، ماسيمو أليغري أو ماوريسيو بوتشيتينو، وهذا أضعف احتمال.