بعكس القنوات المغرضة وفضائيات الفتنة:
خطيب بدلةاحتفتْ الفضائيةُ السورية، والفضائيةُ الإخبارية السورية، وقناةُ (الدنيا).. آه منك يا (دنيا)، أو – كما كتب الشاعر الراحل عيسى أيوب وغنى وديع الصافي- راحوا الغوالي يا (دنيا)،.. احتفين، جميعهنَّ، بعودة الميجر جنرال النرويجي روبرت مود إلى سورية، على رأس المراقبين الدوليين، المبعوثين من قبل الأمم العالمية المتحدة والأمم العربية المتحدة،.. بعد أن كان حضرتُه، أعني الجنرال مود، قد اعتذر، أو ربما حرد، أو ربما (انْطَمَز) ووقف على رؤوس الأشهاد في النرويج وقال: اشهدوا علي يا قوم، نسائي طوالق، وعبيدي عواتق، إن كنت سأذهب إلى سورية ما حييت!
احتفت الفضائياتُ المذكورات، إذن، بتراجع مود عن الحرد والانطماز، ولولا الحياءُ، ولولا غزارةُ الدماء السورية التي ما تنفكُّ تسيل في الشوارع، لنزل وزيرُ الإعلام، بجلالة قدره، والمديرون العامون لتلك الفضائيات، ومديرو المحطات الأرضية والترفيهية التعليمية السورية، وعناصرُ فرقة أمية للرقص العربي، ونصبوا دبكة في ساحة الأمويين، بالاشتراك مع الممثل الشهير صباح عبيد الذي سبق له أن دبك عند باب مجلس الشعب صبيحة الخطاب الذي تحدى به بشارُ الأسد الشعبَ في الثلاثين من آذار (مارس) 2011، حينما قال عبارته الشهيرة: إذا فُرضت علينا المعركة الآن فأهلا وسهلا بها! سببُ تلك الحفاوة، كما أوردته هاتيك الفضائيات المتحدة، هو أن الجنرال مود شخص طيب، وعاقل، وحباب، والأهم من هذا وذاك أنه (حَقَّاني) و(مُنصف)، ومؤكد أنه سيكون مثل ابن جلدتنا السمراء الجنرال السوداني الدابِّي (الذي سرعان ما أطلق عليه الشعبُ السوري اسماً لافتاً للأنظار هو: الدابّة!.. ومشى عليه هذا الاسم حتى إن الشيخ محمد عدنان العرعور الذي يخاطب الشعب السوري، كل خميس، عبر فضائيات ‘الوصال’ و’الصفا’ و’البيان’ و’سورية الشعب’ أخذ يذكره باسم ‘الدابّة’ دون أي تحفظ، أو حرج، وكأن هذا هو اسمه المسجل في بطاقته الشخصية.. فتـأمل يا هداك الله!). والحقيقة المرة التي لا نتمنى أن يتذوقَ مرارتها صديقٌ، ولا حتى عدو، هي أننا نحن المتلقين السوريين، لم نفهم، رغم أننا عصرنا أدمغتنا على الآخر، سرَّ تلك الحفاوة الدراماتيكية بالجنرال من قبل الإعلام السوري، فكون الجنرال مود إنساناً عاقلاً وحباباً وآدمياً يعيد إلى ذاكرتنا حكاية الزعيم فارس الخوري حينما كان يُجري اتصالاته لتشكيل إحدى الوزارات في الخمسينيات من القرن العشرين، فجاءه صديق له واقترح عليه تسمية فلان الفلاني وزيراً ذا حقيبة، فاهتم فارس الخوري بالاقتراح وسأل صديقه (وما مواصفات هذا الإنسان؟)، قال الصديق: إنه رجل عاقل وحباب وآدمي.. فقال له فارس الخوري على الفور: زَوِّجْهُ أختَك!
وأما عن كون الجنرال مود حقانياً ومُنصفاً (مثل الدابة)، فماذا تتوقع منه تلك الفضائيات أن يكتب في تقريره، أو تقاريره المتلاحقة عن الوضع السوري؟ هل سيقول إن الحكم الوراثي في سورية أمر ضروري، وواجب، ولا بد منه، ولا غنى عنه، ولا مندوحة عنه.. وأن على السوريين، رجالهم ونسائهم، شيبهم وشبابهم، أن يدافعوا عنه، ويعضوا عليه بلثة دامية كما كتب الأديب الكبير الراحل محمد الماغوط؟ أم سيكتب (مود) إن النظام السوري كان يُطْعِمُ المواطن السوري، ويسقيه، ويُمَلِّحُهُ، ويُفَكِّهُهُ، ويُطَبِّبُهُ، ويُشَخِّخُهُ، ويُدَلِّلُه، ويداريه مثل العين الرمدانة، ويحمله على الراحات وهو يصيح (عوجا وخضرا يا لوزية)، ومع ذلك استجاب ذلكم الشعب السخيف المستهتر لنداءات المتآمرين من صهاينة وأميركان وقَطَريين وسعوديين و14 آذاريين، وخرج ليطالب بالحرية مع أن الحرية ليست لازمة له أساساً؟ أم أن الإعلام السوري يأمل من الجنرال (مود) أن يكتب في تقريره أن النظام السوري إذا أراد أن يطبق خطة كوفي عنان (الذي أسماه الشعبُ السوري: العَنّان) فلا يشترط به أن يُطلق سراح المعتقلين لأن مكان الاعتقال أأمن لهم من الخارج حيث العصابات المسلحة تعيث فساداً في الأرض، ولا أن يسحب الدبابات من المدن، والقرى، والأمصار، والدساكر، والكفور، لأن هذه الدبابات عبارة عن دبابات (أليفة) لا تصلح لشيء بقدر ما تصلح لأن يلعب الأولاد و(العجيان) على جنازيرها وظهرها ويفتلوا سبطانتها ذات اليمين وذات اليسار وهم غارقون بالضحك و(الكهكهة)!!.. كما أنه لا يوجد ضرورة لأن يزيل النظامُ الصامدُ (المُمَانع) حواجزَه الأمنية، لأن عناصره الواقفين عليها هم قمة القمم في اللطف والاحترام والتقدير، وصدقاً، لولا شواربهم الغليظة، وكونهم يلبسون البدلات العسكرية المموهة، ويرتدون الأبواط التي تشبه (المخباط) لظن الناس أنهم ممرضات، أو، ربما طالبات صغيرات متمرنات في مدرسة القبالة والتمريض!
