لندن ـ «القدس العربي»: تتسابق الصحف والمؤسسات الإعلامية في فرنسا وإيطاليا، في ربط مستقبل مدرب روما جوزيه مورينيو، بمنصب مدرب باريس سان جيرمان، كبديل إستراتيجي محتمل للمدرب الفرنسي كريستوف غالتييه، مع تقلص فرصه في الاحتفاظ بمنصبه المرموق في «حديقة الأمراء»، لإخفاقه في تحقيق أبسط توقعات النادي والمشجعين، ما بين الخروج المبكر من دوري أبطال أوروبا وكأس فرنسا، وبين صداع تذبذب النتائج والعروض على مستوى الدوري المحلي، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام وسائل الإعلام العالمية، لإثارة الجدل والقيل والقال حول وجود مفاوضات بين وسطاء الرئيس ناصر الخليفي ووكيل أعمال «السبيشال وان»، للاتفاق على الخطوط العريضة في العقد والمشروع المحتمل.
لماذا مورينيو؟
بالعودة بالذاكرة إلى الوراء، سنتذكر أنها ليست المرة الأولى، التي يتحدث فيها الإعلام الفرنسي عن اهتمام أثرياء عاصمة الضوء، بل يمكن القول، إن هناك ما يمكن وصفه بالارتباط الوثيق بين «بي إس جي» والمدرب المثير للجدل، آخرها اشاعات الصيف الماضي، بعد الاستقرار على خيار الإطاحة بالمدرب اللطيف ماوريسيو بوتشيتينو عقب نهاية الموسم الأخير، وآنذاك كانت التقارير تُشير إلى مفاضلة النادي بين مورينيو وزين الدين زيدان وقائمة أخرى بنفس الوزن، لكن في الأخير، وقع الاختيار على غالتييه، بتوصية من مستشار المشروع لويس كامبوس، أملا في الارتقاء بأحلام الماضي غير البعيد، بعد نجاح تجربته مع ليل، التي أوقفت الاحتكار الباريسي لبطولة الليغ 1، لكن سرعان ما تأكد للجميع، أنه لم يكن الخيار الأنسب لفريق الأحلام، فبدأت بتلاشى تكتيكاته في النصف الثاني من الموسم، وعلامات الاستفهام الكبيرة حول شخصيته وقدرته على فرض سيطرته داخل غرفة خلع الملابس، وتحديدا مرونته مع فئة الميغا ستارز، آخرها موافقته على سفر النجم الارجنتيني ليونيل ميسي إلى السعودية، للترويج للسياحة في المملكة بصفته سفيرا للسياحة هناك. وكل ما سبق، بعد معاناة النادي في اختياراته لنوعية المدرب المناسب لهذا الكم الهائل للنجوم والأساطير، أو بعبارة أخرى، يبحث النادي الباريسي عن مدرب يجمع بين الكاريزما لإحكام سيطرته على غرفة خلع الملابس، وبين مدرسة الانضباط والالتزام داخل المستطيل الأخضر، وهذه ما يجعل خطوة التفكير في مورينيو تبدو منطقية، لتمتعه بهذه المواصفات، بالإضافة إلى خبرته الأوروبية العريضة، التي تتوافق مع أفكار وطموحات رجل الأعمال القطري ومجلسه المعاون.
ديكتاتور ناجح
بصرف النظر عن محتوى جودة الكرة التي يقدمها مورينيو مع فرقه، يبقى خيارا مضمونا بالنسبة للأندية الكبيرة التي تبحث عن البطولات والاستقرار الفني لفترة لا تقل بأي حال من الأحوال عن 3 سنوات، وهذا يظهر في سيرته الذاتية، التي تخبرنا بنجاحه على مرتين مع ناديه الأسبق تشلسي، وبينهما تجربته الأشهر مع ريال مدريد، الذي قدم معه واحدا من أعظم المواسم على المستوى المحلي، عندما فاز بالليغا في حملة 2011-2012، بالنسخة المرعبة لريال مدريد، بالهجمات المرتدة التي كانت تدرس في الملاعب الأوروبية آنذاك، وقبلها ما فعله مع الإنتر، بحصد الثلاثية التاريخية في حملة 2009-2010، وحتى في أتعس تجاربه مع مانشستر يونايتد، فانه قاده الى الفوز باليوروبا ليغ وكأس الرابطة، والآن أعاد روما إلى الواجهة، بحصوله على بطولة أوروبية الموسم الماضي، وقد يفعلها مرة أخرى هذا الموسم، بعدما وضع قدما في نهائي اليوروبا ليغ، بفوزه على باير ليفركوزن بهدف نظيف في ذهاب «الأولمبيكو»، وفوق ما سبق، يتعامل بطريقة ديكتاتورية، كمدرب متعصب لأفكاره وأسلوبه البراغماتي في التدريب، وفي نفس الوقت، تقول التجارب القديمة، إنه يُجيد التعامل مع الرموز والنجوم الكبار، بدليل تأثيره على قنبلة الغرور والثقة الزائدة في النفس زلاتان إبراهيموفيتش، ونفس الأمر ينطبق على أسرع فيل في التاريخ ديدييه دروغبا في سنوات المجد مع تشلسي، ناهيك عن الطفرة التي أحدثها مع كريستيانو رونالدو، عندما فجر طاقته ليختم موسم 2011-2012 وفي جعلته 60 هدفا، في ما كان أعلى معدل تهديفي للدون في مشواره، ولغاية الآن يصنف ثاني أعظم مواسمه الفردية على الإطلاق، بعد موسم 2014-2015، الذي ختمه بـ61 هدفا، ومثل هذه الأمور، تبعث الأمل والسرور بالنسبة لإدارة النادي الباريسي وجماهيره، على أمل أن يكرر نفس الأمر مع المدمر كيليان مبابي ونيمار جونيور وليونيل ميسي، إذا لم يغادر.
