إسطنبول- “القدس العربي”: لا تزال تركيا تحاول المحافظة على موقف “وسطي” من الحرب الروسية- الأوكرانية عبر تجنب اتخاذ أي موقف أو إجراء يمكن أن يحسم وقوفها إلى جانب طرف على حساب الآخر، وذلك لأسباب مختلفة تتعلق بحرصها على عدم الدخول في صدام مع أي من الأطراف، والإبقاء على آمال لعبها دور الوسيط لوقف الحرب، إلى جانب حرصها الشديد على عدم تكبد أي خسائر سياسية او اقتصادية من ارتدادات الحرب المستعرة مقابل حدودها الشمالية.
وعلى الرغم من اتخاذها مواقف صريحة منددة بالحرب الروسية على أوكرانيا والتأكيد، على دعم وحدة الأراضي الأوكرانية، إلا أن أنقرة لم تتسرع في الاستجابة لمطالب كييف بإغلاق المضائق التركية أمام السفن الحربية الروسية، قبل أن تتخذ أنقرة قراراً “دبلوماسياً” يتعلق بتطبيق بنود اتفاقية مونترو على كافة أطراف النزاع، وبالتالي منع السفن الحربية لكافة الدول المشاطئة وغير المشاطئة للبحر الأسود من عبور البوسفور والدردنيل، وهي خطوة تجنبها الصدام مع روسيا في هذه المرحلة.
من جانب آخر، ورغم تقديمها الدعم سابقا لأوكرانيا عسكرياً عبر بيعها طائرات “بيرقدار” المسيرة، واستخدام الجيش الأوكراني لها بفعالية كبيرة في توجيه ضربات “مؤلمة” للجيش الروسي، إلا أن أنقرة تتجنب إصدار أي تصريحات حول هذه القضية على الرغم من التصريحات اليومية للمسؤولين الأوكرانيين الذين يحاولون بقوة إظهار تلقيهم دعما عسكريا من تركيا والتي كان آخرها تصريح وزير الدفاع الأوكراني، الأربعاء، بأن بلاده حصلت على مزيد من المسيرات التركية. وهي تصريحات لا تلقى تناولاً حتى في وسائل الإعلام التركية الرسمية.
أما على الجانب السياسي والاقتصادي، فترفض تركيا بشكل مطلق حتى الآن أن تكون جزءا من العقوبات على روسيا على غرار ما فعلت دول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وتبرر ذلك أنقرة بأسباب مختلفة، أبرزها عدم إيمانها بجدوى سياسة العقوبات، وأهمها أنها تسعى للاستمرار باتخاذ موقف حيادي للعب دور الوسيط في الأزمة على أمل المساهمة في إنهاء الحرب.
فطوال العقود الماضية، أثبتت تركيا أنها تعارض سياسة العقوبات ضد الدول وبررت ذلك في مناسبات مختلفة بأنها ضد العقوبات التي تؤدي إلى تجويع الشعوب وزيادة معاناتها وأن العقوبات ثبت فشلها كسياسية ناجحة لتركيع الأنظمة السياسية، ورفضت بدرجة أساسية في السنوات الأخيرة أن تكون جزءا مباشرا من العقوبات الغربية ضد إيران رغم التزامها ببعض العقوبات، وتقول إنها تفرق بين العقوبات التي تفرضها بعض الدول على دولة، وأنها غير مجبرة على الانضمام لها، وبين العقوبات التي يفرضها المجتمع الدولي بقرار من الأمم المتحدة.
وفي هذا الإطار، أكد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، مساء الثلاثاء، أن بلاده لا تميل للمشاركة في العقوبات ضد روسيا على خلفية تدخلها العسكري في أوكرانيا، وقال في تصريحات تلفزيونية: “لم نشارك في مثل هذه العقوبات بشكل عام من حيث المبدأ، ولا نميل للمشاركة في العقوبات الحالية أيضا”، لافتاً إلى أن العقوبات المفروضة على موسكو قد تؤثر سلباً على أعضاء الاتحاد الأوروبي والدول الأخرى أيضا بجانب الاقتصاد الروسي.
