لماذا شارك الإسرائيليون في أكبر الاحتجاجات ضد الحرب الآن؟ وهل تستمر وكيف ستؤثّر على مصير الدولة العبرية؟

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”:

بعدما شهدت تل أبيب المظاهرة الأكبر ضد الحرب منذ بدئها، تتبادر عدة أسئلة منها لماذا الآن؟ وهل تستمر بذات الوتيرة؟ وكيف ستؤثّر على مستقبلها؟ والسؤال الأخير هذا يشغل عددا من المراقبين الإسرائيليين اليوم الاثنين.

هذه المظاهرة الكبرى التي توجّت “يوم الغضب” الإسرائيلي بدعوة وتنظيم منتدى عائلات المحتجزين في غزة جاءت جماهيرية وصاخبة جدا على خلفية مصادقة “الكابينت” على خطة اجتياح مدينة غزة والخوف المتزايد من تبعاتها، خاصة أن هناك مراقبين كثرا يحذرّون من فشلها وثمنها الباهظ على غرار حملة “مراكب جدعون” الفاشلة والمكلفة بالنسبة لجيش الاحتلال.

يوميا يسمع جنرالات في الاحتياط وخبراء عسكريون تحذيراتهم من التورط بحرب استنزاف، ومن تحول غزة إلى مصيدة للجيش، وذهب بعضهم للقول أمس إن غزة لن تكون برلين، يسقط القطاع وتستسلم حماس بمجرد احتلالها، إنما ستكون بغداد ومقديشو، مدينة تشهد عمليات مقاومة يومية، وفق ما قاله الجنرال في الاحتياط ميخائيل ميليشتاين في مقاله صحافي.

يبدو أن النقاش الصاخب بين المستوى السياسي وبين الجيش الذي يبدي موقفا متحفّظا من حملة اجتياح غزة قد فاقم الشكوك بها وبجدواها، وأجّج الخوف من أثمانها مما عمّق حالة خوف الإسرائيليين منها، وبالتالي المشاركة في نداء وقف الحرب.

ويعبّر وزير الشتات والناطق بلسان جيش الاحتلال سابقا نحمان شاي عن مخاوف الإسرائيليين هذه ضمن مقال تنشره صحيفة “معاريف” اليوم عن احتمالات الخراب الذاتي نتيجة الانقسامات الحادة بينهم، فيقول إن الكثير من الإسرائيليين لا ينجحون بالنوم في الليالي خوفا على الأبناء والأحفاد ممن يخدمون في الجيش.

من غير المستبعد أيضا أن النزيف الدبلوماسي في العالم ضد إسرائيل الذي يؤثر على كل فرد إسرائيلي سائح أو زائر قد بات يقلقهم ويدفعهم لقبول فكرة وقف الحرب والسعي من أجل ذلك. ولا بد أن فيديوهات بعض المحتجزين في الأيام الأخيرة وفيها ظهروا بحالة هزال يستغيثون ويتوسلّون الإفراج عنهم قد ساهم في دفع المزيد من الإسرائيليين للتظاهر هذه المرة.

انقسام الإسرائيليين

في المقابل، ورغم حجمها الكبير، فإن الاحتجاجات في تل أبيب وغيرها لا تخفي حقيقة أن الإسرائيليين منقسمون، وأن هناك أوساطا واسعة منهم تعارض فكرة التظاهر والاحتجاج، وترى بها دعما لحماس. تؤيد هذه الأوساط حكومة الاحتلال وتريد مواصلة الحرب لاعتبارها هي الأخرى بقاء حماس في الصورة بعد حرب هي الأكثر طولا وكلفة وبعد عشرين شهرا رغم اختلال موازين القوى ورغم النكبة داخل القطاع نوعا من انتصار العدو وهزيمة لإسرائيل. يعبّر عن هذا الموقف السفير الإسرائيلي في واشنطن سابقا، والمؤرخ مايكل أورون في مقال تنشره صحيفة “يديعوت أحرونوت” اليوم، وفيه يقترح انسحابا للأمام.

يستعرض أورون بدائل سيئة منها وقف الحرب الآن مع بقاء حماس في غزة، ويقترح على الحكومة التسلق أعلى على الشجرة بدلا من النزول عنها، مرجحّا أن ذلك سيدخل حماس في حالة ضغط شديد ويدفعها لقبول صفقة تفرج فيها عن المختطفين.

ويتكاتب معه محلل الشؤون البرلمانية في الصحيفة ذاتها عاميحاي أتالي في مقال بعنوان ” خطأ بالعنوان” داعيا لتوجيه المظاهرات ضد من يساند العدو: “مصر وقطر والصليب الأحمر” معتبرا هو الآخر أن التظاهر يصب الماء على طاحونة حماس.

