نصر شمالي
حتى الحرب العالمية الثانية كانت الاشتباكات العسكرية تنشب بين الدول الاستعمارية من أجل الاستحواذ على أكبر عدد من المستعمرات، وكانت مسارح العمليات الحربية الرهيبة لا تستثني أوروبا وشعوبها، غير أنّ تلك الحرب العالمية الثانية، التي هي اشتباك مسلح بين أطراف رأس المال الدولي أهلك عشرات الملايين من الأوروبيين والأمريكيين بالذات، كانت آخر الاشتباكات المسلحة التي طالما تكررت عبر القرون السابقة، فقد انتهت الحرب بتدمير معظم الرساميل الألمانية واليابانية، وبإضعاف معظم الرساميل الأوروبية الغربية، بما فيها البريطانية، بينما خرج الرأسمال الامريكي منها سالماً معافى، فكانت تلك فرصته التاريخية، التي طال انتظاره لها، للسيطرة على إدارة الاقتصاد الدولي والسياسة الدولية، وللإنفراد بقيادة النظام الربوي العالمي!
لقد بدأت منذ ذلك التاريخ مرحلة الهيمنة الامريكية، مدعومة بإنتاجية عالية لقوتها العاملة، حيث توافرت للرأسمال الامريكي قدرة كاسحة على المنافسة في جميع الأسواق الدولية. وقد عمل الرأسمال الامريكي في معرض تحقيق هيمنته على جبهتين: أولاً، مشروع مارشال لإعادة بناء رأس المال في أوروبا عموماً. ثانياً، إعادة بناء رأس المال في ألمانيا واليابان خصوصاً وتحديداً! لماذا هذا الفصل؟ لأنّ المجتمع الفرنسي/الإيطالي كان متقدماً جداً في ميدان العمل السياسي والنقابي، أي مكلفاً جداً في ميدان الإنتاج والخدمات الاجتماعية، ولذلك ركّزت واشنطن جهودها على دعم ألمانيا واليابان، لأنّ التكلفة فيهما أقلّ والإنتاج أعلى، بسبب الضعف النسبي النقابي والسياسي فيهما، وبسبب الانضباط الجمعي الذي اعتاده اليابانيون والألمان! وكانت هناك أيضاً سياسة إحكام الحصار ضدّ الاتحاد السوفييتي والصين، وسياسة ضبط المجتمعات الأوروبية الغربية، المتقدمة والتقدمية سياسياً ونقابياً، للحدّ من فعاليتها السياسية المعارضة لواشنطن وللاحتكارات الدولية عموماً. غير أن أفعال الرأسمال الامريكي، بعد تحقيق هيمنته الدولية، قادته لاحقاً إلى تعريض هذه الهيمنة للخطر. فقد تطور الرأسمال الياباني والألماني، والأوروبي الغربي عموما، ً على أساس معدّلات ربح أعلى، ومن ثم قدرة أكبر على التركيم المالي، وعلى زيادة إنتاجية العمل بمعدلات أسرع من المعدّلات الامريكية، وهو ما عنى قدرة أكبر على منافسة الرأسمال الامريكي في السوق الدولية، بل حتى داخل الولايات المتحدة ذاتها. ولقد أدى ذلك في النهاية (أواخر ستينيات القرن العشرين) إلى إضعاف مركز الصادرات الامريكية في مواجهة الصادرات اليابانية والألمانية.
وهكذا لم يمض ربع قرن بعد الحرب العالمية الثانية حتى كانت الهيمنة الامريكية تتعرض للخطر نتيجة تلك التغييرات التي طرأت على هيكل النظام الاقتصادي العالمي، حتى أنّ الرساميل الامريكية الموظفة في الخارج دخلت بدورها في منافسة مع المركز الأم في الولايات المتحدة بعد أن حققت قدراً من الاستقلال في مواطنها الجديدة!
بل إن الولايات المتحدة انكشفت في تلك الفترة (منذ العامين 1969 1970 تحديداً) وقد تحوّلت من دائنة إلى مدينة، ومن مصدّرة إلى مستوردة. لقد كانت تلك بدايات الصعود الهائل الرهيب للشركات الربوية المتعدّدة الجنسيات، وهي الشركات التي لا وطن لها، ولا قومية، ولا عقيدة، ولا هاجس سوى تكديس الثروات، والتي صارت تتحكم بالعالم عموماً، بحيث غدا رجال الإدارة الامريكية من موظفيها وفي خدمتها!