وذكر أن تركيا تدرس بشكل مفصل جميع القرارات المتعلقة بالعقوبات، وخاصة فيما يتعلق بتأثيرها على اقتصاد البلاد وأمن إمدادات الطاقة لديها، مشدداً على أن بلاده لم تتلق أي طلب أو ضغوط من الدول الأخرى للمشاركة في العقوبات على روسيا.
ورداً على سؤال حول امتناع تركيا عن التصويت على قرار تعليق عضوية روسيا في مجلس أوروبا يوم 25 فبراير/ شباط الماضي، قال جاويش أوغلو، إن القرار كان ينهي حق روسيا في التمثيل، ويعني إخراجها من هذه المنصة وحرمان المواطن الروسي من الذهاب إلى محكمة حقوق الإنسان، مضيفاً: “تركيا لم تصوت لصالح روسيا وانتهجت موقفا مبدئيا لأنها لا تريد قطع الحوار في نهاية المطاف”.
في سياق متصل، اعتبر المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالن، أن بلاده تعتبر بالنسبة إلى الغرب “حليفا مهما يُرجع إليه لطلب المساعدة والدعم والاتصال في الأوقات الصعبة”، لافتاً إلى أن “محاوري تركيا الغربيين يطلبون منها إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع روسيا، وألا تهدم جسور التواصل في هذا الصدد”، وتابع: “تركيا تقول للغرب إنها لا تقبل تصرفات روسيا، لكن لا نية لديها لهدم جسور التواصل معها”، وشدد على أن أنقرة مضطرة لأن تأخذ أولوياتها بعين الاعتبار فيما يخص المصالح، و”على الجميع إدراك أهمية تركيا في تحقيق التوازنات”.
وعقب اجتماع الحكومة التركية، الاثنين، تحدث أردوغان بشكل واضح عن عدم وجود نية لبلاده للقيام بأي خطوات ضد روسيا وتغليب المصالح الوطنية التركية، وقال الرئيس التركي: “لن نتنازل عن مصالحنا الوطنية مع مراعاة التوازنات الإقليمية والعالمية. لذلك نقول إننا لن نتخلى لا عن أوكرانيا ولا عن روسيا”.
واعتبر أردوغان أن تركيا “أوفت بمسؤولياتها حرفيا حتى اليوم في إطار المؤسسات والتحالفات المنضوية فيها، وعلى رأسها الأمم المتحدة والناتو والاتحاد الأوروبي”، مضيفاً: “لا يساور أحد الشك في أننا سنتجاوز الأزمة الحالية بشمال البحر الأسود (الهجوم الروسي على أوكرانيا) على غرار التحديات السابقة”.
وفي حال استقرار الأزمة في أوكرانيا ووقف الحرب، لا يتوقع أن ترفع القوى الغربية عقوباتها بشكل سريع عن روسيا، وهو ما يعتقد أنه سوف يفتح آفاقاً واسعة أمام تعاون اقتصادي كبير جداً بين أنقرة وموسكو التي ستكون بحاجة كبيرة إلى تركيا في القيام بالكثير من عملياتها المالية، كما يتوقع انتقال رؤس أموال كبيرة إلى تركيا لممارسة الأعمال التجارية بحرية أكبر، وربما توجه الكثير من رجال الأعمال الروس لشراء العقارات ونقل الاستثمارات للحصول على الجنسية التركية لممارسة الأعمال التجارية بعيداً عن العقوبات الغربية.
يضاف إلى ذلك، أن الأجواء التركية سوف تصبح وجهة أساسية للطيران المدني الروسي الذي فًرض حظر عليه في أغلب أجواء الاتحاد الأوروبي، كما يمكن أن يزيد عدد السياح الروس إلى تركيا رغم الأزمة، ويرتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين بشكل كبير جداً، على أن يبقى كل ذلك معلقاً على مدى إمكانية حفاظ تركيا على حيادها في الأزمة وعدم تحولها إلى طرف يفجر الخلافات بين الجانبين.