القنوات المُغرضةمن جهة أخرى، يقول بعض السوريين الذي يملكون رأياً مختلفاً، وما أحوجنا للآراء المختلفة! إننا- نحن السوريين- قد استفدنا كثيراً من المحنة الطويلة التي تمر ببلادنا، إذ يكفينا فخراً ونبلاً أنه قد أصبح لدينا (كونترول)، و(حكمة)، و(حنكة)، ومقدرة استثنائية على التمييز بين الغث والسمين، والخَيِّر والشرير، والمليح والعاطل، والطيب والخبيث،.. وأصبحنا نعرف ما ينفعُنا في حاضر أيامنا ومستقبلها وما يضرنا، فعلى صعيد الفرجة على الفضائيات أصبحنا نتمعن، ونحملق، ونبحلق، ونُبَحِّر في فضائياتنا المحلية، آناء الليل وأطراف النهار، ونفهم ما تقوله، ونستوعب، ونتعلم، ونأخذ العبر.. ونغضُّ الطرف عن الفضائيات التي أطلق عليها علماءُ ديننا الحنيف (قنوات الفتنة) وأسماها إعلامُنا الحصيف (المحطات المُغرضة).. وإن كان العقل في جسم الإنسان يشبه البوصلة التي يستخدمها البحار للوصول بسفينته إلى بر الأمان، فعقلُنا يقول لنا إن الفرجة على قناة (orient)- مثلاً- ليست محمودة، فصاحب القناة غسان عبود يصر على عرض المظاهرات النهارية والليلية في المدن والمناطق السورية المختلفة على قناته، ويُعطي فرصة للمعارضين السوريين من (هيئة التنسيق) و(مجلس اسطنبول التآمري) الذي أسماه المحللُ الاستراتيجي العابرُ للقارات البروفيسور بسام أبو عبد الله مجلس الكَرَزَايات (نسبة إلى حامد كرزاي الذي لمحناه على إحدى الفضائيات المغرضة يستقبل الرئيس الأميركي أوباما الذي طالبه أحد محللينا الاستراتيجيين ذات يوم بالتنحي عن كرسي الرئاسة الأمريكية باعتباره أنه كان البادىء بالطلب من رئيسنا أن يتنحى.. والبادىء- كما تعلمون- أظلم).. غسان عبود هذا دفع ثمن عناده غالياً حينما ذهب الشبيحة المحترمون إلى أملاكه فسرقوها وكسروها وأحرقوها جزاء لما اقترفت يداه، والبادىء- مرة أخرى- أظلم!
الحارس العتليتفي الوقت الذي قدمت قناة (BBC) المُغرضة حلقة خاصة من برنامج ‘نقطة حوار’ عن ظاهرة الجهاديين التي بدأت تتشكل في سورية في ظل انسداد الأفق الداخلي، و(العصلجة) الدولية، وقيام روسيا الاتحادية بتخصيص مسؤول مناوب في الخارجية ليدلي بتصريحات معادية للشعب السوري، بمعدل تصريح واحد كل ثلاثين دقيقة، قدمت (BBC) وغيرها من قنوات الفتنة منظراً لامرأة اقتحمت احد المقرات القضائية الأميركية العليا وأخذت تبربر بكلام فهمنا منه أنها تحتج على أن القوات الأمريكية الخاصة، حينما تكافح الإرهاب، تقتل، بالخطأ، عدداً من المدنيين الأبرياء.. وبينما كانت المرأة (تردح) للمسؤولين الموجودين في القاعة، ولا ندري إن كانت قد سبت على أمهاتهم وأخواتهم، هرع رجل عتليت، زعم أحد المتفرجين على المشهد أنه يكفي لطعام الضبع مع زوجته الضبعة وأبنائه الضباع الصغار (القطاقيط) شهراً، ويمكنه أن يوزع بعض الحصص من لحمه على الفقراء والمحتاجين وأبناء السبيل من الضباع المسكينة.. حمل المرأة مثلما يحمل الولد الصغير قطعة البسكوت.. وقذفها خارج القاعة.
السوريون مرة أخرىنحن السوريين وقفنا، تلقائياً، إلى جانب الرجل العتليت ضد المرأة المحتجة.. أختي شو عليه إذا قُتل كم مدني بريء بالغلط؟ هل هذه قصة تستحق أن يحكي بها المرء.. ياه؟!
كاتب سوري يعيش في سوريا (حتى الآن)