غير أنّ تلك التغييرات الاقتصادية التي طرأت على هيكلية النظام الرأسمالي الدولي، والتي تحققت على حساب الهيمنة الامريكية شبه المطلقة، لم يحدث مثلها على صعيد النظام العسكري الدولي، ففي هذا الميدان بقيت القوات العسكرية الامريكية هي المهيمنة في جميع أنحاء العالم. وجدير بالذكر أنّ الاقتصاد الياباني/الأوروبي استفاد من توفير النفقات العسكرية لصالح التنمية الاقتصادية، وإن هو عانى من الهيمنة العسكرية الامريكية وبالتالي من السيطرة الامريكية على احتياطي الطاقة والمواد الخام الاستراتيجية في العالم. لقد أدّى ذلك إلى قيام سقف قسري (عسكري) حدّ من قدرة اليابانيين والأوروبيين على المنافسة، وحدّ من الأفاق البعيدة العالية التي يمكنهم بلوغها. وفي المقابل، فإنّ الرأسمال الامريكي، إضافة إلى تقهقره الاقتصادي أمام المنافسة الأوروبية اليابانية، عانى من النفقات العسكرية الباهظة التي مكنته من تطويق العالم أجمع بقواعده، لكنها أثقلته بالأعباء. وهكذا، في أواخر ستينيات القرن العشرين بدت أزمة النظام الرأسمالي العالمي وتناقضات أطرافه على النحو التالي:
أولاً، الرساميل الأوروبية واليابانية تريد الانطلاق إلى آخر الشوط فتصطدم بالهيمنة الامريكية العسكرية فالسياسية، بينما هي تدرك في الوقت نفسه أنها لا تستطيع الاستغناء عن القوة العسكرية الامريكية، خوفاً من شعوبها ومن شعوب العالم من جهة، ولأنها لا تستطيع تنمية قدراتها العسكرية الخاصة بها إلا على حساب تطورها الاقتصادي من جهة أخرى!
ثانياً، الرساميل الامريكية، التي أنهكتها المزاحمة الاقتصادية، وناءت تحت ثقل الأعباء العسكرية الهائلة، تدرك بدورها أهمية هيمنتها العسكرية عالمياً، وعدم استطاعتها التلكؤ في ملء كل فراغ، في جميع القارات، خوفاً من فقدانها لزمام العالم ونهوض الشعوب المقهورة.
لقد كانت تلك أعراض عطب بنيوي في هيكلية النظام الرأسمالي الاحتكاري العالمي لا شفاء له على الإطلاق! وهكذا دخل العالم مرحلة ما بعد الستينيات، المرحلة الفظيعة التي صارت الولايات المتحدة تعالج فيها تناقضاتها وصراعاتها مع حلفائها أطراف الرأسمال الدولي على حساب الأمم المستضعفة.
منذ ذلك التاريخ لم تعد واشنطن تأبه للشكليات الدبلوماسية والقانونية، بل راحت تتقدم بفظاظة ومباشرة على طريق المزيد من وضع اليد على منابع الثروات الاستراتيجية في البلدان المنهوبة، وبخاصة منابع الطاقة، فتقصي حلفاءها عن عمليات تقاسم الغنائم، وتعطيهم فقط ما يكفي للحفاظ على أمن واستمرارية النظام الاحتكاري العالمي، بينما هي تلحق المزيد من الدمار الشامل والقتل الواسع النطاق بشعوب الجنوب، وبخاصة الشعوب العربية والإسلامية، حيث الاحتياطي العالمي الرئيس للطاقة.
لقد نجحت واشنطن في الحفاظ على وحدة حلفها الأطلسي تحت قيادتها على الرغم من العطب البنيوي الذي أصاب هيكليته، وهو العطب الذي برز واضحاً عشية احتلال العراق، حين أدارت واشنطن ظهرها باحتقار لحلفائها وأرادت أن تستأثر لوحدها بثروات العراق النفطية التي تقدّر بأكثر من 400 مليار برميل، فكاد صمود الشعب العراقي يودي بها وبحلفائها لولا أنها تراجعت بسرعة لصالح التحالف. وبالطبع فإنّ تراجع الامريكيين وانصياع حلفائهم مظهر من مظاهر استبعاد نشوب الحرب بين الأطلسيين مهما بلغت خلافاتهم من الشدّة. وما يعزّز هذا التوجه الأطلسي أكثر فأكثر هو الصعود المذهل لمستعمرات سابقة، كالهند والصين والبرازيل، إلى مواقع قيادية، مكافئة إن لم تكن متفوقة، في قطاعات الاقتصاد العالمي.’ كاتب سوري