عالمي وعاطفي
تشمل الأسباب التي جعلت أنظار الباريسيين تتجه نحو مورينيو، استنادا إلى ما يتردد منذ أسبوع في الصحافة الفرنسية والإيطالية، اختلافه عن باقي الأسماء التي تناوبت على تدريب الفريق في حقبة ناصر الخليفي، باستثناء كارلو أنشيلوتي، أنه يصنف كعلامة تجارية في سوق المدربين وعالم كرة القدم، لما لديه من شعبية وشهرة طاغية في كل قارات العالم، غير أنه يعرف جيدا، أن وسائل الإعلام تنتظر كلماته بفارغ الصبر. ومن الناحية النظرية، يبدو «سبيشال وان»، كواجهة إعلامية رائعة للفريق الذي يضم صفوة نجوم الأرض، وأيضا سيكون بمثابة حائط الصد والدفاع الأول عن اللاعبين، ولن يسمح باختراق غرفة خلع الملابس وتسريب الأخبار، كما هو شائع عن الفريق، ولا ننسى صرامته مع اللاعبين، وأسلوبه الحاد، الذي لا يسمح بتنازلات مثل موافقة اللاعبين على رحلات خاصة أثناء الموسم، كواقعة نيمار وبعد ذلك ميسي، وقبل هذا وذاك، يُجيد اللعب على الوتر الحساس، بطريقته العاطفية التي يحفز بها الجماهير لتقديم أعلى مستوى من الدعم والطاقة الإيجابية للفريق، وهي أشياء افتقدها العملاق الباريسي بشدة منذ الانفصال عن طيب الذكر توماس توخيل في شتوية العام قبل الماضي، ويبحث عنها في المدرب الجديد، على أمل أن يتحقق الحلم الكبير، ويُنهي الفريق عقدته الأزلية مع الكأس ذات الأذنين.
سيناريو تخيلي
إذا تخيلنا أننا في بداية العام 2024، وكان باريس سان جيرمان يسير بخطى ثابتة نحو الفوز بالليغ 1، وقبلها كشر عن أنيابه في مرحلة دور مجموعات دوري أبطال أوروبا، بجمع العلامة الكاملة في المباريات الست، وليكن منها مباراتان مع واحد من كبار البريميرليغ أو الليغا، السؤال هنا: هل سينجح جوزيه مورينيو في حل المعادلة المعقدة ويسير بنفس القوة حتى نهاية الموسم؟ أم سيواجه نفس الإشكالية التي عجلت بانتهاء قصة البوش والآن غالتييه؟ والمقصود ما يحدث من انهيار وتفكك للفريق مع حلول شهر فبراير / شباط، اذ تارة يخرج نيمار من الحسابات، بداعي إصابته السنوية الطويلة الأجل في هذا الموعد، الذي يتصادف مع احتفالات شقيقته بأسبوع عيد ميلادها الصاخب في البرازيل، وتارة أخرى بهبوط جماعي صادم في مستوى اللاعبين ولياقتهم البدنية وتركيزهم داخل الملعب، وبالأخص في المباريات المصيرية في البطولة الأوروبية، في ما سيكون بمثابة الاختبار الحقيقي لمدى جودة وقوة المشروع، وإلا ستكون جرس إنذار لتكرار دورة مورينيو الإدارية، التي أفقدته الكثير من شعبيته وسمعته، كمدرب متخصص في قيادة الأندية الكبيرة التي تنافس على أهم البطولات المحلية والقارية، منها على سبيل المثال لا الحصر، صداماته مع المسؤولين والنجوم في صراع التسلسل الهرمي للسلطة والصلاحيات، أبرزها خلافاته مع رومان آبراموفيتش في العام 2007، التي انتهت برحيله، وكذا حرب التشكيك في النوايا مع اللاعبين في تجربته الثانية مع تشلسي، والأشهر السمعة السيئة التي رسمها للفرنسي بول بوغبا، فهل يا ترى تصدق التقارير والتوقعات وتنجح مفاوضات باريس سان جيرمان مع مورينيو وتكون بوابته لاستعادة أمجاده في دوري الأبطال؟ أم يحدث العكس؟ أم هي مجرد اشاعات؟