جدوى الاحتجاجات وتأثيرها على مستقبل الحرب

وحول سؤال جدوى الاحتجاجات وتأثيرها على مصير الحرب، هناك أوساط واسعة تتبنى مقولة أتالي، وتخشى من أنها تؤدي لتعزيز قوة الجانب الفلسطيني وتدفعه لرفع سقف طلباته، مقابل من يرى بها الطريق الوحيد لدفع حكومة نتنياهو لوقف الحرب على غرار وقفها مقابل حزب الله في لبنان وكذلك مع إيران، رغم أن التهديدات هناك ما زالت أكبر من تهديدات غزة.

من جهتها، تأمل عائلات المحتجزين أن يكون “يوم الغضب” بداية نهاية الحرب، ولذا أكثر المتحدثون في مهرجان تل أبيب أمس في تقديم الشكر للإسرائيليين لمشاركتهم بأعداد كبيرة هذه المرة. نتنياهو المجرّب سياسيا ويعي خطورة الجرف الجماهيري وانزياح الرأي العام ضد الحرب، حاول في ضربة استباقية التحريض عليها، فقال صباح في مستهل الجلسة الأسبوعية للحكومة، إن أولئك الذين ينادون من أجل وقف الحرب دون حسم حماس يبعدون الصفقة أكثر، ويدفعون نحو تكرار فظائع السابع من أكتوبر، وسنضطر عندها لقتال دون نهاية”.

وعكس الرد الانفعالي الغاضب لدى نتنياهو، مخاوفه من الحراك الشعبي الواسع. لكن نتنياهو الذي أصاب “طوفان الأقصى” هيبته وعنجهيته بجراح بالغة، لن يتراجع بسهولة عن الانسحاب للأمام والمقامرة من جديد طمعا بـ”نصر مطلق” يعيد له شعبيته ويداوي جراح “الأنا” المتضخمة والجريحة. وهذا ما يعكسه كاريكاتير “يديعوت أحرونوت” اليوم، وفيه يظهر نتنياهو داخل مكتبه مقابل شاشة تلفاز تنقل صور جماهير غفيرة من مظاهرة تل أبيب وهو يمسك بيده الأولى “سيجارة” من صنع كوبا، وبيده الأخرى يمسك جهاز “الريموت كونترول” وغلق الصوت في مشهد يقول إنه لا يريد سماع صوت المتظاهرين.

وتتفاوت التقديرات الإسرائيلية غير الرسمية حول تأثير هذه الاحتجاجات الواسعة. فمقابل بعض المراقبين الذين يرون أنها غير مجدية، بل مفيدة لحماس، يدعو على سبيل المثال المعلّق السياسي ناحوم بارنياع في مقال تنشره “يديعوت أحرونوت” اليوم لمواصلة الاحتجاج. ويقول: “احتجاج وراء احتجاج، وفي النهاية ستنهار جدران بلادة وغلظة الحكومة. على الأقل سيعلم كل جندي احتياط لأجل من يحارب. على الأقل هذا”.

وتبعته زميلته المعلقة روتم ايزك بقولها إن تل أبيب شهدت ليلة أمس مظاهرة وجع وحبّ، لكن المسؤول عن الفشل الكبير، نتنياهو، يصبغها بلون آخر: “مظاهرة الخيانة للوطن”. وتمضي في الدعوة هي الأخرى لتصعيد الاحتجاج حتى محاصرة الحكومة: “رئيس الحكومة المسؤول عن أمن الإسرائيليين الذي سمح للغيبيين في ائتلافه بتعطيل صفقات تبادل، يتهم المتظاهرين بالتسبب بموت إسرائيليين في الأسر وبكارثة قادمة”.

هجوم نتنياهو على المتظاهرين والراغب بردع مشاركة المزيد من الإسرائيليين في احتجاجات قادمة، دفع رئيس المعارضة يائير لبيد للتعقيب عليه خلال مشاركته في مظاهرة تل أبيب، واتهامه بتوريط إسرائيل في حرب لا طائل منها، وإغراقها في تسونامي معاد في العالم.

بالتزامن مع موجة الاحتجاجات، فإن نتنياهو من جهة لا يوقف مداولات غير رسمية مع الوسطاء من أجل صفقة جزئية مما يثير انتقادات مسؤولين إسرائيليين محجوبي الهوية، وفق الإذاعة العبرية، ولكنه من جهة أخرى يواصل عد العدة لشن عدوان جديد مستفيدا من بقاء الانتقادات في العالم أقوالا لا أفعالا، حيث هدد الوسطاء بأن إسرائيل ستبدأ في حملتها لاحتلال مدينة غزة قريبا جدا بحال لم تمتثل حماس لصفقة بشروطه.

بالتزامن أيضا يطرح اليوم الاثنين قائد جيش الاحتلال زامير على الحكومة خطة اجتياح غزة، ووزير الجيش يسرائيل كاتس يفترض المصادقة عليها غدا، كما ستحول لواشنطن مسودة من خطة الاجتياح بناء على طلب أمريكي.

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية